رؤى

رؤى: هل فهمنا ماذا يحدث في تونس منذ 10 سنوات؟

حمل هذا المقال كبي دي إف

يقدم هذا النص قراءة نقدية للرؤية التي قادت فهم العديد من نشطاء حقوق الانسان للتحولات التي عرفتها تونس. كيف نفهم أن إدارة هذه المرحلة كانت ولاتزال رهينة بيد القوى المناوئة للديمقراطية، مع أن هذه القوى لم تكن طرفًا في الثورة، بل أن البعض منها ظلّ يعبر علنًا عن معاداته لها؟ علمًا بأن المقصود هو «شعب الثورة» وليس «شعب الانتخابات». وتحيلنا هذه الملاحظة إلى سؤال آخر: كيف نفهم النجاح النسبي أو الفشل النسبي للتجربة التونسية بعد مرور عشر سنوات؟ وللإجابة عن تلك التساؤلات علينا أولًا العودة قليلًا إلى الوراء لنعرف كيف كنا نقرأ الوضع، فقبل الثورة، لم يكن النقاش في الأوساط السياسية والحقوقية حول نموذج المجتمع أو طبيعة النظام السياسي، أو حول شكل الديمقراطية التي نريدها؟ وما يتطلبه كل ذلك من أسس وسياسات ومؤسسات ينبغي إصلاحها أو إعادة بنائها.

كان بديل النظام الديكتاتوري هو كل ما كنا نفكر فقط، استنادًا إلى نظام التعددية الحزبية واحترام الحريات الأساسية (وخاصةً الجماعية)، باختصار كان نقاشنا حول أرضية بسيطة للدفاع عن حقوق الإنسان مدعومة بانتخابات حرة لضمان التداول السلمي للسلطة. بعد الثورة، أضفنا الحريات الفردية حينما تعرضت للتهديد، ليس فقط جراء مخاطر عودة الاستبداد، ولكن أيضًا من قبل مختلف قوى الإسلام السياسي، المعتدلة منها والمتطرفة وأخيرا الشعبويات المختلفة.

من الناحية العملية، تغيرت وجهة ما أسميناه «المسار الديمقراطي»، وهو ما كان يُفترض أن يجعلنا جميعًا «ديمقراطيين»؛ لأن الواقع كان أكثر تعقيدًا. الحال نفسه لمن كان يعتقد –بسذاجة– دعم وتضامن الديمقراطيات الكبرى، خاصةً في أوروبا، للديمقراطيات الناشئة. لقد تبين أن الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي (حتى وإن كان في مرحلة النشوء) هو أكثر صعوبة مما يتصوره «الفاعلون» وعلماء السياسة والخبراء بمختلف مشاربهم، إذ أن سؤال الانتقال لم يتم طرحه أو ربما حتى التفكير فيه.

وأعتقد أن الوقت مناسب لمراجعة الطريقة التي تصورنا وفعّلنا بها «الانتقال»، هذه الكلمة التي أصبحت تميمة ما بعد الثورة، ورغم أن الثورة التونسية فنّدت «النموذج الانتقالي المؤسسي» (transitology) الذي يسوّق له الباحثون والمؤسسات الدولية، فإن تركيزنا المفرط على هذه الكلمة قد أدّى بنا إلى تهميش –بل وحجب– المسألة الاجتماعية، إذ أدّى المنطق الانتقالي إلى تمايز في الفترة التي تلت الثورة، مفاده سبق المؤسسات للإصلاحات الاقتصادية، ويؤكد في الوقت ذاته أن الحرية تسبق المجتمع. وقد أوقعنا ذلك المنهاج القائل بسبق الديمقراطية على التغيير الاقتصادي والاجتماعي في إخفاقين: فقد أصبح البناء الديمقراطي مهددًا، كما أرجئ التغيير إلى أجل غير معلوم. وعلاوةً على ذلك، سارت الأمور بسرعة كبيرة لدرجة أنه لم يكن هناك سوى مجال للفعل/رد الفعل، إذ لم تتوفر مساحة للتفكير بما يتيح تغذية وتوجيه العمل السياسي. حتى الأحزاب التي يفترض استعدادها للإشراف والمناقشة والتأطير، لم يكن لديها الوقت لتنظيم صفوفها وتطوير عرض سياسي للتعبئة.

سقط «بن على» –باعتباره رأس الديكتاتورية– بفضل نضالات الشباب والحقوقيين والحركة النسائية والنقابيين، ولم يكن للإسلام السياسي دور فاعل في ذلك، بل اقتصر دوره على الاستفادة من الفراغ الذي خلّفه انهيار المنظومة؛ لأنه كان الأكثر تنظيمًا والأكثر دعمًا من الخارج. ووجد نفسه أمام ما تبقى من أجهزة الدولة، الجيش والأجهزة القمعية والإدارة، مع وجود استفاقة كبيرة لما سمي «الشارع» الذي كان يحرّكه أساسًا رفض النظام البوليسي الاستبدادي ورموزه، والمناداة بالكرامة، والشغل . لقد فرض «الشارع» انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، الذي تولّى الإشراف على شؤون البلاد وإعداد دستور جديد لمدة ثلاثة سنوات. وغالبًا ما كان اختيار نموذج «المجالس» كآلية تشريعية يتم اللجوء إليها في حالات نشوء الدول الجديدة أو استقلال الدول مثلما كان الحال بعد الإعلان عن الاستقلال في 1956، وهي الحالات التي يتم فيها القطيعة مع كافة أشكال النظام السابق بما فيها الهيئات التشريعية والقانونية.

وبرغم المصادقة على الدستور الجديد في 2014، إلا أن القوانين غير الملائمة له والسالبة للحرية، والتي صيغت في عهد الديكتاتورية، لم تراجع ولا تزال سارية المفعول. وبرغم وجود مشروع لملائمة القوانين مع الدستور الجديد، إلا أنه لم يتم المصادقة عليه. كما لم يتم إرساء المؤسسات التي نص عليها الدستور حتى الأن، ومن بينها المحكمة الدستورية، علاوةً على وجود نظام سياسي مخضرم لا تزال البلاد تعاني منه، وتتجلى ميزته الرئيسية في تمكين الإسلام السياسي من التحكم في مفاصل السلطة ويستند في سبيل ذلك إلى القانون الانتخابي الذي يجعل المشهد السياسي مجزئًا ومختلًا بما يُمكّنه –أي الإسلام السياسي– من السيطرة عليه.

عملية الانتقال كرهينة للقوى المناوئة للديمقراطية

توظّف القوى المناوئة للديمقراطية عملية الانتقال من خلال الانتخابات باعتبارها وسيلة لاكتساح السلطة، سواء كان المكتسحون إسلاميين أو ينتمون إلى قوى محافظة أخرى، ويأتي في هذا الإطار صعود الحزب الدستوري الحر وزعيمته عبير موسي في استطلاعات الرأي والمشهد السياسي. لقد وضع أنصار النظام القديم استراتيجية واضحة وفعالة تستهدف بصورة رئيسية الإسلام السياسي الفاشل والمتهور والمرفوض من قبل شرائح واسعة من الشعب –يمثل بكل أطرافه في أقصى الحالات أقل من عشرين بالمائة من الأصوات– لخلق استقطاب بين طرفين لا ثالث لهما –مثلما كان الحل في عهد بن علي؛ وذلك بهدف قلب المشهد وإيجاد توازن جديد، يلعب فيه النظام القديم –أو الحرس القديم– الدور المحوري والمهيكل للساحة السياسية. بالطبع لا يلغي عزل القوى الإسلامية إمكانية التحالف معها مستقبلًا، خاصةً أن النظام الانتخابي –إذا بقي على حاله– يجبر الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية على التحالف مع أطراف أخرى لتشكيل أغلبية برلمانية تضمن الاستقرار الحكومي.

إن ما نشهده اليوم في صعود الحزب «الدستوري الحر» الذي ينكر الثورة ولا يعترف بها، بينما يثمن في الوقت ذاته تاريخ وإنجازات الدستوريين منذ نشأتهم قبل قرن من الزمان مرورًا بفترة بن علي، لا يعني بالضرورة عودة لـ«التجمع الدستوري الديمقراطي» تحت واجهة أخرى لأن جزء هام ممن سمّوا بالدستوريين أو التجمعيين (نسبة إلى التجمع الدستوري الديمقراطي)، إما تحالف مع النهضة أو مع أحزاب أخرى أو أثر الانسحاب من الساحة السياسية. في هذا السياق، يبدو «الدستوري الحر» إعادة تركيب قوة سياسية تنتحل مستنداتها الفكرية من الإرث البورقيبي، وسوف نرى مدى امتداد هذا الإرث في البرنامج المنتظر للحزب. ورغم التعديلات على لغة الحزب وخطاباته، إلا أن انفتاحه السياسي المزعوم يبقى محدودًا؛ لأنه يستمد بنيته من الطبيعة التسلطية لفترة بن علي، والتي بقيت راسخة فيه تحت عناوين وشعارات مختلفة مثل إنقاذ البلد وتحريرها، وما سمي الديمقراطية المسؤولة وغيرها. ويغلب على «الدستوري الحر» التحشيد الشعبي تحت راية الزعيمة، وإضفاء مظهر الشرعية الحزبية على أعماله ومواقفه كوسيلة لاختراق الرأي العام والمؤسسات الرسمية أو المهنية. ولا يبدو حزبًا سياسيًا يعتمد على قواعد شعبية تقود توجهاته السياسية والأيديولوجية؛ بسبب غياب الممارسة الديمقراطية داخل مؤسساته واعتماد قياداته على التعيينات المفروضة من أعلى وليس الانتخاب من القواعد الشعبية. وعلى هذا الأساس يعمل الحزب «الدستوري الحر» على الانتشار عبر فروعه وشُعبه في كل المدن والنواحي والمحافظات والتظاهرات الجماهيرية بالارتباط مع استراتيجية التعتيم والتنديد التي يضعها في البرلمان، ويعمّمها عبر ألياته الدعائية وشبكات التواصل الاجتماعي، وأيضا عبر جزء من وسائل الإعلام. ويبقى السؤال قائما حول تمويل هذه الالة الصاعدة وعلى أي أطراف داخلية وخارجية تعتمد.

وتثير تونس، التي يعتبرها البعض استثناءً، مخاوف وتساؤلات حول مستقبل الاختيار الديمقراطي للتونسيين. حتى لا نقول إنها أصبحت نموذجًا يثير الشك والريبة، فإلى متى ستتواصل هذه التجربة؟ وبعبارة أخرى، هل سيتم الحفاظ على الخيار الديمقراطي؟ تبدو نتائج انتخابات السنوات الأخيرة وكأنها ناقوس إنذار حقيقي؛ نظرًا لنسبة العزوف الكبيرة، حيث يمكن القول أن المشاركة الانتخابية لاتصل في أفضل الحالات إلى نصف عدد التونسيين في سن الاقتراع، مما يضع شرعية المؤسسات موضع تساؤل بالفعل. لقد كان وما يزال الانشغال الأساسي للفاعلين السياسيين متمحورًا حول الشأن السياسي والسياسوي، أي السلطة السياسية: الانتخابات، الصراع حول النظام السياسي والقانون الانتخابي وفي بعض الأحيان وبصورة جزئية حول القضاء والأجهزة الأمنية والهيئات الدستورية. وفي السياق ذاته تم تجاهل وإهمال الجوانب الأخرى الأساسية: الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي والشأن الثقافي، وأوضاع البيئة.  ولكن سرعان ما تبين أن جزءً كبيرًا من المجتمع تملكه اليأس، غالبيتهم في صفوف الشباب والمهمشين والطبقات الوسطى، الكل يفكر في مغادرة البلاد، رغم ما يعتريه هذا من مخاطر. المستفيد الأول من هذه الحالة هم الإسلاميون الذين تمكنوا من البقاء في الحكم على مدار العشرة سنوات الماضية، رغم تقلّص رصيدهم الانتخابي من 1,5 مليون إلى أقل من 500 ألف.

ومن الجدير بالملاحظة أن العديد من الفائزين هم أشخاص عديمو الضمير، تلحفوا بلباس الثورة –أو الثورة المضادة– للوصول إلى مقاليد السلطة والاستفادة منها في ظل دولة ضعيفة. متسلحين بالفساد لتقويض أسس دولة القانون والاستهتار بالإرادة الشعبية.

رغم ذلك، شكل نجاح تونس في تنظيم عدة انتخابات هامّة، مكنت التناوب/ الانتقال السلمي على السلطة، استثناءً حقيقيًا، إذا ما قورن بتجارب البلدان العربية الأخرى التي مرت بمرحلة ما يسمى «الثورات العربية» أو «الربيع العربي». فالدولة لم تنهار برغم الإرهاب، والأزمات الاقتصادية، والاجتماعية المتكررة والعميقة، والوضع الإقليمي المتأزم. كما استمر الجيش وفيًا لدوره الجمهوري، ولا تزال حرية التعبير والتنظيم مضمونة رغم الأجواء المحافظة والقمعية، إذ لا يزال القضاء –رغم ما مرّ به من إصلاحات جزئية– محافظًا على ممارساته الزجرية السابقة، متوافقًا مع دور قوات الأمن الداخلي التي استعادت –بشكل مريب– ممارساتها القمعية. في هذا السياق، أضحى دور النقابات الأمنية دلالة على ضعف الدولة، بما يحمله هذا الضعف من أثار مرعبة، فقد أحسّت هذه النقابات بالغرور، منذ بدأ الحزب «الدستوري الحر» ورئيسته يتقدمان في سبر الآراء. لكن الأدهى من ذلك أن بعض الديمقراطيين يعتبرون السيّدة عبير موسي وحزبها هما الملاذ الأخير لمواجهة الإسلاميين، وهو ما نعتبره محض وهم.

 كيف نفسر هذا النجاح/الفشل النسبي؟

أولًا، تعزو إحدى النظريات التحول الديمقراطي في الأنظمة السياسية لبلد ما بوجود شروط مسبقة لنجاح هذا التحول، وأهمها وجود طبقة وسطى واسعة متقدمة في التعليم، وتحقيق نمو اقتصادي يدعم هذه الطبقة ويحوّل اهتمامها من التفكير في الحاجيات الاقتصادية المعيشية إلى الحقوق السياسية والاجتماعية. إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه المقاربة لفهم التحول في تونس؟ في الوقت الذي يتجه اهتمامنا بصورة مركزة على الطبقات الفقيرة والمهمشة، وعلى إرهاصاتها الاجتماعية وعلى الحراك الاجتماعي والمدني لشرائح عديدة من الشباب؟ في بلد يمثل فيه العمل النقابي ركيزة أساسية للسلم الاجتماعي، وأيضا للاستقرار السياسي؟

ثانيًا، وبالتوازي، هناك أخرون يميلون إلى اعتبار التحوّل الديمقراطي تعبيرًا عن أزمة داخل النظام السياسي وليست نتيجة ضغوط المعارضة، ربما تنجح المعارضة في تصعيد هذه الأزمة أو تعميقها. وقد تنجح في استغلالها لتحويلها إلى فرصة للتغيير إذا كانت تملك ما يكفي من الذكاء. وإجمالًا، الثورة هي انعكاس لأزمة النظام السياسي وليست نتيجة نجاح المعارضة بكل تأكيد. ثالثًا، أحد أهم التحديات التي تواجه الديمقراطيات الناشئة، وخاصة تلك التي تعقب سقوط نظام دكتاتوري أو شمولي اتسم بسيطرة لنظام الحزب الواحد، هي كيفية التعامل مع الماضي، أو بشكل أدق كيفية تفكيك إرث النظام القديم لبناء نظام ديمقراطي جديد، وخصوصًا مع بقاء النظام القديم لسنوات طويلة، وتغلغله في كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يجعل مسألة تفكيكه أكثر خطرًا على استقرار الدولة، وانتشار الفوضى التي يكون مسؤولًا عنها المستفيدون من النظام السابق. ورغم ما تعرضت له تجربة العدالة الانتقالية والمحاسبة في تونس من انتقادات، لكنها برهنت على مدى حاجة المجتمع التونسي لها بعد الثورة.

ويثار هنا التساؤل حول كيفية التعامل مع هذه المتناقضات: شروط التحول المسبقة، أزمة النظام الداخلية وكيفية تفكيك النظام القديم. وفي ظل هذا السياق المتخبّط وتلك الأجواء العدائية كيف نبني أو نساهم في بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية؟ وكيف نحافظ على المكاسب الديمقراطية؟

أولًا، ربما من الضروري الإجابة على السؤال المحوري الذي لم يطرح: أية ديمقراطية لبلدان مثل تونس؟ ما هي الممارسة الديمقراطية التي يتم تكييفها مع واقع هذه البلدان؟ نقاش واسع وحاد يحدّد معالمه العريضة أولئك الذين يحملون رؤى قومية/شعبوية/دينية، وأولئك الذين تحركهم قيم الإنسانية والعالمية. بين المركزيين الذين يروجون لدور الدولة التي تحمي المجتمع، واللامركزيين الذين يدعون إلى القرب الاجتماعي كأسلوب للحكم؟ بين مؤيدي الديمقراطية السياسية، ومن يدافع عن الديمقراطية الاجتماعية؟

ثانيًا، إحدى السمات المميزة للمرحلة الحالية هي الطابع السلمي للقوى السياسية والاجتماعية، والتي اختارت المشاركة في الحوار والتفاوض واضعةً خطًا أحمر قوامه رفض انهيار الدولة وإبعاد شبح الحرب الأهلية. وربما كان ذلك ثمنًا للمشاركة السياسية، وهو ما يضمن توسيع حدود المشاركة في النظام السياسي؛ بإشراك القوى السياسية المستثناة سابقًا مقابل تخليها عن مواقفها الراديكالية واعتناق مواقف معتدلة.

وفي سبيل بناء شكل النظام السياسي الجديد، دخلت النخب التونسية في «المفاوضات التأسيسية». وبحكم ضعف قوى المعارضة السياسية وتفتتها؛ نظرًا لخضوعها لمنطق الإقصاء على مدى أكثر من نصف قرن خلال سنوات الرئيس بن علي، بل وحتى قبله مع الرئيس بورقيبة، فإن تحديات المفاوضات كانت صعبة. لكن «الاعتدال» الذي يسمّيه البعض «المقاربة الوسطية» –وهي خطاب غامض معقد وحتى غير مفهوم في بعض الأحيان– كلّف القوى «المعتدلة» ثمنًا باهظًا، خاصةً في تعاملها مع المستفيد الوحيد وهو الإسلام السياسي. حيث تمكّن مروجو الخطب الشعبوية والمتطرفة من اكتساح المشهد السياسي وتحقيق انتصارات باهرة مثلما هو الحال مع قيس سعيد، الفائز في الانتخابات الرئاسية بخطاب شعبوي عنوانه «الشعب يريد». والأخطر من هذا هو صعود ائتلاف الكرامة، والذي أصبح يثير جلبة في مشهد سياسي كان يعيش بعض الهدوء النسبي، ويمثل صعوده عقابًا قاسيًا للطريقة الكارثية التي أُدير بها الصراع مع الإسلام السياسي، والتي تراوحت بين السذاجة وإغراءات الاستئصال. وبوجه عام، فإن رياح الشعبوية التي تهب في كل الاتجاهات، من عبير موسي مرورًا بسيف الدين مخلوف وصولا إلى «السياسيين» الذين صنعتهم الألة الإعلامية، مثل صافي سعيد، قد تعصف بكل المكتسبات التي صمدت –حتى الأن– أمام كل الارتدادات.

ثالثًا، التفكير في دور المجتمع المدني. فقد اتضح وجود صلة عضوية تربط عملية التحول الديمقراطي بنمو فكرة المجتمع المدني كعامل حاسم، بحيث أن قوى المجتمع المدني الصاعدة، الحاملة لقيم مختلفة عن تلك التي أشاعها النظام التسلطي السابق أو القوى الإسلامية الصاعدة، من شأنها قيادة وتوجيه مرحلة التحول الشعبي والنخبوي تجاه نمط جديد من القيم أساسها المواطنة والحرية والمساواة والمسؤولية والتعددية؛ وهو ما يمنح العلاقة القائمة بين النظام والمجتمع دور حساس ومحوري في توجيه عملية التحول الديمقراطي. ما هو الدور الذي مارسه المجتمع المدني التونسي في عملية التحول في مرحلة 2011 إلى انتخابات 2011، الحوار الوطني 2014، الهيئات المستقلة، وغيرها من المراحل؟ هل من دور سياسي للمجتمع المدني؟ هل بإمكان المجتمع المدني حمل مشروع سياسي؟ هل له دور في تجديد النخبة السياسية؟ تبدو لي تلك هي الأفكار أو الرسائل الرئيسية التي يجب أن تُطرح بهدف الوصول لمنفذ للخروج من الوضع الحالي.

Read this post in: English

اظهر المزيد

كمال الجندوبي

ناشط حقوقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى