دراسات

حرب على الإرهاب وحقوق إنسانية في قبضة البيروقراطيات الأمنية: قراءة في التجليات العامة وفي بعض مظاهر الأمنوقراطية الإسرائيلية

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تنطلق هذه الدراسة من الأطروحات القائلة بالتراجعات التي تعرفها أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان تحت مسوغات أولوية الاعتبار الأمني، طارحةً إشكال المدى الذي يطبع سطوة وتغول البيروقراطيات الأمنية وتداعيات ذلك على مضامين التمتع بحقوق الإنسان، في تناول يُركّز على الدول الديمقراطية الغربية، وعلى قوة احتلال كإسرائيل باعتبارها تمثل حالة ذات مغزى خاص. وتستلهم الورقة من المذاهب النظرية التي تطرح مقولات الحوكمة عبر القلق وحالة الطوارئ والمراقبة المعممة، المُفسرة للتدابير الأمنية المشددة. منهجيًا، تعالج الورقة خصائص المحيط الأمني الاستثنائي الذي يسود سياق الحرب على الإرهاب وما يبديه من مساس بحقوق الإنسان نتيجةً لتطاول مقدرات البيروقراطيات الأمنية، مشيرةً في سياق ذلك إلى الحالة الإسرائيلية. وتخلص الورقة إلى أن حقوق الإنسان على العموم تتعرض لتهديد حقيقي، وإلى قلب كثير من المفاهيم السائدة؛ نتيجة للتدابير المشددة ولتسخير التكنولوجيا الرقمية في الحرب على الإرهاب بشكل يحول الأفراد إلى «إرهابيين محتملين»، وإلى استغلال إسرائيل تلك التوجهات في تكريس سياساتها الاحتلالية.

 مقدمة

من المؤكد أن حجم الخطر الذي أضحى يمثله الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد تعاظم بشكل حمل انعكاساته الثقيلة على العالم أجمع. فاتخذت الحرب العالمية المعلنة على الإرهاب أبعادًا مختلفة تضمنت، في جانب هام منها، التدابير العسكرية وتشديد القبضة الأمنية بهدف ملاحقة «الإرهابيين» وإفشال مخططاتهم. في السياق ذاته، يصبح التهديد الإرهابي بإيعاز من الدول الغربية، الديمقراطية بالأساس، مناط السياسات الأمنية وخطط التعاون الأمني والعسكري مع باقي دول العالم، في تصوير قد يبدو مُضخِّمًا لذلك التهديد، وفاتحًا الباب أمام فرض التقييدات الإضافية على منظومات الحقوق والحريات عبر تشريعات وتدابير مستحدثة تتصل بمكافحة الإرهاب. وإذ تُسلط الأضواء بشكل مكثف على العمليات الإرهابية المُرتكَبة في الغرب، إلا أن الواقع يشير إلى أن الغالبية العظمى من تلك الأعمال تقع في الدول النامية.[1] ومع ذلك، استتبع التقديم المبالغ فيه للخطر الإرهابي في الغرب تشديد التدابير الأمنية وممارسة الضغوط السياسية على دول الجنوب، لتعمل بدورها على تعزيز قبضتها الأمنية بكل ما تحمله في الغالب من مظاهر الانحراف القانوني والأخلاقي إزاء حقوق الإنسان. ويساهم سيل المعلومات المتدفق حول الأعمال الإرهابية وتداولها عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، علاوةً على مناحي توظيفه السياسي أحيانًا، في تهويل الشعور بالصدمة والرعب لدى المجتمعات، ما يغذي مشاعر التهديد وعدم الأمان ويمهد لتقبلها للتدابير الأمنية، مهما كانت، ضمن ما يوصف بالقابلية للحوكمة عبر القلق.

وتندرج هذه الورقة ضمن المنظورات التي تحاول معالجة تلك العلاقة المعقدة بين الضرورة الأمنية التي تستدعيها تدابير مكافحة الإرهاب من جهة، ومتطلبات استحضار معايير احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية من جهة أخرى، مُشخصةً النزوع نحو الأمننة، ومُقرةً بالتراجعات التي تعرفها حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية الكلاسيكية. وهي تطرح جدلية ترنو، عبر استحضار جانب هام من التداعيات المستحدثة التي تفرزها تلك العلاقة، إلى استنباط مدى ما يطبع المقاربة الأمنية في مكافحة الإرهاب والتدابير والتجليات الناجمة عنها، من جموح البيروقراطية الأمنية وتغولها، وما قد يقود إليه ذلك من آثار على مضامين ومعايير حقوق الإنسان المتعارف عليها، وعلى الديمقراطية التي قد تضحو مهددة بتوجهات «أمنوقراطية». في هذا التناول، تتوخى الدراسة التركيز على وضعية النظم الديمقراطية الغربية كونها تضم توجهات دول العالم الأخرى، محاولةً، في السياق ذاته، فحص فرضية استغلال إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال وحالة تحمل مغزى خاصًا ومتفردًا في هذا المقام، لتصاعد خطاب وتدابير الحرب على الإرهاب؛ لأجل تبرير مزيد من التشدد في تدابيرها الأمنية القمعية اتجاه الفلسطينيين، والمُضي في سياساتها الرامية لتكريس وتوسيع احتلالها واستيطانها، واضعةً ذلك في سياق محاربة الإرهاب.

وتستلهم الورقة في التأطير النظري للموضوع، حسب السياق المدروس، من المقاربات الفلسفية التي تتناول المرجعيات الأخلاقية للسلوك الأمني في سياق الحرب على الإرهاب، إلى جانب مفهوم «السياسة الحيوية» ومظهر تحول الفرد إلى صفة «المجرم المحتمل» لميشيل فوكو ونظرية «دولة الطوارئ الدائمة» لجوجيو آغامبان، إلى جانب أطروحة «رأسمالية المراقبة» و«السلطة الآلية» التي تسوقها شوشانا زيبوف. كما تستدعي الورقة جملة من الوضعيات القانونية والمواقف الأخلاقية وثيقة الصلة بالموضوع، علاوةً على مجموعة من المواقف والآراء الراجعة إلى بعض محترفي التدبير الأمني في كل من الغرب وإسرائيل.

وتعمد الورقة منهجيًا إلى استدعاء جانب هام من المفارقات المبرزة للانحراف الأمني إزاء معايير احترام حقوق الإنسان التي تفرز البيئة الاستثنائية للتمتع بتلك الحقوق في سياق الحرب على الإرهاب، مرورًا بتحليل التمدد والتوسع في الصلاحيات والمقدرات الذي تعرفه البيروقراطيات الأمنية في الغرب وإسرائيل، مستغلةً خطابًا للخوف والقلق صفته «التهويل من خطر التهديد الإرهابي»، وصولًا لاستجلاء جانب من خصائص الأمنوقراطية المتمددة، شاملةً المثال الإسرائيلي، والتي تمنح الإنسان، على ما يبدو، حقوقًا باعتبار كونه مجرمًا محتملًا.

التدبير الأمني لمكافحة الإرهاب: حقوق الإنسان في محيط استثنائي

شكلت الحرب على الإرهاب مبررًا مقبولًا على العموم، لتسويغ التدابير الأمنية الاستثنائية التي كثيرًا ما تصيب التمتع بالحقوق والحريات بالضرر. بل أنها تساهم في خلق واقع مستقبلي يصبح فيه الإنسان محكومًا بالمراقبة المستمرة، وبوجوب تقبله الإرادي للتضحية ببعض حقوقه الإنسانية، كي يتيح للسلطات العمل على «درء خطر التهديد الإرهابي». إن الأخلاقيات الأمنية التي تتماشى مع المعايير الديمقراطية، تجد نفسها كذلك تحت وطأة جموح وتحكم النظرة الواقعية للأمور، لتستجيب لفكرة ارتباط الأمن الوطني بمصالح حيوية للدولة تسمو على المصالح الأخرى «الأقل أهمية». وبالنسبة للحالة الفلسطينية المحكومة بواقع الاحتلال، تمثل تلك التوجهات أساسًا لسلوك القوة المحتلة (إسرائيل) من أجل تسويغ كافة أنواع التصرفات المضادة لمختلف أشكال الأنشطة المقاومة للاحتلال، على اعتبار كونها «إرهابية» أو «داعمة للإرهاب».

التوجه الأمنوقراطي في سياقات محاربة الإرهاب: أية مسوغات؟

عمومًا، يتأثر إعمال حقوق الإنسان ومدى احترامها في سياقات الحرب على الإرهاب، بموقف المجتمع، ومن ثم السلطة السياسية، من المدى الذي يمكن أن يصل إليه الفعل الأمني. ويمكن هنا التمييز بين ثلاث وجهات نظر فلسفية: واقعية، موقفية، وأخلاقية.[2] فبحسب المقاربة الواقعية، يُمثّل الأمن الوطني غاية تبرر كل الوسائل. فبالنسبة لحكومة ما، يُعد عدم اتخاذ كل ما يلزم لتحييد التهديد من تدابير تدخلية، تجاهلًا لواجب أخلاقي وإنكارًا لمسئوليتها الأساسية تجاه مواطنيها، ذلك أنه، من دون تلك الإجراءات، ينتفي وجود مقاربة دفاعية فعالة. بالنتيجة، يفترض أن يتمكن مسئولو المصالح الأمنية من الحصول على قيادة تهدف إلى الدفاع عن الأمة. لقد تمكنت نظرية «الشر الذي لا بدّ منه»  من فرض نفسها خلال القرن العشرين بالتوازي مع توجه القانون العام نحو شرعنة «حالة الضرورة» وتبرير السلطات الاستثنائية خلال الأزمات،[3] إلى الحد الذي تفوقت فيه الضرورة على الشر؛ لأن «انعدام الشرف الذي يطول الوسائل المستخدمة يُعوَّض بأهمية الهدف». ربما أمكن ملاحظة أن هذه الفكرة لا يزال لها نصيب من التطبيق مع بدايات القرن الحادي والعشرين نتيجة لتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر. في الوقت نفسه الذي تتعزز فيه مصداقيتها لدى قوة احتلال كإسرائيل.

أما المقاربة الموقفية فتدعو إلى نوع من التناسب الأخلاقي في اختيار الأهداف واستخدام الوسائل. في أفق ذلك، لا يمكن استبعاد أي فعل بدعوى كونه سيئًا في جوهره، فكل الأفعال تخضع للتقييم بناءً على معطيات الموقف. ومع ذلك، فإن المؤيدين لهذا الطرح لا يعتقدون بإمكانية تبرير كافة الأفعال، وهم يركزون على بعض المحظورات المطلقة وخاصةً التعذيب، والذي كثيرًا ما يجري اللجوء إليه في محاربة الإرهاب. وفيما يتعلق بالمقاربة الأخلاقية، فهي ترى أن بعض الأفعال والتدابير الأمنية هي في جوهرها سيئة ولا يمكن بتاتًا تبريرها لما تحمله من إضرار بالحقوق الأساسية للإنسان. وتبرز هذه المقاربة الأخلاقية بصورة جزئية في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث يستحيل في نظرها المساس ببعض الحقوق الأساسية كالحق في الحياة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة.[4] ومن هنا، لا يمكن بأي حال من الأحوال، تبرير انتهاك هذه الحقوق، سواءً تعلق الأمر بمواطن صالح، أو بعدو، أو بمجرم، أو حتى بإرهابي.

بملاحظة بعض مظاهر السلوك الأمني الدولي، تقودنا العشرون سنة الأخيرة التي تبعت أحداث نيويورك وواشنطن في 2001، والتي عرفت ممارسات رجعت إلى بعض الدول الغربية الديمقراطية وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تسجيل تلك الممارسات المثيرة للجدل من قبيل: الإعدامات خارج إطار القانون، السجون السرية، تسليم مشتبه بهم إلى دول ونظم سياسية لا تحترم حقوق الإنسان، التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وصولًا إلى تعميم المراقبة وانتهاك الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية للإفراد وتقييد الحريات عبر التكنولوجيا الرقمية، وسنّ التشريعات المشددة تحت مبررات محاربة الإرهاب. إن هذا الاتجاه الذي يبدو متماشيًا تمامًا مع اعتبارات المقاربة الواقعية، قد يجد له مبررات أخلاقية لدى البعض: فمثلًا، تعد العمليات السرية باعتبارها أداة أمنية تلجأ إليها الحكومات الغربية في مكافحة الإرهاب، والتي تعتبرها بعض وسائل الإعلام «إرهاب دولة»، لاسيما عندما ترتبط بالاغتيالات، هي عمليات موجهة تستهدف أفرادًا بذواتهم يخططون ويعملون على إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا الأبرياء. مثل هذه العمليات الموجهة لا تؤدي في الغالب إلى ضحايا عرضيين، ولا تستهدف سوى شخصًا بعينه هو على الأرجح غير بريء. إنه كل الفرق القائم بين اعتداء دموي أعمى وعملية جراحية.[5] على أن النظر إلى ما دأبت عليه إسرائيل، حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بوقت طويل، من تصفية قيادات لمنظمة التحرير الفلسطينية وشخصيات فلسطينية وعربية وأجنبية، ساندت القضية الفلسطينية، داخل فلسطين وفي دول أخرى مختلفة، بدعوى «ممارسة الإرهاب»، يُلقي مفارقة إضافية ثقيلة على المسألة، كونه، على الأقل، يعيدنا إلى إشكال الحدود التي من شأنها الفصل بين ما يعتبر إرهابًا، وما يدخل في إطار ردود الفعل على العدوان ومناهضة الاحتلال.

في الاتجاه «الواقعي» نفسه، تسير المسألة الشائكة المتعلقة بإيجاد تعريف مدقق وواضح للأمن الوطني، حيث ترغب الحكومات، على ما يبدو، في إبقاء إشكال إقامة التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وحماية الحقوق والحريات قائمًا؛ بهدف ضمان حرية السلطات في التقدير والتصرف. وبهذا الشأن يقول إيرل هاو، أحد أبرز أعضاء مجلس اللوردات البريطاني المحافظين عند إقرار مشروع قانون مجلس اللوردات بشأن صلاحيات التحقيق في 2017: «لقد كانت سياسة الحكومات المتعاقبة هي عدم تعريف الأمن الوطني في القانون. ومن الضروري ألا يحد القانون من قدرة وكالات الأمن والاستخبارات على حماية الجميع من التهديدات الجديدة الناشئة… أعتقد أن النقطة الأساسية هي أن تعريف الأمن الوطني في التشريعات، يمكن أن يكون له تأثير غير مقصود في الحد من قدرة أجهزة الأمن على الاستجابة لهذه التهديدات لأمننا الوطني». وقد ذهبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في منحى مماثل[6] عندما اعتبرت أن سلطة مراقبة المواطنين سرًا، وإن كانت من سمات الدول البوليسية، يمكن قبولها ضمن الحد الضروري للغاية من أجل حماية المؤسسات الديمقراطية… إن وجود مقتضيات تشريعية تسمح بصلاحيات المراقبة السرية للمراسلات والمبعوثات والاتصالات، لمواجهة «وضع استثنائي»، هو أمر ضروري في مجتمع ديمقراطي لأجل الدفاع عن الأمن الوطني والحفاظ على النظام.[7]

في إسرائيل، حيث تسود عقيدة أمنية فضفاضة تحكمها بشكل واسع أيديولوجيا صهيونية تتبنى العنف والعنصرية تجاه العرب والفلسطينيين،[8] جرى مؤخرًا إلزام مؤسسات الدولة كافة بمقتضيات «يهودية الدولة»، لتصبح المصالح الأمنية ملتزمة، رسميًا، بضرورة العمل على تكريس ذلك المبدأ والدفاع عنه في مواجهة التهديدات التي تحدق به مهما كان نوعها. فالعربي/الفلسطيني، وإن كان من مواطني إسرائيل، مُقصى بحكم القانون من أي حق لتقرير المصير بموجب «قانون القومية اليهودية» وبموجب كافة التدابير التمييزية والعنصرية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية،[9] فهو في حكم «العدو» و«المجرم المحتمل أو الكامن»، والذي يتوجب الحذر إزاءه ومعاملته بما يلزم من تضييق وقمع وعنف، تماما كفلسطينيي الأراضي المحتلة، لاحتمال قيامهم بارتكاب «أعمال إرهابية»، و«عندما يتعلق الأمر بالإرهاب، فلا مجال للحديث عن أخلاقيات»، على حد تعبير أبراهام شالوم، المسئول السابق في جهاز الأمن الداخلي «شاباك».[10] ويبدو أن نظرية الأمن الإسرائيلية، حينما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، وإن كانوا من المواطنين، تظل بمنأى عن أية تحديدات قانونية واضحة من شأنها حماية حقوق الإنسان من التقييد المبالغ فيه أو من الانتهاك الصارخ.

تجاه الدولة الديمقراطية، تطرح مثل تلك البناءات التي قد تبدو منطقية أحيانًا، مشاكل كبيرة. فالمبدأ الأساسي هو ألا أحد فوق القانون، ما يتطلب بوضوح أن تكون تصرفات وسلوكيات مصالح الأمن والاستخبارات، في نطاق الحرب على الإرهاب، ضمن قانون دقيق ومفصل ينظمها. في هذا الصدد، تبني معظم الدول الديمقراطية عمل الوكالات الأمنية التابعة لها على أساس تشريعي أو تنظيمي محدد،[11] كمسعى مبدئي من الدولة لتنظيم وتقييد التدخل في الحقوق والحريات الأساسية الذي قد ينجم عن التدابير التي تتخذها لضمان الأمن الوطني، والذي قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان.

بيد أنه يتضح أن ثمة خلطًا بين قضيتين متمايزتين للغاية: فمن ناحية، قد يبدو ما يُشكل الأمن الوطني للدولة ثابتًا، بينما تتطور الطريقة التي يتم بها تهديد الأمن الوطني باستمرار. فلا أحد سيعارض فكرة أن الدولة يتعين عليها ضمان عدم تقييد أجهزة الأمن بشكل غير ضروري (في سياق تنظيم هذه الخدمات من جانب الدولة)، في استجابتها لهذه التهديدات الناشئة، ولكن تلك هي طبيعة تقويض الأمن الوطني وليست طبيعة الأمن الوطني ذاته، فتدابير مكافحة الإرهاب التي تتخطى القيود القانونية المفروضة على مصالح الأمن بشكل سافر أحيانًا، تؤكد ذلك التقويض بجعلها الأمن الوطني عبارة عن ذلك الحق الممنوح لسلطة الدولة في اتخاذ «ما يمكن» من تدابير بهدف إبعاد التهديد والوقاية من الخطر واستباقه. على أن وجهة النظر السائدة تقليديًا لدى قوة محتلة كإسرائيل، تمضي أبعد من ذلك على ما يبدو: ففي معرض وصفه لطبيعة العمل الاستخباري، يعتبر إيسار بيري، الرئيس الأول السابق لجهاز «آمان»، أنه «بداية من اللحظة التي يمارس خلالها جهاز استخباراتي ما عمله وفقًا للقانون، فإنه يكف عن كونه جهاز استخبارات».[12]

وفي واقع الأمر، تبرز في حالة قوة احتلال استيطاني كإسرائيل، فرضية أن كل هذا الجدل يمثل لها فرصة لتعزيز التوجه نحو تشديد التدابير المجافية لحقوق الإنسان ولمسئولياتها القانونية بصفتها «تلك» من أجل تصعيد تدابير الأمننة إزاء نشاطات وتحركات كافة الأفراد والقوى التي تعتبرها مناوئة لها ولسياستها الاحتلالية، تحت مسوغ «مكافحة الإرهاب» وحقها في «الدفاع الشرعي» عن النفس ضد كل ما تعده إرهابًا وتخريبًا. إنها حالة تعيد طرح السؤال الدائم حول ماهية الإرهاب والحدود التي تفصله عما يدخل في مقاومة الاحتلال، الشرعية والمشروعة حسب القانون الدولي.

مظاهر التدبير الأمني للإرهاب ومأزق حقوق الإنسان

إن بيانًا مختزلًا لبعض المظاهر التي يُنظر إليها باعتبارها تنطوي على انحرافات بيّنة فيما يتصل بضمان احترام حقوق الإنسان، من شأنه إبراز خصائص المأزق الذي تخلفه متطلبات الحرب على الإرهاب، لاسيما لدى الدول الغربية الديمقراطية؛ فالتجاوزات والانحرافات التي يدفع إليها أحيانًا التشدد في الأمننة، المدفوع بدوره بمتطلبات استباق وقوع الخطر والمعزز بالمقدرات التقنية الهائلة، تقود، بحسب البعض، لإفراغ مبدأ الشرعية من مضامينه العملية، وإلى نوع من الإقرار بفرضية «التحول إلى الأمنوقراطية». وإذا كانت هذه حال الدول الديمقراطية، فإن فرضية أن يستتبع ذلك تشديد القبضة الأمنية ومجافاة حقوق الإنسان والشعوب في سواها من الدول، وخاصة إذا ما نظرنا إلى حالة قوة احتلال كإسرائيل، ستغدو ذات درجة كبيرة من الواقعية والمصداقية.

يتمثل أحد أبرز المظاهر الإشكالية، في ما يعرف بالعمليات الموجهة ضد أهداف بشرية استراتيجية، وهي تشير إلى شكل من «الاستخدام المتعمد للقوة المميتة من جانب دولة ما أو من جانب وكيلها الذي يعمل تحت غطاء القانون، أو من قبل جماعة مسلحة في سياق نزاع مسلح، ضد فرد معين لا يخضع للسيطرة المادية لمرتكب الضربة».[13] وفي إطار محاربة «الإرهاب»، تلجأ الولايات المتحدة ودول أخرى، من أبرزها إسرائيل، إلى مثل تلك الضربات لتصفية أفراد يعتبرون «إرهابيين» أو مشتبه في كونهم كذلك، في عدد وافر من الدول كأفغانستان وباكستان وسوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا والسودان والصومال وغيرها، منهيةً حياة أفراد بوسائل غير قضائية، ومصدرةً بحقهم أحكامًا بالإعدام دون محاكمات أو حقوق للدفاع، الأمر الذي يعد حرمانًا تعسفيًا من الحق في الحياة. وفي حالة السلم، يتعارض حق الدولة في استعمال القوة المميتة ضد الأفراد، على العموم، مع القوانين الجنائية ومقتضيات حماية حقوق الإنسان الوطنية منها والدولية، حتى وإن كانت تقر عقوبة الإعدام، إلا إذا تم إقرار مسئوليتهم الجنائية عبر محكمة شرعية نزيهة ومستقلة، أو أن يتم ذلك في إطار الدفاع الشرعي.[14] وتوظيفًا لهذا المسوغ الأخير، الذي يقره ميثاق الأمم المتحدة في مادته الحادية والخمسين، تلجأ الدول الغربية وغيرها إلى استخدام القوة المميتة تجاه الأفراد على اعتبار تعرضها لعدوان مسلح. وفي الواقع، لا يمكن اعتبار تراكم عدة عمليات إرهابية منخفضة الخطورة، كافيًا للقول بتوافر الشروط اللازمة لاستخدام القوة للدفاع عن النفس.[15] ثم أن الهجمات التي تشنها القوات غير النظامية والتي لا تُنسب إلى دولة، لا تشكل عدوانًا مسلحًا.[16]

في حالة النزاع المسلح، يجوز استهداف المقاتلين المشاركين في العمليات العدائية بالقوة المميتة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. وتجيز الولايات المتحدة وبعض حلفائها ومن بينهم إسرائيل، اللجوء لتصفية «الإرهابيين» على اعتبار أن ذلك يقع في إطار «حرب» على الإرهاب. وفي الواقع، لا تعني عبارة «الحرب على الإرهاب» تطبيق القانون الإنساني على كافة الأجزاء أو الأحداث التي يشملها هذا المفهوم، ولكن فقط على الأحداث التي تقع في سياق نزاع مسلح، بحيث يمكن استهداف المقاتلين بالقوة المميتة. إن عبارة «الحرب العالمية على الإرهاب»، وإن اشتملت على مصطلح «الحرب»، إلا أنها تظل مسألة سياسية وليست قانونية.[17] وعليه، فإن اعتبارها «نزاعًا مسلحًا تتكشف مظاهره في عدة دول عبر العالم أجمع» من طرف الولايات المتحدة، هو تبرير لا يمكن قبوله في كافة الحالات؛ فالتصفيات الموجهة لأفراد من القاعدة والتي شنتها الطائرات المسيرة الأمريكية في الصومال واليمن وباكستان خلال العقدين الأخيرين، أو تنفيذ عمليات من مثل اغتيال الجنرال سليماني وقائد مليشيا الحشد الشعبي في العراق، أو تلك العمليات التي تنفذها طائرات مسيرة مجهولة، إلى جانب الهجمات وأعمال التصفية التي تنفذها إسرائيل في سوريا بحق قيادات عسكرية ميدانية إيرانية أو تابعة لحزب الله اللبناني بحجة حماية أمنها القومي، لا يمكن اعتبار أنها تحدث في سياق نزاع مسلح، على خلاف تلك التي نُفذت في أفغانستان، أو تلك التي نُفذت وتنفذ في سوريا والعراق ضد عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية».

بعد تصفية مسئول الاستخبارات المصرية في قطاع غزة، بأمر من بن غوريون في 1956، عمدت إسرائيل إلى تنفيذ سلسلة طويلة من التصفيات الموجهة المستمرة حتى اليوم. في الواقع، تُعد إسرائيل من أكثر الدول تبنيًا لأسلوب العمليات الخاصة الموجهة ضد أفراد، بمعنى الاغتيال، بذريعة الإرهاب أو حتى بدعوى اعتبارهم «خطرين» على أمنها، سواء أكان ذلك في حالة الحرب أو السلم أو الهدنة. فقد وقفت المصالح الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية وراء تصفية العشرات من القيادات الوطنية الفلسطينية والشخصيات الأجنبية المناوئة لسياسات إسرائيل والعلماء «الخطرين» في دول مختلفة من العالم، انطلاقًا من الأراضي الفلسطينية ذاتها ومرورًا بلبنان والأردن ومصر والعراق وتونس ودول الخليج، وصولًا إلى الدول الأوروبية وأمريكا،[18] والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. ووفقًا لبعض التقديرات، قتلت إسرائيل عبر عملياتها الموجهة 239 شخصًا ممن تعتبرهم «إرهابيين» من العناصر العربية في الفترة ما بين عامي 2000 و2010. [19] وإلى اليوم، تواصل تنفيذ عمليات التصفية بشكل متسارع بسبب الأوضاع المتوترة في العراق وسوريا، ولم تكن آخر تلك الضربات، ضلوعها في عملية نوعية لاغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة في أبريل 2020. إنه، على ما يبدو، توجه استراتيجي ليس جديدًا، تمثله سياسة ممنهجة مدفوعة بمتطلبات ومصالح البيروقراطية الأمنية الحاكمة في إسرائيل.

وفي تجل آخر لانتهاك حقوق الإنسان، أثار الكثير من الجدل لدى النظم الديمقراطية، استخدام مصالح الأمن والاستخبارات لما يطلق عليه، تلطيفًا، «الوسائل المشددة في الاستنطاق»، يتعلق الأمر بممارسات تفرضها، بحسب المنظور الأمني وعلى ما يبدو لا تعارضه السلطات السياسية في الدول الديمقراطية كثيرًا، بدعوى الضرورة التي تخلفها الحرب على الإرهاب والتي تتطلب «انتزاع» المعلومات من «غير المتعاونين» من المشتبه بهم أو من يُقبض عليهم من عناصر التنظيمات الموصوفة بالإرهابية. وفي واقع الأمر، تدخل مثل تلك الممارسات ضمن إطار التعذيب، أو على الأقل، ضمن المعاملة اللاإنسانية أو القاسية أو المهينة.[20] ولتجنب الانتقاد والإحراج المزعج الذي قد تحدثه وسائل الإعلام أو المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، تتورط الديمقراطيات الغربية، لاسيما الولايات المتحدة، في عمليات استخباراتية سرية لتسليم المشتبه بهم أو المدانين لدول لا تحترم حقوق الإنسان، أو إلى ممارسة تلك الأساليب في الاستنطاق داخل سجون أو معتقلات سرية، كما شاع عن سلوك الإدارة الأمريكية. وقد علق القاضي البريطاني «دافيد نوبرغر» على هذه المسألة بقوله: «باستخدام التعذيب، أو حتى من خلال تحصيل الفوائد المتأتية عبر التعذيب بالاعتبار، تُضعف الدولة الديمقراطية قضيتها ضد الإرهابيين بتبنيها لمناهجهم، وهو ما يجعلها تفقد الحس الأخلاقي العالي الذي يتمتع به المجتمع الديمقراطي».[21] إن التعذيب، وإن كان تحت مسمى «وسائل مشددة في الاستنطاق»، أو تسليم أشخاص إلى دول وأجهزة أمنية لا تحترم حقوق الإنسان، ولا شك، يقوضان شرف وسمعة الدولة التي تلجأ إليهما.[22]

بيد أن جون ساورز، المدير السابق لمصلحة الاستخبارات السرية البريطانية لا يتردد في إثارة «المعضلات الحقيقية والمستمرة» التي تواجهها مصلحته بشكل يومي أثناء البحث عن المعلومات بهدف محاربة الإرهاب، في القول بأنه من المستحيل على جهازه أن يعمل فقط مع الدول التي تحترم حقوق الإنسان، بما يعني وجوب اتخاذ قرارات صعبة. فإذا توصلت مصلحة الاستخبارات السرية «بمعلومات استخبارية موثوقة من شأنها إنقاذ حياة أشخاص في بريطانيا أو خارجها»، فإن عليها «واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا» للتصرف تبعًا لها». ويضيف ساورز قائلًا: «لا يمكننا ممارسة عملنا بشكل فعال إذا اقتصرنا على العمل مع الديمقراطيات الصديقة، فالتهديدات الخطيرة تصدر على العموم عن أشخاص خطيرين وفي أماكن خطرة، وبالتالي فإننا مُجبرون على التعامل مع العالم كما هو».[23] ووفق المنطق الأمني نفسه، مُنحت صلاحيات ممارسة التعذيب للجيوش الأمريكية في غوانتانامو وباغرام وأبو غريب، واستقبلت دول عربية، من بين دول أخرى، الرحلات السرية لمصالح الأمن والاستخبارات الأمريكية بهدف استنطاق أشخاص باستعمال «أساليب قاسية».[24] في يوليو 2014، ذكر الرئيس السابق أوباما: «لقد قمنا بأشياء كثيرة جيدة، ولكننا أخضعنا أناسًا للتعذيب».[25]

فيما يتصل بالحالة الفلسطينية، تشير تقارير عديدة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تعرض فئة واسعة ممن تحتجزهم من الفلسطينيين، وبشكل ممنهج، لمختلف أشكال المعاملة اللاإنسانية والقاسية والمهينة، وصولًا إلى التعذيب خلال استنطاق من تعتبرهم متورطين في أعمال تضر بالأمن الإسرائيلي. ورغم مصادقة إسرائيل على الاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب، إلا أنها لم تعتمد أي تشريعات موجهة بشكل خاص للمعاقبة على ارتكاب هذه الجريمة. وللمفارقة، كانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد أدانت اللجوء إلى التعذيب، مشيرةً إلى تقنيات الاستنطاق التي تستخدمها مصالح الأمن تجاه المعتقلين الفلسطينيين المشتبه في ارتكابهم «أعمالا إجرامية»،[26] بيد أنها، وفي الحكم ذاته، تعتبر أن عناصر الأمن الذين يلجؤون للتعذيب في سياق «الخطر الحالّ»، يجيز استحضار «حالة الضرورة»، ليكونوا بذلك معفيين من كل مسئولية جنائية.[27]

وفي مظهر جدلي آخر لمجافاة حقوق الإنسان قد يبدو أكثر خطورة من سواه؛ بالنظر لاتساعه واستمراريته، ذلك التوجه المتمثل في محاصرة النطاقات الشخصية والخاصة وجانبًا من الحريات الفردية. لقد أصبحت السياسات الأمنية حاليًا تتجسد عبر إنشاء قواعد ضخمة للمعلومات، دولية ووطنية، ترتكز على كمية هائلة من المعطيات في مجالات على رأسها محاربة الإرهاب. وتعمد السلطات في الدول لاستخدام المعطيات الشخصية ونقلها وتبادلها بمبرر الدفاع عن الأمن الوطني ضمن التزامها بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة؛ لتُتداول وتستغل تلك المعطيات بشكل منهجي، سواء ضمن تدابير وطنية أو خارجية عبر اتفاقيات تعاون، أو من خلال أنظمة وبرامج أمنية متخصصة.[28]

وفي ظل الجو المشحون بالهاجس الأمني ومواجهة الإرهاب، أخذت حركة إنشاء السجلات الحكومية وجمع المعطيات الشخصية تتصاعد وتيرتها، متخذةً أبعادًا رقابية وتحكمية باستخدام التكنولوجيا والتقانة، ترافقها تدابير وقوانين لصالح كفة الأمن وعلى حساب حقوق وحريات شخصية أساسية.[29] الأمر الذي أثار القلق لدى بعض الجهات التي أبدت تخوفات من تأثير توجهات الأمننة ومتطلبات التعاون الدولي في التصدي للإرهاب على خفض وتقليص حماية تلك الحقوق والحريات،[30] في ظل مساعي البيروقراطيات الأمنية للتشكل في منظمات محترفة تتداول المعلومات حول أي شخص، بريئًا كان أم مشتبهًا به أم مجرمًا. على أن تسريبات إدوارد سنودن في 2013، كانت قد أوضحت الافتقار القاسي والمؤلم للقوانين المفترض بها حماية المواطنين، ولكن أيضًا، عن أوجه القصور ومكامنه الواضحة في التطبيق الفعال للقوانين الموجودة والنافذة،[31] فيما قد يشير إلى كونها أضحت مُتجاوَزة في ظل ما يشار إليه من رقابة معممة وشاملة للأفراد. ومن إحلال فعلي لما يسميه البعض ب«الحوكمة الخوارزمية» محل «الحكومة الديمقراطية في عصر «رأسمالية المراقبة»».[32]

من جانبها، تلجأ إسرائيل للاستفادة بدورها من إنتاج المعطيات الشخصية من طرف شركات التكنولوجيا: فخارج نطاق احترام المقتضيات القانونية الأساسية، تتيح سلطة الاحتلال لنفسها ولوجًا ممنهجًا غير محدود إلى المعطيات المتاحة والمعالجة بشكل مكثف من خلال خدمات المقاولات الخاصة، وهي تعمل على جمعها بكثافة أيضًا، من دون اشتباه محدد.[33] على أنه، وفي هذه الحالة، قد لا يجوز تلافي الاعتقاد بأن استغلال هذه المقدرات إنما سيكرس باتجاه المراقبة اللصيقة للفلسطينيين، ولكافة الفعاليات ذات العلاقة، فالمنطق الأمني القائم على ترويج دور الكيان المهدد دائمًا من طرف جواره المباشر المتمثل في «كل ما يُشتبه في معاداته لإسرائيل أو لليهود» والذي يعده ويصوره «إرهابًا ومعاداةً للسامية»، لن يستبعد إتيان أي طريقة تتيح للبيروقراطية الأمنية مزيدًا من التحكم والسيطرة على الفعل المعارض لواقع الاحتلال المراد تكريسه.

إن المفارقات التي تلامس مسألة الموازنة بين مبادئ احترام حقوق الإنسان في الدول الديمقراطية مع المتطلبات الأمنية التي تفرضها مكافحة الإرهاب، والممعنة في إنتاج انعكاساتها السلبية على وضعية حقوق الإنسان في دول أقل ديمقراطية، كدولة محتلة كإسرائيل، أو الدول العربية، تؤشر على ذلك التحول والتطور الملحوظين اللذان يصيبان طبيعة نشاطات وصلاحيات ومقدرات البيروقراطيات الأمنية وشبكة «محترفي التدبير الأمني» التي يشكل العالم أجمع ميدانها وشاغلها وهاجسها.

الأمنوقراطية المتمددة

مع بدايات الألفية الثالثة، وصل التهديد الإرهابي إلى مستوى، تدافعت معه الحكومات الغربية الديمقراطية في ديناميكية متصاعدة لمواجهته، مُوسِّعةً، بشكل مضطرد، صلاحيات وتدخلات البيروقراطيات الأمنية، التي أصبحت على ما يبدو، تدير توجهًا متجددًا يغذيه خطاب الخوف والقلق عبر تهويل التهديد الإرهابي. وكان لذلك انعكاسات على طبيعة النظرة إلى الفضاء العام وإلى الفرد، إلى جانب حقيقة أن تعميم المراقبة، الذي أضحى ممكنًا وفعالًا عبر مجالات التكنولوجيا الرقمية، شكل معطىً موضوعيًا، تتمركز من خلاله السلطة في مفهوم من «السياسة الحيوية»، وتتحول معه المراقبة إلى رأسمال نشط، يُنشئ حقوقًا للإنسان باعتباره «مجرمًا محتملًا». هذا الواقع المقلق في شموليته، يتخذ طابعًا ذا خصوصية بالنسبة للكيان الإسرائيلي، الذي ينحو، بشكل مستدام، إلى ترويج صورة الخطر المحدق به بسبب «خصوصية» ما قد يتعرض له من جراء «الظاهرة الإرهابية».

البيروقراطية الأمنية المتسلطة: أمننة وحوكمة عبر القلق

شكل الإرهاب بوتقة معقدة من التحديات على مختلف الأصعدة لمصالح الأمن والاستخبارات،[34] حيث كان عليها التكيف مع حركية الظاهرة وخطورة الأهداف المتوخاة وإعادة اكتشاف أهمية الاستعلام التقني والمندمج من حيث توافر المعطيات والمعلومات الاستخبارية الفورية التي تساهم في كشف واستباق العمل الإرهابي، كما كان عليها تكييف تعاونها مع طبيعة الأهداف «الإرهابية»، وإلغاء تلك الحدود القائمة بين الأمن الداخلي والخارجي، والبحث عن الولوج إلى فهم الظاهرة على المستوى الاستراتيجي، وتكثيف الاعتماد على المصادر المفتوحة واستغلال ما تتيحه التكنولوجيا ووسائل التواصل من إمكانات بهذا الخصوص. ولا بد لكل ذلك أن يتم عبر امتلاك مقاربة جغرافية شاملة تكون فيها قادرة على الفعل ورد الفعل وعلى المتابعة المستمرة، وعلى المساهمة في وضع تصور لاستراتيجية مندمجة تحافظ من خلالها على صورتها الأخلاقية، باعتبارها حامية للنظام الديمقراطي، كما يفترض.

في هذا السياق، عرفت الأجهزة الأمنية الغربية وغيرها، تطورًا ملحوظًا باتجاه التوسع الهيكلي والبشري المخصص لمكافحة الإرهاب،[35] كما ازداد الاهتمام بالمنطقة العربية وارتفعت نسبة النشاطات والتدابير المتخذة في إطار مكافحة الإرهاب بشكل كبير ومتسارع، وتم تكييف الأنشطة العملياتية وإنشاء مراكز وشُعّب التنسيق وتبادل المعلومات إلى جانب خلق بيئة تعاونية ممأسسة لتقاسم المعطيات الاستخبارية وتنسيق الفعل الأمني على مستوى التعاون الدولي.[36] لقد حدثت إذن، باسم محاربة الإرهاب، مراجعات عميقة مست المجمعات الأمنية والاستخباراتية في الدول الغربية خلال السنوات التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتبعتها في ذلك كثير من دول العالم. على أن تشديد هذه النظم الأمنية الوطنية أصبح يُنظر إليه حاليًا، من جانب المدافعين عن حقوق الإنسان تحديدًا، بشكل سلبي؛ كونه يبدو كرد فعل مبالغ فيه، فالنظام المتكامل المضاد للإرهاب يتوجب فيه البحث عن توافق بين أداء فعال لتحجيم مخاطر الإرهاب وبين هاجس المحافظة على الحقوق والحريات وتهدئة مخاوف المجتمع والأفراد. ثم أن مكافحة الإرهاب صارت تمثل في أحيان كثيرة، إحدى أولى السياسات المُدارة من طرف أجهزة الاستخبارات (Intelligence-lead Policy). ويعبر هذا المنحى عن كم «الاستلاب» أو الهوس بالأمن الذي أصبح يصبغ المجتمعات الديمقراطية التي أضحت مقتنعة بوجوب استباق أي خطر إرهابي. لكن مثل هذا الانتظار يبقى غير واقعي، ناهيك عما يثير من مشكلات قانونية وأخلاقية فيما يتصل بضمانات احترام حقوق الإنسان. لقد أثارت هذه الحال كذلك، الخشية من بروز نظام شامل لمناهضة الإرهاب، تقوده شبكة من محترفي تدبير حالات اللاأمن يقوم على ترويج خطاب الرهبة والخوف، ويستقل بشكل ما عن المنطق الوطني للسلطة السياسية،[37] بل إن البعض يرى، أن الدول أضحت تجعل من الخوف، ومن ترتيبه وتدبيره وتكييفه، سياسة قائمة بذاتها.[38]

في إسرائيل، وبموجب الاتفاقات بين الأجهزة، والتي أطلق عليها «ماغنا كارتا»، تمت إحالة مسئولية مراقبة الفلسطينيين، من جهاز الأمن الداخلي «شاباك» إلى مصلحة الأمن العسكري «آمان»، الأمر الذي ينبئ عن رفع مفترض من مستوى الخطر الذي يمثلونه بالنسبة للأمن. لقد أنشأت ضمن تلك المصلحة ما أطلق عليه «الوحدة 8200» التي تضم حوالي 5000 شخص، وتؤدي مهام الاستعلام الرقمي والمراقبة المكثفة للأفراد، ليكون القسم الأهم من أنشطتها منصبًا على الفلسطينيين.[39] وبقي الشاباك متضمنًا قسمًا خاصًا بالشئون العربية، من بين ثلاثة أقسام، وهو مسئول عن مقاومة الإرهاب ومتابعة الفصائل والحركات الفلسطينية، ومنها على وجه الخصوص الجناح المسلح لحركة المقاومة الإسلامية «حماس». في 2013، تم إنشاء فرع جديد للجهاز مكلف بمراقبة وتتبع نشاط الحركات الجهادية بصحراء سيناء بتنسيق مع مصر. إلى ذلك، تم تدعيم صلاحيات الموساد في شن العمليات الخاصة، ومن بينها التصفية الجسدية، علاوةً على قيامه بالتنسيق في مجال مكافحة «الإرهاب» مع حكومات لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.[40] ويعد مكتب مكافحة الإرهاب، أحد مراكز التنسيق الرئيسية بين مختلف مصالح الأمن والاستخبارات، وهو يعمل على إجراء التحليلات وصياغة تقديرات أمنية قلما يستطيع القادة السياسيون تجاهلها أو التقليل من أهميتها.[41] وفي 2011، تم إنشاء «المكتب السيبراني الوطني» التابع لرئيس الوزراء، والمختص بالاستعلام الرقمي.

يتوازى مع كل ذلك، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الرفع من وتيرة الخطاب الذي يلصق تهمة الإرهاب بالفلسطينيين، بحيث رافق التدابير الأمنية والاستخباراتية المتخذة إزاءهم –في إجراءٍ يتضمن أهدافًا معلنة وغير معلنة قوامها تعميق تكريس واقع الاحتلال وباستغلال «الدعاية الإرهابية» ذاتها–، إقامة الجدار الأمني الفاصل الذي كرس، بحسب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية،[42] شتى ضروب انتهاك مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون المعني بالاحتلال.

على العموم، مع «التهديد والخطر»، يصبح المنطق الأمني إذن، وبغض النظر عن مدى موضوعية التصنيف «الإرهابي» للفعل، منطقًا هجوميًا مبنيًا على التشكك والطوارئ والتوقع الدائم لما هو أسوأ. لقد أضحى عالم اليوم يعيش على تضخيم هائل لمصادر التهديد الذي قد يقع على المجتمعات، وهو تضخيم قد يتم بقصد أو عن غير قصد، كما قد يُبنى على أسس وحقائق موضوعية أو على مجرد أوهام أو حتى مبررات واهية. إنه نوع من عولمة الشعور بالخطر الذي تحول إلى هاجس حقيقي يصيب المجتمعات والدول والحكومات، ليؤثر بالخصوص على مصالح الأمن بحيث تتموقع تحت شعار «التشكك والأمن» لتعمل بإصرار على إنتاج دائم لخطاب الخوف، الخطاب الذي يبرر لها، بشكل آلي، الانحراف عن القيم القانونية والأخلاقية، وتبني سياسات تنزع إلى محاولة امتلاك آثار مختلف أنواع وأشكال التفاعلات داخل المجتمع. وفي الدول الموصوفة بالديمقراطية، يؤدي خطاب الخوف ذاك إلى ثنائية معقدة: فهو من جهة، يشوه الحقيقة بإنتاجه لنوع من المبالغة في تصور التهديدات التي يتعين على المجتمع أفرادًا وجماعات اعارتها اهتمامه وحذره، على حساب خطاب يتبنى التفهم الأنسب للطبيعة المركبة لمختلف تجليات ظاهرة اللاأمن. ومن جهة ثانية، يتبنى ذلك الخطاب دعوات متكررة لتعزيز إجراءات الأمن والمراقبة المجتمعية على حساب الحريات الفردية.[43] لقد كان من نتائج ذلك، أن ازدواجية غريبة أضحت تصبغ تلك الدول بشكل يتضح أكثر فأكثر؛ فهي تمثل وجهًا ليبراليًا لسياساتها الاقتصادية، فيما تمثل وجهًا سلطويًا في سياساتها الأمنية. أما إسرائيل التي يصنفها الغرب دائمًا على أنها دولة ديمقراطية، فقد وجدت الفرصة لتعزيز سطوة احتلالها، وإلصاق صفة الإرهاب بكل فعل فلسطيني مناوئ، مروجةً خطاب القلق على المستوى الداخلي والخارجي، ماضيةً في فرض سياسة الاستيطان. وما ارتفاع مناسيب اليهودية المتطرفة المعادية للفلسطينيينوتراجع شعبية القوى اليسارية في إسرائيل الملحوظ مؤخرًا، إلا نواتج تلك السياسات.

في نظم يفترض أنها تعتمد على سيادة القانون، تعمل الأجهزة الأمنية ومصالح الاستخبارات باستقلالية مريبة بعيدة عن أية أنظار متفحصة.[44] ويؤدي ذلك لتدني مستويات الثقة بالدولة، التي لا تظهر كأداة للتأمين الجماعي فحسب، بل أيضا ككائن «مستعبد ومسخر أمنيًا» يفتقد استقلالية سلطاته ومؤسساته، الأمر الذي يولد تلك الأشكال السلطوية في السياسات الأمنية، الواقع الذي قد ينطبق على دولة الاحتلال الإسرائيلي، ككيان يستشعر التهديد المستدام ويُقاد أمنيًا، أكثر مما ينطبق على غيرها. إنه حلول لما يمكن تسميته بـــ«مجتمع الأمننة والاستخبارات» على أنقاض ما عرف بــ«مجتمع المعلومات».[45] وليست شفافية مؤسسات الدولة هنا هي المطلوبة، بل هي شفافية الفرد المشتبه به بشكل مستمر.

إن العواقب الناجمة عن مثل هذه الوضعية، تقود إلى إحداث ما يسميه جورجيو آغامبين بـــ«دولة الطوارئ الدائمة» التي أضحت إحدى الممارسات المستمرة للدولة المعاصرة،[46] والتي لم تعد تتوقف عن زرع مشاعر الشك والقلق المعمم عبر استخدامها لخطابات الخوف من مجاهل التهديد، فالأمن أضحى يقوم على إتيان الانحرافات المنتهكة لحقوق الإنسان باسم الضرورة، وعلى زرع الخوف من أجل نشر وتعزيز سلطات المراقبة وتعميمها وتأمين «الدولة» على حساب الحريات الفردية. إن هذا المعطى ينبئ عن ذلك التحول في السياسات الأمنية الناجم عن نوع من إعادة تشكيل العقائد الأمنية لكثير من الدول، بحيث تنتقل إلى العمل على التحكم بالآثار بدلًا من مواجهة الأسباب.

حقوق الإنسان باعتباره «إرهابيًا محتملًا»

يتعرض المشتبه بتورطهم في «الإرهاب»، لمختلف أنواع الممارسات التي تعد انتهاكًا للمعايير القانونية والأخلاقية. ويغدو كل ذلك مستساغًا ومقبولًا بشكل ما، بل ومطلوبًا أحيانًا؛ لأن خطاب القلق الذي تتبناه الحكومات الديمقراطية، ومن ورائها بيروقراطياتها الأمنية، يجد الصدى المناسب له لدى كافة المجتمعات. هذه المجتمعات التي يجري إعدادها كذلك، لكي تتقبل أن يعتبر الفرد أو المواطن العادي، من وجهة نظر السلطات، موضوعًا لاحتمال أن يكون، أو أن يتحول إلى ذاك «المجرم» أو «الإرهابي». لقد تحدث ميشيل فوكو عن التحول من مفهوم «المجرم» إلى «المجرم محتمل»، الذي هو، في نظر السلطات، عبارة عن «شخص خطر» بالاحتمال. وإلى هذا النوع من الناس، وهم «عمليًا كافة الأفراد في هذا العالم، توجَه مجموعة ممأسسة من نظم المراقبة،[47] تتشارك فيها البيروقراطيات الأمنية مع الهيئات الخاصة، لتؤشر على تحول الكائن البشري إلى كائن خطر».[48]

إن المجرم المحتمل لن يحظى، بالطبع، بمضامين ومفاهيم الحقوق والحريات نفسها المعروفة تقليديًا في النظم الديمقراطية، بل سيمارس حقوقه الإنسانية دائمًا على اعتبار كونه مجرمًا محتملًا، لكونه مراقبًا وشفافًا بسبب احتمالية خطره. أما إذا تعلقت الحال بإسرائيل، كونها دولة احتلال ترغب في تكريس احتلالها، فإن احتمالية الخطر تأتي من جانب ظاهرة الإرهاب، على اعتبار كونها «تحديًا عالميًا مشتركًا»، وكذا، من جانب الفعل المقاوم أو الرافض للاحتلال، على اعتبار كونه رد فعل طبيعي، ليمثل «الفلسطيني» في هذه الحالة، المجرم المحتمل، أو ربما بتعبير أدق «المجرم والإرهابي الكامن»، لتتداعى بشكل كبير، أكثر فأكثر، كافة مضامين الحقوق والحريات التي يفترض أن تكون لأي فرد قد تعتبره إسرائيل، ضمن محيطها، مناوئًا لها.

إذن، تمثل الأزمة الناشئة عن التهديد الإرهابي متغيرًا من شأنه إنتاج انتهاك حدود القيم القانونية والأخلاقية بشكل يسيء لضمان التمتع بالحقوق والحريات.[49] على ذلك، يجري التنسيق المستمر بين شركات الاتصالات والأجهزة الحكومية في مجال مراقبة وتتبع مجاميع هائلة من الأشخاص عبر العالم باستخدام برامج متطورة تنهل من تطبيقات تحديد المواقع وبيانات الاتصالات والبيانات الجغرافية على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.[50] ومن خلال دمج جميع ما يمكن اعتباره معطيات شخصية، ثم ربطها مع قواعد معطيات أخرى، يمكن امتلاك وسيلة لتوقع السلوكيات التي قد تشكل تهديدًا. وبناءً عليه، يشكل تعميم وسائل التتبع والتصوير وتحديد المواقع، وبسطها على الفضاء العمومي، تحولًا تدريجيًا ملموسًا في طبيعة ذاك الفضاء «العام»، ليتحول إلى فضاء مختلط الطابع، هو بين العمومي والخصوصي. وتؤشر هذه التحولات على شكل من اتجاه السلطة إلى نوع من السياسة الحيوية «Biopolitique»، بمعنى أن الدولة لن تقف عند ممارسة سلطتها على إقليم جغرافي ومجموعة من السكان، بل إنها ستركز على ممارسة تلك السلطة على «الجسد» بواسطة مجموعة من الآليات التأديبية قوامها المراقبة والاستخبار، وهدفها «تقويم وترويض الجسد» في تكريس عميق لشفافية ومنظورية مجموع تصرفات الفرد وأنشطته.[51]

إن القلق العام الذي يسود هذا السياق التقني، والذي أثارته تسريبات إدوارد سنودن في 2013، والمُعبّر عن تحول «المراقبة الانتقائية» لأفراد بعينهم، إلى «المراقبة المكثفة» المنصبة على الجميع، والتي قد لا تكون مشروعة ولا شرعية، سيتضاعف صداه بلا شك، حين يتعلق الأمر بعلاقة تحمل انعكاسات أمنية وأخلاقية عميقة، بين سلطات دولة احتلال وكافة من يناهضونها.

ضمن تعاون وتنسيق مفترض بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركة «إن إس أو جروب» المختصة في تقنيات الأمن السيبراني، تنتج الشركة برنامج «بيغاسوس» المتطور المخصص لأغراض التجسس الرقمي على الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب الشخصية وبإمكانه الولوج لأدق المعلومات الشخصية وأكثر التطبيقات تداولًا دون إدراك مستخدميها.[52] طبقًا للتصريح الرسمي، يُستخدم البرنامج لأغراض مكافحة «الإرهاب» و«الجريمة»، بيد أن الوقائع تشير إلى استهدافه المواطنين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فضلًا عن سعي دول عربية ودول أخرى عبر العالم لاقتنائه،[53] بتراخيص رسمية إسرائيلية على الأرجح، لمراقبة شخصيات سياسية وصحفيين ومعارضين ناهيك عن عاملين في مؤسسات بعينها. ومن المرجح ألا تكون إسرائيل مستثنية كل «مشتبه» بأنشطته الوطنية من القيادات الفلسطينية وأفراد الفصائل والمحامين والصحفيين والحقوقيين ومن قوى المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان في إسرائيل ذاتها. ومما يبرز تغول الأمنوقراطية الإسرائيلية، أن مجمل القضايا التي رُفعت أمام المحاكم الإسرائيلية ضد «إن إس أو جروب» ووزارة الدفاع، من طرف ضحايا الاختراق المعلوماتي بمن فيهم منظمة العفو الدولية، جرى رفضها لاعتبارات تعلق المسألة بـــ«الأمن القومي ومكافحة الإرهاب». وقد اتهم مسئولون في منظمة العفو الدولية القضاء الإسرائيلي بتجاهل «جبال من الأدلة الدامغة»، وبمساعدة وزارة الدفاع على تبرير انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، والسماح لــــ«إن إس أو» بإساءة استخدام التكنولوجيا المعلوماتية، وإساءة استخدام زبائنها من النظم القمعية بهدف الإضرار الجسيم بحقوق الإنسان، تحت مسوغات مكافحة الإرهاب والجريمة.[54]

إن مختلف مظاهر مراقبة الأفراد، لم تكن في الواقع مندمجة في ثنايا الثورة الرقمية، بل نتجت عنها وفق مسارات سياسية، شكلت أخطار الإرهاب إحدى محركاتها الرئيسية. في 2013، أقر مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، ميكائيل إيدن، بأن وكالته يمكنها عن حق، أن تكون موضوعًا للاتهام بعسكرة الإنترنت.[55] إنه ذلك الوجه من تعاون المصالح الأمنية مع شركات الاتصال، الذي جعل من المراقبة الشاملة، تدشينًا لعصر «رأسمالية المراقبة»، على حد تعبير شوشانا زيبوف. تتحول السلطة المدفوعة باعتبارات الحرب على الإرهاب، والمهتمة بالاستفادة من المقدرات الموضوعية لشركات القطاع الخاص في امتلاك مخزون لا متناه من المعطيات ومعالجته واستثماره أيضًا، إلى «سلطة آلية» «Instrumental power» بإمكانها أن تحِل «اليقين» المنتج أوتوماتيكيًا محل «اللايقين أو الشك» الناجم عن التفاعلات الاجتماعية، إنها الحل الأكيد والحاسم للمعطى الاجتماعي المريب والمثير للشك. وبرغم الامتيازات والإمكانات الكبيرة والممتعة، والخادعة أيضًا، التي يحملها هذا النظام للأفراد، إلا أن حريتهم يجري مصادرتها لحساب علم الآخرين ومعرفتهم.[56] إن الضرورات والمتطلبات المستمرة التي تواجه الدولة، وعلى رأسها دواعي محاربة الإرهاب وغيره من التحديات الأمنية، هي التي تدفع رأسمالية المراقبة لتكثيف إنتاجها للسلطة الآلية المعبر عنها بنمو وتعقد حضور «الآخر الكبير» «Big Other»،[57] كحل مفضل لذاك التدهور الاجتماعي المتجسد في الشك وانعدام الثقة.[58]

بسبب الضرورة والاستثناء، ينعدم حاليًا أي وجود لرقابة ديمقراطية على المراقبة المعممة، ولو ضمن محيط «الديمقراطيات»، إنه إذن اعتداء على «السيادة الفردية» يساهم في تركز غير مسبوق للسلطة، بطابع أمنوقراطي واضح، تصل إلى القدرة على توجيه التصرف البشري. إنه نموذج لمجتمع لا يعتد كثيرًا بالديمقراطية والشرعية حين يتعلق الأمر بحل المشاكل، ولكنه يقوم على «معرفة غير متماثلة» وعلى سلطة آلية قادرة على فرض تجانسها على المجتمع. ويبقى السؤال القائم متمثلًا في المدى الذي ستمتد إليه هذه السلطة، التي تصنعها بالأساس تداعيات الحرب على الإرهاب، في ممارسة مراقبتها وسيطرتها؟ وما الذي سيبقى من حقوق الإنسان ومن الديمقراطية بعد كل ذلك؟ وما الذي بإمكانه أن يلجم قوة احتلال كإسرائيل عن استغلال كافة مجالب هذا الواقع الرقمي لتكريس احتلالها وتشديد قبضتها على كل فعل يتطلع إلى رفض ذلك الاحتلال والعمل على رفعه بوسائل يقرها القانون الدولي وكافة المشروعيات الأخلاقية؟ ومن أن تتعاون مع نظم عربية تسعى باضطراد، وتحت ذريعة محاربة الإرهاب والجريمة، إلى تكريس قبضتها الأمنية عبر مراقبة مواطنيها وملاحقة وقمع معارضيها؟

من الجدير بالإشارة أخيرًا، أنه برغم كل ذلك التقدم والتطور التقني، تفشل مصالح الأمن والجيش الإسرائيلية في كشف الاستراتيجية الحربية للخصم غير المتماثل،[59] فخلال الحروب التي شنتها على حزب الله اللبناني (2006) وعلى فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة (2008، 2012، 2014 وأخيرًا في 2021)، تستمر تلك القوى «الإرهابية» بحسب إسرائيل، في امتلاك بل وتطوير مقدراتها الصاروخية المؤثرة بشكل كبير على الجبهة الداخلية الإسرائيلية على نحو لم تعهده في حروبها السابقة مع العرب. وما حدث إبان الحرب الأخيرة على غزة من استهداف مكثف للقدس الغربية وتل أبيب وغيرها من المدن، وتعليق الملاحة الجوية في مطار بن غوريون، علاوةً على الإصابات المباشرة التي أحدثتها صواريخ الفصائل الفلسطينية، ليست كل تلك سوى مؤشرات على ذلك الفشل.

خاتمة

أنتجت نزعات الديمقراطيات الغربية، والتي استمت بالطابع الأمني، في الحرب على الإرهاب، عددًا من المظاهر والتجليات الحاملة لانحرافات تضر بالمفاهيم التقليدية المعروفة لمضامين حقوق الإنسان وللمبادئ والأخلاقيات الديمقراطية. يصاحب ذلك ويؤطره، نوع من تغول البيروقراطيات الأمنية حتى أصبحت قادرة على فرض أجنداتها على صناع القرار من السياسيين، غير متورعة عن اللجوء إلى التصفيات خارج إطار القانون أو إلى التعذيب وتتبع الخصوصيات الفردية والشخصية. وكان من الطبيعي أن يؤثر كل ذلك على وضعيات حقوق الإنسان في دول العالم الأخرى. وإذا كان البعض يرى فيما وصلت إليه المراقبة المكثفة من مدى وتداعيات خطرة تقود إلى ارتهان سلوك الفرد وتكريس شفافيته «المطلقة» إزاء سلطات شبكات الأمن، فإن غموضًا وقلقًا عامًا سيكتنف وضعيات حقوق الإنسان، ومعها الديمقراطية الليبرالية التي أضحت رأسمالية تعمل على تكثيف مراقبة الأفراد وتوجيه تصرفاتهم في إطار من حوكمة الخوارزميات الرقمية.

إن الأمن بمضمونه الأنسب، لغةً وممارسة، سيتمثل في الوقت الراهن، في مقاومة التوجهات الأمنوقراطية ذاتها، والخطاب الذي أصبح مسيطرًا ومتطلعًا لنشر الخوف لدى الأفراد، في سبيل إقناعهم بمتطلبات «حكم الضرورة» والاستثناء وليصبحوا راضين بأن يتحولوا إلى مشتبه بهم. على أن ذلك التطور الذي لامس التدابير السلطوية، يمكن فهمه على أنه تعبير واضح عن ضعف السلطة وعجزها عن اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة التهديدات في إطار الحفاظ على المبادئ الديمقراطية. فمواجهة «التهديد الإرهابي»، يجب أن تتمثل في وعود وبرامج عملية لتحقيق الأمن وليس في «حوكمة للخوف» من شأنها أن تودي بقيم المجتمع. قد يكون إذن على كافة المجتمعات التوجه نحو تشكيل مجال متضامن بإمكانه تحييد ذلك التضاد الدائم والقائم في المخيال الجمعي بين كل من الأمن والحريات، والتأسيس للحراك الاجتماعي المعارض، بحيث تسعى قوى المجتمع للوقوف ضد أي انحرافات تجافي حقوق الإنسان تحت مسوغ الضرورة، وللضغط بهدف تخليق كافة أنواع الممارسات والتدابير السلطوية التي تتطلع إلى الانطلاق من اعتبار الفرد «مجرمًا محتملًا».

ولكن، هل يمكن تصور تنازل البيروقراطيات الأمنية، والتي تسير إلى تشكيل شبكة عالمية محترفة بالغة القوة والتأثير بوسائلها السلطوية الآلية، عن كافة تلك الامتيازات ببساطة؟ وهل يقف الأمر فعلًا عند الحرب على الإرهاب؟ إنها أسئلة إشكالية قد يكون لتعميق تناولها بالبحث الأكاديمي أهميته الخاصة.

أما فيما يتصل بإسرائيل، الديمقراطية بنظر الغرب، فالتحدي الأكبر سيبقى منصبًا على الخطاب والفعل المضاد والمقاوم سالف الذكر، مع تركيز إضافي أكبر على مناهضة التدابير التمييزية والعنصرية والاستخباراتية الاحتوائية التي تمارسها لترسيخ احتلالها، والمؤطرة ببيروقراطية أمنية مسيطرة، تحت مبرر «الدفاع عن النفس ضد قوى الإرهاب ومعاداة السامية»، حيث يمكن لتعزيز ردود الفعل المضادة تلك، تكثيف التحرك السياسي والإعلامي والقانوني، بهدف كشف تلك الممارسات. في سابقة فريدة، وُصفت إسرائيل في تقرير أعدته لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا، بأنها تؤسس «لنظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين»،[60] كما عرف الإعلام الأمريكي لأول مرة، في أعقاب الحرب الأخيرة على غزة، انقسامًا ملحوظًا بشأن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وتلك الوقائع، رغم قلتها، تُشكّل أمثلة على بعض الأثر الذي قد تحدثه جهود تشكيل وتوسيع رد الفعل إزاء الأمنوقراطية الإسرائيلية والسياسات التي تنفذها.

[1] على سبيل المثال، في عام 2016 سجل ما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب في خمس دول فقط هي: العراق، أفغانستان، سوريا، نيجيريا والصومال. غوتيريش، أنطونيو (2018). مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان. خطاب الأمين العام للأمم المتحدة، 16 أغسطس. لندن. https://www.un.org/sg/ar/content/sg/speeches/2018-08-16/combating-terrorism-and-human-rights

[2] دو نيسي، إيريك (2015). الأخلاق والحوكمة في أنشطة الاستخبارات (Gouvernance et éthique dans les activités du Renseignement). في إيريك كلاوسن وتيري بيشوفان (محرران)، الاستخبارات والأخلاق: الحد الأدنى من الشر الذي لا بد منه، 203-225). بانازول: لافوزيل غرافيك.ص. 209 وما بعدها.

[3] دوويرب، آلان (2000). هل تحتاج الجمهورية إلى جواسيس؟ (La République a-t-elle besoin d’espions?). في مارك أوليفيي باروك. باريس: لاديكوفيرت. ص. 143- 157.

[4] بورن، هانز وفيل، إيدن (2007)، الاستخبارات والأخلاق: دورة مكتملة؟، Intelligence Ethics: A Complete Cycle ?، ندوة المجموعة الأوروبية للأبحاث السياسية، بيزا.

[5] دونيسي، إيريك. مرجع سابق. ص 218.

[6] المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (2019)، المراقبة المكثفة، Surveillance de masse، ورقة موضوعاتية، فبراير. ستراسبورغ: الوحدة الإعلامية.

[7] لا يؤثر هذا الرأي في الواقع، على سمعة المحكمة المتميزة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان من خلال معظم اجتهاداتها في هذا المجال. مجلس المحاماة والمجموعات القانونية بأوروبا (٢٠١٩)، توصيات مجلس المحاماة والمجتمعات القانونية الأوروبية بشأن حماية الحقوق الأساسية في الأمنالوطني https://www.ccbe.eu/fileadmin/speciality_distribution/public/documents/SURVEILLANCE/SVL_Guides_recommendations/EN_SVL_20190329_CCBE-Recommendations-on-the-protection-of-fundamental-rights-in-the-context-of-national-security.pdf

[8] راجع حول إيديولوجيا العنف الصهيونية وبعض ما صدر بشأنها من مؤلفات ودراسات: رشيد، فايز (2015). أيديولوجيا القتل والعنف في الفكر الصهيوني. القدس العربي 26 أغسطس، لندن.

[9] راجع مقتضيات القانون الأساس الذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي في التاسع عشر من يوليو 2018، المعنون بــ«إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، الذي يكرس التمييز ويشرعن الاستيطان والاحتلال ويسوغ، بشكل ما، للتشدد إزاء الفلسطينيين.

[10] موريه، د (2012). حراس البوابة (The gatekeepers). شريط وثائقي. أورده: كوسران، جون كلود وهاييز، فيليب. (2015). استعلام للديمقراطيات، استعلام بالديمقراطية (Renseigner les démocraties, renseigner en démocratie). باريس: أوديل جاكوب. ص. 194.

[11] أنظر مثلًا: القانون حول صلاحيات التحقيق لعام 2016 (بريطانيا)، القانون حول مصالح الاستخبارات والأمن للسابع من فبراير 2002 (هولندا) والقانون المتعلق بالاستخبارات للرابع والعشرين من يوليو 2015 (فرنسا).

[12]أورده: كوسران، جون كلود وهاييز، فيليب. مرجع سابق. ص. 291

[13] آلستون، فيليب (2010). الإعدامات غير القضائية المجمعة أو العشوائية، دراسة حول الضربات الموجهة (les exécutions extrajudiciaires, sommaires ou arbitraires, étude sur les frappes ciblées). مقرر الأمم المتحدة الخاص بمجلس حقوق الإنسان، وثيقة A/HRC/14/24. 28 مايو.

[14] كويز بن علال، أنس (2019). الإعدامات خارج نطاق القضاء: بين موقف القانون الدولي واستراتيجيات أجهزة الاستخبارات. القاهرة، المعهد المصري للدراسات. ص 3.

[15] معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (2013-2014). المظاهر القانونية والأخلاقية للضربات بعيدة المدى على أهداف بشرية استراتيجية (Aspects juridiques et éthiques des frappes à distance sur cibles humaines stratégiques). تقرير. باريس: منشورات المعهد. ص.ص. 21-22. تاريخ الزيارة: 16 أبريل 2017، https://theatrum-belli.com/iris-cicde-aspects-juridiques-et-ethiq

[16] محكمة العدل الدولية (2005). الأنشطة المسلحة على إقليم جمهورية الكونغو الديمقراطية. الكونغو ضد أوغندا (قرار). الفقرة 146.

[17]اللجنة الدولية للصليب الأحمر (2011). انطباق القانون الدولي الإنساني في سياق الإرهاب (La pertinence du droit international humanitaire dans le contexte du terrorisme). الموقع الرسمي. تاريخ الزيارة: 27 مارس 2016، http://www.icrc.org/fre/resources/documents/misc/terrorism-ihl

[18] أنظر: دو نيسي، إيريك والكاييم، دافيد (2017). تاريخ حروب إسرائيل من 1948 إلى يومنا (Histoire des guerres d’Israel de 1948 à nos jours). باريس، تالوندي.

[19] كوسران، جون كلود وهاييز، فيليب. مرجع سابق. ص 189.

[20] تمنع معظم التشريعات الوطنية واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1984 التي صادقت عليها معظم الدول، اللجوء إلى التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وبحسب المادة الخامسة عشر من الاتفاقية، فإنه لا يمكن قبول الاستشهاد بأية أقوال يثبت الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات.

[21] مشار إليه في: دو نيسي، إيريك. مرجع سابق. ص. 206.

[22] بورن، هانز وفيل، إيدن. مرجع سابق.

[23] المرجع السابق.

[24] راجع: آربوا، جيرالد (2015). الوحشية السرية: أخلاقيات الاستجواب في سياق جمع المعلومات الاستخبارية (Sévices secrets: uneéthique de l’interrogatoire dans le contexte du recueil du renseignement). في إيريك كلاوسن وتيري بيشوفان (محرر). سابق الذكر. ص. 135 وما بعدها.

[25]أوستاش، توما (2014). تصريحات أوباما بشأن التعذيب: ترحيب متباين من قبل الصحافة الأمريكية ( Lpropos d’Obama sur latorture diversement appréciés par la presse américaine). لوفيغارو لايف، 4 أغسطس. تاريخ الزيارة: 15 يونيو 2016، https://www.lefigaro.fr/international/2014/08/04/01003-201408

[26] المحكمة العليا الإسرائيلية (1999). اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل (Public commiteeagainst torture in Israel). 5100/94، تاريخ الزيارة: 12 نوفمبر 2014، http://www.law.yale.edu/documents/pdf/Public_Committee_Against_Torture.pdf

[27] على هذا الأساس، يمكن تفسير كون أي من الشكاوى المرفوعة من طرف الفلسطينيين أمام القضاء الإسرائيلي ضد وكالات الأمن الإسرائيلية، لم تنجم عنها، بأي حال، أية إدانة أو إقرار بالمسئولية عن ارتكاب أعمال تدخل في دائرة التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.

[28] باي، جون كلود (2003). مقاومة الإرهاب ومراقبة الحياة الخاصة (Lutte antiterroriste et contrôle de la vie privée). ميلتيتود 1/11، 91-105. باريس: جمعية مولتيتود. ص. 103.

[29] المرجع السابق. ص. 103

[30] فارشيان، مارين (2015). عندما ينحو واقع المراقبة المكثفة إلى تجاوز الخيال الأورويلي، الحق في الحياة الخاصة وحماية المعطيات الشخصية (Quand la réalité de la surveillance massive tend à dépasser la fiction orwellienne, Droit à la vie privéeet protection des données personnelles). الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا. مجلة حقوق الإنسان، مايو. تاريخ الزيارة 17 مارس 2017،  https://journals.openedition.org/revdh/1300

[31] المرجع السابق.

[32] زيبوف، شوشانا (2020). زمن رأسمالية المراقبة: المعركة من أجل مستقبل الإنسان والحدود الجديدة للسلطة (L’âge du capitalisme de surveillance. Le combat pour un futur humain et la nouvelle frontière du pouvoir). مترجم عن الإنجليزية. باريس: زولما.

[33] زيبوف، شوشانا. مرجع سابق. ص. 17

[34] كوسران، جون كلود وهاييز، فيليب. مرجع سابق. ص. 183

[35] المرجع السابق. ص. 181 وما بعدها.

[36] المرجع السابق. ص.ص. 176- 177.

[37] بحسب تعبير بيغو ووالكر، مشار إليهما في المرجع السابق. ص. 183

[38] أنظر على سبيل المثال: فيريليو، بول (2010). إدارة الخوف (L’administration de la peur)، باريس: تيكستيول.

[39] كوسران، جون كلود وهاييز، فيليب. مرجع سابق. ص. 156

[40]دو نيسي، إيريك والكاييم، دافيد مرجع سابق.

[41] الكاييم، دافيد (2017). الاستعلام الإسرائيلي بين مسلسل السلام وأمن الدولة العبرية (Le Renseignement israelien entreprocessus de pais et sécurité de l’Etat hebreux). مقابلة أجراها فورمون، غيوم. مجلة الشرق الأوسط. 36. أكتوبر-ديسمبر. باريس.

[42] محكمة العدل الدولية (2004). العواقب القانونية لإقامة جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. رأي استشاري، 9 يوليو.

[43] بلقايد، محمد أمين (2018). مناهضة الإرهاب: حكامة للخوف (L’antiterrorisme une gouvernance de peur) مجلة الإنسان والمجتمع، 218 (3). (320-345). باريس: لارماتان. ص. 320

[44] سيباستيان، لوران (2009). الدولة السرية، «المصالح» والمظهر الخادع للرقابة البرلمانية (L’État secret, les « services » et le faux-semblant du contrôle parlementaire). مجلة أسئلة دولية. 35، يناير- فبراير. باريس: لادوكيمونتاسيون فرانسيز. ص. 42.

[45] لابرو، إيميلي وسيكير، فيليب (2011). عالم تحت المراقبة؟(Un monde sous surveillance?). المطبوعات الجامعية لبيربينيون، بيربينيون. ص. 7.

[46]أغامبن، جورجيو (2010). حالة الاستثناء (State of Exception). شيكاغو: مطبوعات جامعة شيكاغو. ص. 12 وما بعدها.

[47]فوكو، ميشيل (1999). غير العاديين (Les anormaux). محاضرات لكلية فرنسا (1974-1975)، باريس: سوي. ص. 23.

[48]المرجع السابق.

[49]شوبان، أوليفيي وأودي، بنجامين (2016). الاستخبارات والأمن (Renseignement et Sécurité). باريس: آرمون كولان. ص. 144.

[50]من البرامج والخطط التي ذاع صيتها بهذا الصدد: نظام «تومبورا» في بريطانيا، برنامج بريزم الذي كشف عن بعض تفاصيله إدوارد سنودن، والبرامج الاستخباراتية الخاصة في كندا، وسلسلة برامج «سورم» و«السجل الموحد» في روسيا، إلى التدابير المتطورة لتحديد هوية الأشخاص و«الجدار العظيم» في الصين… ناهيك عن إجراءات «مراقبة الإنترنت» وقنوات التواصل التي تتخذها العديد من الدول.

[51] بلانشيت، لوي فيليب (2006). ميشيل فوكو: تشكل السلطة الحيوية وتدابير الأمن (Michel Foucault: Genèse du biopouvoir etdispositifs de sécurité). ليكس إيليكترونيكا، 11-2. ص. 4 وما بعدها.

[52] قناة الجزيرة (2020). شركاء التجسس، البرنامج الوثائقي «ما خفي أعظم». 20 ديسمبر تاريخ الزيارة: 8 يونيو 2021، https://youtu.be/P7PMoEhEi_4?t=70

[53]يشير برنامج «شركاء التجسس» إلى ضخ الإمارات ملايين الدولارات لتطوير برامج التجسس الإسرائيلية، عبر خطط للتنسيق والتعاون الأمني المعمق مع إسرائيل.

[54] مشار إليه في وثائقي «شركاء التجسس». مرجع سابق.

[55] مشار إليه في زيبوف، شوشانا. مرجع سابق. ص 174.

[56] زيبوف، شوشانا. المرجع السابق. ص 560.

[57] في بديل لعبارة «الأخ الكبير» التي تعبر عن المراقبة.

[58] زيبوف، شوشانا. مرجع سابق. ص. 560 وما بعدها.

[59] الكاييم، دافيد. مرجع سابق. ص 67.

[60] راجع: لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية (2017). تقرير حول الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة العنصرية. 15 مارس. تاريخ الزيارة: 7 أكتوبر 2021، https://www.unescwa.org/news/escwa-launches-report-israeli-practices-towards-palestinian-people-and-question-apartheid.

Read this post in: English

اظهر المزيد

لؤي عبد الفتاح

أستاذ محاضر في العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول- المغرب، وباحث مختص بشؤون الأمن وحقوق الإنسان والدراسات الجيوسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى