رؤى

رؤى: تجريم الدولة المصرية لحرية تعبير الأقليات وتوظيف قضايا ازدراء الأديان

حمل هذا المقال كبي دي إف

شكلت ثورة 25 يناير فرصة لمعظم الأقليات الدينية للسعي الجاد للظهور في المجال العام، وممارسة شعائرهم بشكل علني، والتعبير عن معتقداتهم الدينية ومطالبهم بحقهم في المواطنة، وتحديدًا مع التراجع المؤقت للقبضة الأمنية عقب الثورة. إلا أن هذا السعي اصطدم بالأزمة البنيوية التي تعاني منها الدولة المصرية تجاه حرية الدين والمعتقد، والتي تتجسد في تبني الدولة رواية وحيدة عن الإسلام كمكون من مكونات هويتها الوطنية، وتمزج بين شرعيتها الدينية والسياسية. تجلت تلك الأزمة في ميراث السياسات والخطابات التمييزية التي تبنتها الدولة المصرية بحق الأقليات الدينية، واتضحت في صورة تشريعات تعاقب على ازدراء الأديان، وتُوظف لمواجهة سعي الأقليات الدينية، وتعويض غياب القبضة الأمنية، وتعزيز سلطة الدولة وهيمنتها على المجال الديني، وهو ما انعكس لاحقًا في تصاعد الأحكام والقضايا المنظورة أمام القضاء المتعلقة بـ «ازدراء الأديان»، والتي طالت الأقليات الدينية من مواطنين أقباط وشيعة، وملحدين، وباحثين وصحفيين علمانيين وآخرين.

اعتماد الدولة على قضايا ازدراء الأديان لقمع الأقليات، أبرز إشكالية تتعلق بدور الدولة الحديثة في تنظيم حرية التعبير؛ فبينما تشكل حرية التعبير إحدى الحريات الأساسية وأحد المكونات الرئيسية للحرية الدينية، تظهر سلطة الدولة كقيد في تنظيم تلك الحرية لمنع الإخلال (بالنظام العام، الأمن العام،…)، أو للتصدي لخطابات الكراهية والتحريض علي العنف. وفيما تقدم الدولة الحديثة العلمانية نفسها كدولة محايدة تجاه الأديان، وأن جميع مواطنيها متساوون أمام القانون، لا يبدو الأمر على النحو نفسه في الواقع المصري، يحاول المقال تفكيك كيفية توظيف الدولة الحديثة في مصر لغة قانونية (علمانية)، لتجريم حرية التعبير للأقليات، وبالتبعية تقييد حرية الدين والمعتقد الخاصة بهم؛ إذ يتحرى المقال السياق التاريخي لمواد ازدراء الأديان، ويفسر عن طريق تحليل النص القانوني للمواد وكذلك أحكام القضاء، كيف أعاد القانون وأحكام القضاء تعريف القيود المفروضة على حرية التعبير، لصالح تعزيز احتكار الدولة للدين، وهيمنة نسختها من الدين (الوسطية) على بقية الخيارات الدينية، والانتصار لتصورات ومشاعر الأغلبية الدينية، ومعاقبة المخالفين لتلك النسخة (الأقليات الدينية). كما ينظر المقال إلى مساهمة علاقات القوى خارج وداخل المحاكم في إعادة تعريف دور القانون ومؤسسات إنفاذه، حيث يتناول كيفية عمل المؤسسات الدينية الرسمية، وكذلك المتشددين، إلى جانب القضاء في تشكيل صيغة مشتركة تهدف لإحكام هيمنة الدولة على الدين والمجال الديني، وتجريم حق الأقليات الدينية في حرية التعبير.

السياق التاريخي لمادة ازدراء الأديان

في يونيو 1981 اندلعت أحداث الزاوية الحمراء، وهي واحدة من أعنف حوادث العنف الطائفي في تاريخ مصر الحديث. كانت الحادثة حصاد عشرة سنوات من حكم الرئيس السادات، انتهج فيها مجموعة من السياسات الهادفة لتوظيف الإسلام كمصدر للشرعية وأيديولوجية للدولة. في مواجهة التحديات التي طالت شرعيته نتيجة تبني سياسات الانفتاح الاقتصادي، واتفاقية السلام مع إسرائيل، فضلًا عن مواجهة ميراث عبد الناصر داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

فعمد السادات لإصدار دستور جديد في 1971 نصت مادته الثانية على أن «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» ثم عدلها في 1980 لتصبح الشريعة الإسلامية «المصدر الرئيسي للتشريع». كما دعم صعود الحركة الإسلامية لمواجهة خطر وجود الشيوعيون في الجامعات والنقابات، فيما أجرى تقارب تاريخي مع المملكة العربية السعودية، والتي استثمرت في نشر خطاب إسلامي محافظي، وتقديم الدعم للعديد من التنظيمات الإسلامية سلفية التوجه في العالم الإسلامي، لاسيما مصر.[1]

عمقت تلك السياسات من وضع الأقباط المتأزم، وساهمت في زيادة وتيرة العنف الطائفي ضدهم، فبعد مرور أقل من شهرين على أحداث الزاوية الحمراء، حدث انفجار في كنيسة في حي شبرا، وباتت الأجواء الطائفية في مصر شديدة الاحتقان. وهو الأمر الذي دفع السادات في سبتمبر 1981 لدعوة البرلمان للانعقاد، واتخاذ عدة قرارات بدعوى مواجهة الفتنة الطائفية، تضمنت حظر استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، والتحفظ على بعض الأشخاص ممن توافرت حولهم دلائل جدية على تهديدهم للوحدة الوطنية، كما ألغى قرار رئيس الجمهورية رقم 2782 لسنة 1971 بتعيين الأنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية، وشكل لجنة للقيام بالمهام البابوية.[2]

في أعقاب ذلك، تقدمت الحكومة للبرلمان بعدة تعديلات في قانون العقوبات، هدفت التعديلات –وفقا للمذكرة الإيضاحية للقانون– إلى «حماية الأمن والاستقرار في الداخل، والتصدي للعابثين بالأديان»، في إشارة واضحة للخطاب الطائفي المتصاعد ضد الأقباط والذي عجزت الدولة عن السيطرة عليه. وتضمنت التعديلات تغليظ العقوبة المنصوص عليها في المادة (160) والمتعلقة بحماية إقامة الشعائر الدينية للطوائف المختلفة بعيدًا عن أعمال العنف أو التهديد أو التخريب، وتعديل المادة (201) والمتعلقة بتجريم إساءة استخدام الخطاب الديني ليشمل كل شخص وليس فقط رجال الدين. وأضاف التعديل المادة (98و) لأول مرة إلى قانون العقوبات والخاصة بتجريم ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية.

غموض يكتنف النص وغموض أكبر في التطبيق

«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي».

كان ذلك النص الأول للمادة (98و) من قانون العقوبات، ونظرًا لاحتواء المادة علي العديد من الألفاظ الغامضة تم تعديلها في 2006 بحذف لفظي «التحبيذ» و«السلام الاجتماعي»، إلا أن هذا التعديل لم يعالج مشكلة الغموض في نص المادة. وهو ما تسبب في عدم انضباط المادة وفقًا للمعايير الدستورية في صياغة النصوص العقابية؛ حيث حددت المحكمة الدستورية في أحكامها مجموعة من المعايير الواجب اتباعها في صياغة التشريعات العقابية. يأتي في مقدمة هذه المعايير «اليقين القانوني» وهو وضوح وتحديد النص العقابي وتلافي أي شكل من أشكال الغموض أو الخفاء. نظرًا لكون القانون الجنائي يتخذ «الجزاء العقابي أداة لحمل الناس على فعل الشيء أو تركه»، وبالتالي يجب أن يخضع النص العقابي وفقًا للمحكمة إلى «مقاييس صارمة ومعايير حادة»؛ حتى لا تكون النصوص «شباكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها».[3]

بمقارنة تلك المعايير مع استخدام المشرع لمصطلحات مثل «أفكار متطرفة» الموجودة داخل المادة، نجد أن المشرع لم يلتزم بها، فما هي طبيعة الأفكار المتطرفة التي يجب على المواطنين تجنبها؟ الأمر نفسه يتكرر مع استخدام مصطلحات «إثارة الفتنة» و«الإضرار بالوحدة الوطنية» اللذان يفتقدان لدلالة قانونية واضحة تثبت للقاضي على سبيل اليقين أن أفعال شخص ما أو مجموعة، كانت السبب في إثارة الفتنة، أو الإضرار بالوحدة الوطنية.

اتضح ذلك الغموض في إصدار القضاء أحكامًا متناقضة للقضايا نفسها والاتهامات ذاتها؛ ففي الرابع والعشرين من أبريل 2012 حكمت محكمة جنح الهرم بسجن الفنان عادل إمام لثلاثة أشهر على خلفية ازدراء الدين الإسلامي في أعماله الفنية،[4] بينما برأته محكمة العجوزة في السادس والعشرين من الشهر نفسه في دعوى مقامة من الشخص نفسه بالاتهامات نفسها.[5]

وفضلًا عن تناقض أحكام القضاء، وسع الغموض من سلطة المحكمة لتقديم تفسيرها للنصوص التي ينتابها الغموض على نحو ينتهك حرية الدين والمعتقد وحرية التعبير. حيث أقرت محكمة أمن الدولة الجزئية مدينة نصر بضبابية لفظ «أفكار متطرفة» وفسرته بعودتها إلى قواعد الشريعة –حسب تفسيرها– بأن «التطرف في الدين يعني الحياد عن الحقائق المعلومة من الدين بالضرورة»، وهو الأمر الذي فسرته محكمة جنح جنوب القاهرة بأنه «إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وإنكار ما أجمع عليه علماء الأمة»،[6] ويتضح هنا انحراف المادة عن هدفها التي صيغت من أجله؛ وهو حماية الطوائف الدينية، لاستخدامها لحماية «المعلوم من الدين بالضرورة» بحسب تعريف القضاء، وهو يستند دومًا في أحكامه إلى تقارير مؤسسة الأزهر، ولكن من يحدد إذا كان ذلك التعبير هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، ولكن ماذا عن حق الأقليات الدينية الأخرى في التعبير، والتي هي بالقطع تنكر «المعلوم من الدين بالضرورة» بالنسبة للإسلام، وإلا لما اتخذت خيارًا دينيًا مختلفًا، فالملحدين ينكرون حقائق الإسلام وكافة الأديان، كذلك الشيعة لديهم إسلام مغاير عن الإسلام السني، والأقباط ينتمون لعقيدة أخرى، وحتى بعض المفكرين من داخل التراث الإسلام السني الذين يقدمون قراءة مختلفة عن تلك التي تتبناها المؤسسات الدينية، كل هؤلاء يرى القضاء تعبيرهم عن تصورهم للدين «أفكارًا متطرفة» لعدم تطابقها مع رواية الدولة عن الدين.

وبينما ينتصر مصطلح «الفكر المتطرف»، حسبما عرفه القضاء، لتصور الدولة أو الأغلبية عن الدين؛ فإن استخدام مصطلحات مثل «إثارة الفتنة» و«الإضرار بالوحدة الوطنية» ينتصر لمشاعر الأغلبية الدينية على حساب الأقلية. وفي الوقت الذي تتغاضى فيه الأجهزة الأمنية والقضاء، عن الخطاب التحريضي الصادر عن مسئولين بالدولة أو متشددين ضد الأقليات الدينية، ولا يُنظر إليه باعتباره «إثارةً للفتنة» أو «إضرارًا بالوحدة الوطنية»، فإن هذا الخطاب يعد مؤشرًا على استثارة مشاعر وغضب الأغلبية؛ فيتم محاكمة الأقلية وفقًا للمادة إرضاءً لمشاعر الأغلبية، لتصبح الأقلية دومًا ضحايا خطاب الأغلبية التحريضي، وضحايا مادة قانونية تعاقبهم بسبب خطاب الأغلبية التحريضي نحوهم. لقد أفرغت طريقة تعاطي القضاء للمادة من مضمونها الذي صيغت من أجله، وهو حماية الطوائف الدينية من الخطاب التحريضي الذي يستهدفها، لينتهي بها الحال أداة يستخدمها المتشددون لمعاقبة ضحاياهم من الأقليات الدينية، وهو الأمر الذي يجعل تعبير الأقليات الدينية عن ممارستها ومعتقداتها الدينية مقيدًا بألا يكون سببًا في استفزاز مشاعر الأغلبية الدينية.

الطريق إلى القانون مليء بالمتشددين

تسلك القضايا مساران، الأول من خلال تقدم بعض المواطنين ببلاغات مباشرة للنيابة العامة، والتي تتولى التحقيق مباشرةً ولديها خيار إحالة القضية للقضاء، كما لديها الحق في تحريك الدعوى دون وجود شكوى. أما المسار الثاني فهو الجنحة المباشرة والادعاء المدني، عن طريق قيام بعض المحامين المتشددين دينيًا، سواء القادمين من خلفية إسلام سياسي أو محافظين اجتماعيين، برفع دعاوى ضد كتاب ومفكرين، مستغلين نصوص قانون الإجراءات الجنائية وتحديدًا المواد السابعة والعشرين أو السادسة والسبعين؛ إذ منحت هذه المواد الحق في ادعاء الضرر الأدبي ضد من يعبر عن رأيه فيما يخص الدين، زاعمين انتهاك مشاعرهم الدينية وإهانة معتقداتهم، ويطلق على هذا النوع قضايا «الحسبة».[7]

وبينما يعمل غموض النص في صالح الأغلبية، فإن قانون الإجراءات الجنائية يوفر مناخًا تمارس فيه الأغلبية الدينية سطوتها على الأقلية، فعن طريق تقديم البلاغات أو الادعاء المدني، تُرسخ الأغلبية تقاليدها الدينية ومشاعرها، وتُشعر الأقليات المختلفة أن تعبيرها أو تصورها عن الدين عليه أن يتطابق مع تصورات الأغلبية، ولكن ما هو تصور الدولة والأغلبية عن الدين؟ كيف نشأ وكيف تطور؟ لماذا وكيف تدافع الدولة ومؤسساتها الدينية عنه؟ ولماذا تقمع التصورات المغايرة له، وكيف؟ يحاول المقال الإجابة على هذه التساؤلات.

الإسلام والقانون وتشكل الوطنية المصرية

تشكلت الهوية الوطنية المصرية –وهي الأمر المتخيل بحسب بنديكت أندرسون– على أساس «الأحادية» لإحداث وحدة سياسية في مواجهة الاستعمار، في الوقت الذي كان فيه خطاب التعدد الديني والثقافي جزء من استراتيجية الإدارة البريطانية لتبرير وجودها في مصر، لذلك جاء خطاب الوطنية متفاخرًا بقيمة الوحدة والاصطفاف، وأنه ثمة هوية معينة للسكان تمثل جوهرهم، مؤكدًا على ضرورة استعادة هوية المستلبة لمواجهة للاستعمار.[8]

يوضح بارثا تشاترجي أنه لكي تنجز الوطنية هدفها، فإنها تقسِّم العالم لمجالين، المادي والروحي. فتقبل بالتفوق الغربي في المادي، ما يجعل المجال الروحي هو المساحة الوحيدة التي يعبر الوطنيون خلالها عن أنفسهم. ويمارس المجال الروحي «التراث» دورًا رئيسيًا في تشكيل الهوية الوطنية، وتعمل الدولة الوطنية على إعادة تشكيل «التراث» لصالح المنظومة المادية الحاكمة فيصبح مصنوعًا أكثر من كونه أصيلًا،[9] فصوغ تراث «ماض مشترك» هو أمر حاسم لصيرورة صوغ خليط من الناس في أمة متماسكة.[10]

تاريخيًا تم إنتاج الإسلام كمكون رئيسي في الهوية الوطنية، فكانت رؤية الأفغاني لمهمة تحرير البلاد من الاستعمار هو توحيدها بالإسلام –المكون الروحي؛ حيث كانت أولى الخطوات نحو إنتاج إسلام شامل مدمج في الهوية الوطنية،[11] كما كان الإسلام تاريخيًا أحد مصادر الشرعية السياسية للدولة الحديثة المتشكلة؛ لتمزج الدولة بين الدورين السياسي والديني، فهي إمام سياسي ديني، يقوم على رعاية الإسلام واحتكار تنظيم شئونه من خلال المؤسسات الدينية، وبالتالي فإن تهديدك لروايته عن الدين يعني بالضرورة تهديدك لشرعيته السياسية، والعكس صحيح.[12]

يلعب الإسلام الدورين الرئيسيين في تشكل الأمة الحديثة، كبيداغوجيا وكأداة. فبحسب تمييز المفكر «هومي بابا» بين الأمة كبيداغوجيا والأمة كأداة، نرى في الأمة كبيداغوجيا ظهور انبثاق الجماعة القومية بوصفه تاريخ «ذات»، تتوصل إلى الوعي بذاتها وسماتها ضاربة في عمق التاريخ؛ فتصبح في حالتنا الوسطية الرواية الوطنية عن الإسلام (الأشعري في العقيدة والشافعي في مجال الفقه والشريعة والغزالي في الفكر والفلسفة)،[13] وهي السمة المميزة للتدين المصري، وليست الوسطية في معناها الحديث سوى تجلي للأيديولوجية الوطنية في الحقل الديني، ومصطنعًا من مصطنعات الاجتماع الحديث.[14] ويتضح الاختلاف بين الأمة كبيداغوجيا والأمة كأداة، رغم أن كلاهما ينطوي على صنع المعنى، في ارتباط الأخيرة بمسألة الآخر؛ فتحقيق هوية الأمة لا يتم إلا عبر تمييز حقيقي بين من ينتمي لهذه الأمة ومن هو خارجها،[15] وضبط من يشكلون تلويثًا أو تهديدًا لهذه الأمة؛ فنري استخدام الوسطية كأداة في سبيل إيضاح مروق الإسلام السياسي من الوطنية المصرية، وكذلك المفكرين العلمانيين والملحدين والأقليات الدينية الأخرى؛ لأنهم ببساطة ليسوا منضبطين وفقًا لمعيار الوطنية. فالهوية الوطنية هي مساحة صراع حول تعريف ماهية الأنا وماهية الأخر، وبينما كان الأخر هو الاستعمار في فترة زمنية ما، يصير اليوم إسلام البحيري، أو الملحدين، ويصبح كل هؤلاء امتدادًا للاستعمار بشكل أو بأخر.

تتشكل الهوية الوطنية عبر عملية ثنائية متداخلة؛ إنتاجية لها علاقة بإنتاج معنى الهوية وروايتها، وضبطية قمعية مرتبطة بضبط المخالفين لها. والوطنية هي بالتعريف أيديولوجية، فسر «لويس ألتوسير» حاجة أي نظام لإعادة إنتاج شروط إنتاجه الخاصة، بما في ذلك إعادة إنتاج المواطنين ليصيروا مناسبين للنمط الاقتصادي السائد،[16] وتنعقد مهمة تشكيل المواطنين على الأجهزة الأيديولوجية للدولة ومن بينها المؤسسات الدينية. ويلاحظ «ألتوسير» أن هذه الأجهزة أيديولوجيًا تستبطن (الهوية الوطنية) وتعمل بتنوعها على تثبيت رسوخها؛ فيعمل الأزهر في مصر كبؤرة لإعادة إنتاج الهوية (الوسطية/المركب الديني داخل الوطنية المصرية) بما يضمن هيمنة الدولة على الدين والمجال الديني، ويضمن أيضًا إنتاج مواطنين يمثلون الأغلبية المتبنية لنسخة الدولة من الإسلام. والهيمنة وفقًا لـ«جرامشي» هي المساحة التي يتم فيها إنتاج القبول الشعبي،[17] وتستهدف تلك الهيمنة السيطرة على الأفراد، والمكان، والزمن ليس فقط بمعناه الحاضر والمستقبل، وإنما أيضا الصراع على الماضي وتعريفه، بما يشمل تعريف التراث الديني، وكيفية تطوره، وما هي رواية الدولة عنه، وبالتبعية الموقف من المخالفين لتلك الرواية؛ أي أن أجهزة الدولة الأيديولوجية هي الأخرى تمارس الدورين الإنتاجي والقمعي نظرًا لتداخلهما الشديد، وإن كان دورها الرئيسي ينعقد على إنتاج المعنى.

القانون وإنتاج الهوية الوطنية

ينظم القانون عملية إنتاج الهوية الوطنية، ويسمح لنا بوضوح أكثر رؤية مدى تداخل الدورين الإنتاجي والقمعي. فمن ناحية يمكننا النظر إلى عملية «التقنين» (Codifying) التي تنفرد بها الدولة الوطنية كجزء من عملية إضفاء صفة ومفهوم الوطنية؛ حيث تنطوي على تعريف الوطن وزمانه ومكانه والأفراد وإضفاء صفة الوطنية عليهم، لذلك فإن عملية القوننة هي جزء من اللحظة التأسيسية لعملية إنتاج الوطن، وهو كما يمتلك القدرة على تعريف المكان باعتباره وطنيًا، لديه القدرة أيضا علي تعريفه باعتباره مستعمَرًا، كذلك الزمان، والذوات. ويتم ذلك الإنتاج من خلال إنتاج المعيارية (normalization) التي تتوافق مع مفهوم الوطنية؛[18] حيث يعرّف القانون في حالتنا الدين وماهيته، أو يعهد لإحدى مؤسسات الدولة الأيديولوجية القيام بذلك الدور –الأزهر في حالتنا هنا، كذلك يحدد للذات الوطنية ماهية التدين وكيفية ممارسته، وحدود ممارستها له، وهو ما يمكن أن نطلق عليه دور القانون في الضبط الإنتاجي.

فإذا كان الضبط الإنتاجي يترتب عليه إنتاج المعيارية، فإن الدور الثاني للقانون (الضبط القمعي) يظهر عندما تتعدى الذات على حدود المعيارية الوطنية، لتصبح في هذا التوقيت «غير وطنية»، ليقمع القانون تلك الذوات غير المنضبطة وفقًا للمعيارية، باعتبارها تهديدًا لمعيارية الهوية الوطنية، وإظهارًا لجوهر الوطنية وهي الذات المعيارية. ومن هنا تتضح أهمية العقوبة في الحفاظ على الذات الوطنية، أي تشكيل الذات المطيعة حيث يخضع الفرد لتراتيب السلطة، وتصوراتها عنه وعن محيطه، وعما يجب أن يفعل وكيف يفعله. ويتعزز الانضباط بالقدر الذي تمارس به العقوبة.

ولكن كيف يتوازى الخطاب القانوني وخطاب المؤسسات الدينية جنبًا إلى جنب في صيغة منتجة وقمعية في الوقت نفسه، ويتفقان أيضًا مع خطاب الذوات الوطنية الفاعلة (المواطنين/ الأغلبية)؛ لموضعة المركب الديني ( الوسطية) كمركب أساسي داخل الهوية الوطنية. وكيف يعبر القانون عن الهوية الوطنية في نصوصه؟ وكيف يعمل على تنظيم إنتاج ذلك المركب الديني عبر صياغته لدور المؤسسات الدينية وعلاقتها بذلك المركب؟، وأخيرًا كيف يدافع القانون عن ذلك المركب الديني داخل الهوية الوطنية بقمع من يراه تهديدًا للهوية، وبالاستناد إلى خطاب المؤسسات الدينية، ودعاوي الحسبة وعنف الأغلبية تجاه الأقليات؟

الغموض كأحد سمات العلمانية

كيفية تقييد الدولة المصرية لحرية التعبير في المجال الديني بالارتكاز على غموض النص التشريعي، هو تعبير عن غموض أوسع ينتاب دور دولة الحديثة في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسية، والذي بدوره ينعكس على الإطار التشريعي وسياسات الدولة تجاه حرية الدين والمعتقد وحرية التعبير.

تطور النظر إلى العلمانية، أكاديميًا، من مجرد اعتبارها فصلًا بين الدين والسياسة، لكونها تجليًا لسلطة الدولة السيادية في إعادة صياغة الدين وإنتاجه وتعميم هذا الإنتاج عبر القانون، وعبر تخويل الحساسيات اللائقة له، وضبط التقاليد الدينية لتتلاءم معه. وبناءً عليه، لا تعني علمانية الدولة حيادها تجاه كل الأديان، ولا حتى حيادها تجاه جميع الروايات والممارسات حول الدين الواحد. فالعلمانية هي تعبير عن سلطة الدولة السيادية في تحديد موقع الحد الفاصل بين الدين والسياسية، وماهية الموقع المسموح به للدين في المجال العام. إلا أن ذلك التعبير أيضًا مشحون بالعديد من بالإبهام والغموض من جانب آخر.[19]

سنحاول فهم غموض القيود المنظمة لحرية التعبير عبر النظر إلى ثلاث من سمات العلمانية الحديثة، ومن خلال استكشاف الغموض المتجلي في سلطة الدولة القانونية العلمانية؛ السمة الأولى كما أسماها حسين علي عجرمة هي «مبدأ نشاط العلمانية»؛[20] ويعني سلطة الدولة في تحديد ما يعتبر دينيًا وما هو المجال المسموح له، والذي يتسع ليشمل دور الدولة في تحديد ماهية الدين بشكل مجرد، أو ما ينبغي أن يكون، وتحديد النصوص المعتمدة الحاكمة لذلك، وهو مثلا ما نراه في تفسير المحاكم المصرية لمصطلح «الأفكار المتطرفة» بأنه «إنكار المعلوم من الدين بالضرورة وإنكار إجماع العلماء». السمة الثانية هي قدرة الدولة المطلقة في تحديد «التمييز بين الخاص والعام»؛ فبينما كفل الدستور المصري والمواثيق الدولية حماية حرية الدين والمعتقد كشأن خاص، فإن تنظيم ممارسة تلك الحرية متروك للدولة بشكل حصري، هي التي تحدد متى تكون تلك الممارسة شأن ديني خاص، ومتى تتدخل لضبط تلك الممارسة لعدم الإخلال بالنظام العام. أما السمة الثالثة فهي «حكم القانون»؛ حيث تستمد الدولة سلطتها في تنظيم وترسيم الحدود والمساحات المسموح بها للدين من سلطة «حكم القانون» إلا أن عملية التنظيم تنطوي بالتأكيد على تفضيل لدين معين وأشكال معينة من التدين، ما يناقض فكرة مساواة المواطنين أمام القانون والتي تمثل جوهر «حكم القانون».[21]

تظهر السمات الثلاثة مكثفةً بقوة في مصطلح «النظام العام»؛ فهو من ناحية ينطوي علي تفضيلات الدولة تجاه رواية معينة عن دين بعينه، وهو بوابة العبور للدولة لتحجيم ممارسات بعينها في المجال الديني بحجة الحفاظ على النظام العام، وهو التعبير الأكثر وضوحًا عن التناقض الكامن في بنية القانون الليبرالي، الذي يدعي معاملة جميع المواطنين على قاعدة المساواة، بينما هو تجسيد لمعتقدات الأغلبية ومشاعرها وسعي الدولة للحفاظ عليها وترسيخها.[22]

الضبط الإنتاجي: الأزهر حارسا للإسلام محافظا على النظام العام

من المهم التمييز بين العلمانية (Secular) باعتبارها مبدأً للحكم وتعبيرًا عن السلطة السيادية، يُبهم العلاقة بين كل من الدين والسياسية بسبب غموض سماته، وهو أمر تشترك فيه مصر وفرنسا والولايات المتحدة، وكافة الدول الحديثة. وبين العلمانية (Secularisms) كأيديولوجيا وتجلي للهوية الوطنية في تفسير الغموض الذي يحيط علاقة الدين بالسياسة،[23] ويرسم واقع علاقة الدولة بالدين، ويظهر في القانون، وفي الخطابات الرسمية، وفي كل ما يعبر عن واقع الدين في المجال العام، وهي مساحة للصراع بين قوى سياسية واجتماعية، لأنها انعكاس للهوية. مما يعني أن العلمانية كأيديولوجيا في مصر ليست شبيهة بفرنسا أو الولايات المتحدة، ولا تشبه أي من الدول الثلاث الأخرى. وبكثير من التبسيط إذا كانت العلمانية كمبدأ للحكم هي العملة المعدنية التي تشترك جميع الدول في إنتاجها بالحجم نفسه، فإن العلمانية كأيديولوجيا هي النقوش داخل العملة، وهي ما تختلف من بلد لبلد ومن سياق لآخر.

ومن هنا تكمن أهمية نقل استكشاف مفهوم النظام العام من التجريد النظري الخاص بغموض سمات العلمانية، إلى محاولة تفكيكه في إطار فهم علاقة الدين بالدولة في مصر (العلمانية كأيديولوجيا)، وذلك عبر استكشاف كيفية تعاطي القضاء المصري مع مفهوم النظام العام. هل انطوي المصطلح على تفضيل لدين معين علي أخر، أو بمعنى أدق ما هي العلاقة بين مصطلح «النظام العام» والإسلام كدين للأغلبية، هل انطوى على تفضيل يخص رواية معينة عن الإسلام، أو من المسئول عن تعريف ما تراه الدولة «الإسلام»، أو هل ثمة علاقة تربط مفهوم «النظام العام» بالأزهر باعتباره المؤسسة الدينية الرسمية، مع الأخذ في الاعتبار السياق السياسي الأوسع والذي ينعكس على تعاطي القضاء مع مفهوم النظام العام، إذ في رأيي أن النظام العام هو التعبير القانوني عن الهوية الوطنية والصراع حولها.

شهدت الثمانينيات والتسعينيات في مصر، تصاعد المواجهة بين نظام مبارك والحركة الإسلامية. وتركت هذه المواجهة آثارها على وضع الدين في المجال العام، ونتج عنها ما يمكن تسميته «علمنة سلطوية للدين وأسلمة المجال العام»؛ إذ انتهجت الدولة حزمة من السياسات والممارسات السلطوية الهادفة لمزيد من إخضاع الدين لسلطة الدولة. وفي المقابل توسع دور الدين والمؤسسات الدينية، لاسيما الأزهر، في الرقابة والتأثير على المجال العام. فالحركة الإسلامية مثلت تهديدًا للشرعية السياسية للنظام، وأيضًا لدور الأزهر في المجال الديني.[24]

أدت السيطرة الناصرية على الأزهر، وإعادة تشكيله كتابع لها عبر قانون 103 لسنة 1961، لتراجع دوره في المجتمع، وبرزت مدى الحاجة لإعادة تعريف دوره؛ ليتمكن من خوض المواجهة الفكرية مع الحركة الإسلامية. ويتلخص الدور الجديد في اضطلاع الأزهر بالرد الشرعي على الحركة الإسلامية، وتبيان كيفية خروجهم ليس فقط على الدولة، وإنما أيضا علي الإسلام ووسطيته. ولكن تفسير الأزهر لصعود الحركة الإسلامية والتطرف الإسلامي، هو أن ذلك الصعود جاء نتيجة التطرف العلماني. ووافقت السلطة على هذه الصفقة، ليواجه الأزهر المتطرفين الإسلاميين في مقابل اتساع دوره في المجال العام كحارس للنص الشرعي والأخلاق العامة،[25] ومعبرًا عن مفهوم الوسطية بين التطرفين الإسلامي والعلماني. إثر ذلك، أرسل شيخ الأزهر وقتها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق طلبًا لمجلس الدولة لتحديد طبيعة ونطاق سلطات الأزهر فيما يتعلق بالرقابة على الأعمال الفنية، وأصدر قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة فتواه في هذا الشأن.[26]

تناولت الفتوى الإطار القانوني المنظم للرقابة على للإنتاج الفني، وصولًا للتعديل الذي أضافه القانون 38 لسنة 1992، والذي عدل المادة الأولي من قانون تنظيم الرقابة 430 لسنة 1955، بأن أضاف «تخضع للرقابة المصنفات… وذلك بقصد حماية النظام العام والآداب ومصالح الدولة العليا». ثم انتقلت الفتوى للإجابة على سؤال أنه طالما استهدف المشرع بالرقابة حماية النظام العام، ومادام سؤال شيخ الأزهر حول دور الأزهر الرقابي، فما هي علاقة الإسلام بمقصد المشرع (حماية النظام العام)؟

استفاضت الفتوى في تناول علاقة الدولة المصرية بالإسلام؛ حيث وصفت الإسلام بأنه «دين الغالبية الغالبة من الشعب المصري»، وأن الدولة المصرية الحديثة منذ انتظامها في كيان منظم لوجودها كشخص معنوي، حرصت دساتيرها على النص أن «الإسلام دين الدولة»، منذ دستور 1923 وصولًا لدستور 1971، والذي احتوى في مادته الثانية عبارة «ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»، وقد عبر هذا النص مراحل تاريخية كاملة من نظام ملكي إلى آخر جمهوري، ومن نظم اجتماعية لأخري مختلفة عنها، وبقاء هذا النص يقر حقيقة أكثر رسوخًا وأدوم بقاءً، وأوغل في الدلالة، وهي أن «الإسلام ومبادئه وقيمه إنما يتخلل النظام العام والآداب وهو كذلك مما تتضمنه المصالح العليا للدولة».

بعد أن برهنت الفتوى على أن «الإسلام ومبادئه وقيمه» مكون أصيل من مكونات النظام العام، انتقلت للإجابة على سؤال هل يدخل حماية النظام العام ضمن صلاحيات مؤسسة الأزهر الشريف. واستعرضت الفتوى الإطار التشريعي المنظم لعمل الأزهر منذ صدور أول قانون بشأن الأزهر 10 لسنة 1911، وصولًا للقانون 103 لسنة 1961. وتوصلت الفتوى عبر ذلك الاستعراض أن الأزهر هو الهيئة التي أناط بها المشرع الوضعي «حفظ الشريعة والتراث، وأنه صاحب الرأي فيما يتصل بالشئون الدينية»، وبناءً عليه يصبح للأزهر «سلطة تقدير الشأن الإسلامي الذي يتخلل حماية النظام العام والآداب والمصالح العليا للدولة، وتكون سلطة تقدير هذا الشأن من ولايات الأزهر».

لا تكمن أهمية تلك الفتوى في قيمتها القانونية فقط، وإنما في كيفية ملاحظة تنظيم القانون لإنتاج الهوية الوطنية من خلال إزالة الغموض عن مصطلح «النظام العام»؛ بإقراره إن الإسلام أحد مكوناته، وأن للأزهر دورًا قانونيًا في حمايته، كونه تاريخيًا الحارس القانوني للإسلام وشئونه. يمكننا إذن كشف النقاب عن غموض سمات العلمانية، حيث نرى مبدأ نشاط العلمانية في تعريف الدولة لماهية الدين (الإسلام) عبر اتخاذها رواية الأزهر (الوسطية) باعتبارها التصور الذي ينبغي أن يكون عليه (الإسلام)، ما يلزم تجريم ما دونه من التصورات عن الدين. أما السمة الأخرى المتعلقة بالتمييز بين الخاص والعام، وبسبب كون الإسلام مكون من مكونات النظام العام، تتحرك الدولة لتقييد أو تجريم ممارسات دينية في المجال العام تراها مخالفة للإسلام وبالتالي مخالفة لضابط النظام العام. بينما تعد السمة الثالثة للتناقض الذي ينتاب القانون الليبرالي؛ فهو يدعي مخاطبة المواطنين جميعًا على قدم المساواة ولكنه وبوضوح يتبنى رواية الأغلبية عن الدين (تصور الأزهر) عبر اعتبارها أحد مكونات النظام العام.

الضبط القمعي: ازدراء الأديان كأداة لتعزيز الهيمنة على التراث

تناول المقال تفصيليًا علاقة الإسلام بالدولة الحديثة في مصر، وكيف أصبحت رواية الأزهر عن الإسلام (الوسطية) مكونًا رئيسيًا داخل الوطنية المصرية، وكيف عزز القضاء من ذلك من خلال اعتباره تلك الرواية عن الإسلام من مكونات النظام العام والأزهر حاميًا لها، بينما بالقطع ليست تلك الرواية الوحيدة داخل تراث الإسلام السني، تاريخيًا وحتى وقتنا.

خلق ذلك أقلية دينية من داخل التراث الإسلامي نفسه، أصوات متعددة لديها تصورات مغايرة عن إسلام الأزهر، ليست بالضرورة متجانسة أو متكاملة أو حتى قادرة على تقديم نقد منهجي لرواية الأزهر، إلا أنها موجودة. يعزز من تمتعها بحرية التعبير وحرية المعتقد، تبني ما ترى من تصورات ورؤى مختلفة تجاه الدين، والرد عليها فكريًا وأكاديميًا وليس عبر ساحات المحاكم.

تاريخيًا وظف الأزهر والإسلاميون القانون للنيل من تلك الأصوات، فأيدت محكمة النقض حكم تطليق المفكر نصر حامد أبو زيد عن زوجته، بسبب كتاباته التي رأتها المحكمة –كذلك الأزهر– دليل على خروجه من الإسلام. كما مثَّل الأزهر أيضا سببًا مباشرًا في مصادرة العديد من الكتب، لباحثين وكتاب أمثال، محمد سعيد العشماوي، عادل حمودة، علاء حامد.[27] واعتمد بعض المحامين على تقارير أعدها الأزهر عن كتابات المفكرين حسن حنفي وسيد القمني، في القضية التي رُفعت لحجب جائزة الدولة التقديرية عن حنفي والقمني، كما شكلت مواد ازدراء الأديان إحدى الأدوات المستخدمة لقمع الأصوات المغايرة لرواية الأزهر.[28]

منذ اعتلائه السلطة، دعي الرئيس عبد الفتاح السيسي لما أسماه «تجديد الخطاب الديني»؛ لمواجهة التطرف والإرهاب. وظهر الرئيس غير راض عن أداء المؤسسات الدينية تجاه ذلك الملف، زاعمًا تقصير الأزهر في مواجهته.[29] في الوقت نفسه ظهر مقدم البرامج الباحث إسلام البحيري وقد زادت شهرته وأصبح له جمهور واسع بين مؤيدين لأفكاره، وناقمين عليها. وانصب نقد البحيري علي التراث ومناهج الأزهر، معتبرًا أنها أحد أسباب انتشار التطرف والإرهاب. وعبّر العديد من المحسوبين علي الأزهر كمؤسسة أو كخيار فكري عن استيائهم مما يقدمه البحيري، ومن بينهم الرئيس نفسه صاحب دعوى التجديد، الذي ندد بالطريقة التي يتعامل بها البعض مع دعوته للتجديد، والتي أزعجت المؤسسات الدينية، فيما فهم باعتباره رسالة من السلطة، وتعليقًا على المناظرة الشهيرة التي جمعت إسلام البحيري مع الدكتور أسامة الأزهري مستشار السيسي للشئون الدينية والعضو المعين في برلمان 2015، والشيخ الحبيب على الجفري المعروف بقربه من السلطة. لقد بدت السلطة ورموزها الدينية ومؤسساتها غير راضية عما يقدمه البحيري.

بطريق الادعاء المباشر، تقدم مجموعة من المحامين بدعوى إلى محكمة جنح مصر القديمة، اتهموا فيها البحيري، بتعديه على الإسلام والمسلمين بترويجه لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير العلماء والفقهاء والأئمة، وطالبوا بتطبيق المواد 98 (و) و160 و161 من قانون العقوبات عليه. وفي مايو 2015، أصدرت محكمة جنح مصر القديمة حكمها في الدعوى ضد البحيري بالسجن خمس سنوات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، وفي ديسمبر 2015 أصدرت مستأنف مصر القديمة حكمها بتخفيف الحكم لسنة واحدة، وفي يوليو 2016 رفضت محكمة النقض الطعن وأيدت الحكم.[30]

مثّلت قضية البحيري تعبيرًا شديد الوضوح عن كيفية عمل الفاعلون الثلاثة القانون والقضاء والمؤسسات الدينية، جنبًا إلى جنب مع الذوات الوطنية، لقمع تلك الأصوات المغايرة. كما مثّلت القضية تجسيدًا لكافة الأزمات التي تمر بها قضايا ازدراء الأديان في مصر. بدايةً من قيام محامين برفع دعوي عن طريق «الحسبة»، مرورًا بالتناقض بين أحكام المحاكم، فرغم تأييد محكمة النقض حبس البحيري، إلا أن محكمة جنح 6 أكتوبر حكمت ببراءته سابقًا من الاتهامات نفسها والمتعلقة بازدراء الإسلام، وذكرت في حكمها أن «الاتهام تحيط به من جوانبه جميعًا ظلال كثيفة من الشكوك والريبة»، مضيفةً أن «ما يعرضه شكلًا من أشكال النقد لطريقة فهم أو تفسير أحد شيوخ الإسلام دون خوض في عزة الإسلام»، وهو ما أكدته محكمة جنح مستأنف 6 أكتوبر عبر رفضها الاستئناف المقدم من النيابة.[31]

وعلى النقيض، ارتأت محكمة استئناف مصر القديمة، أن البحيري تعمد استغلال الدين للترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة، وعلى غرار كثير من الأحكام السابقة، جسد حكم الاستئناف كافة الأزمات السابق ذكرها، من الانتصار لرواية واحدة حول الإسلام (رواية الأزهر)، حيث فسرت المحكمة الأفكار المتطرفة باعتبارها «إنكار المعلوم من الدين بالضرورة وما أجمع عليه العلماء»، واعتبرت المحكمة أن البحيري أزدرى الإسلام والفقهاء والأئمة الذين أخذوا على عاتقهم نشر السنة النبوية، في إشارة واضحة إلى نقد البحيري للبخاري. كما أشادت المحكمة بمنهجية البخاري كونها «أفضل المناهج التي وجدت في التاريخ» بحسب وصفها، ورأت أن ما قام به البحيري يعد تجرؤ على البخاري. وأكد الحكم أيضًا على مركزية الإسلام للدولة المصرية؛ حيث اعتبر أن حديث البحيري في حلقاته «هدفه تمزيق المجتمعات وتفجيرها من الداخل، إذ الدين ركنًا في الدولة». مؤكدًا على رؤية القضاء للتراث والإسلام الواحد المتخيل، والذي يعتبر النيل منه تهديدًا للهوية الوطنية وللدولة الوطنية التي أنتجته. وكذلك تهديدًا لدور المؤسسة الدينية المعهود إليها حمايته، فالمحكمة اعتبرت أن البحيري «أثار غضب المسلمين وأدى لتحرك الأزهر؛ لنفي تلك الإساءات ودحضها»، مضيفة أنه استهدف «تشكيك الناس في ثوابت الدين وإثارة الفتنة». وتنتصر المحكمة مرة أخرى لمشاعر الأغلبية المسلمة في تفسيرها لمصطلح «الفتنة»، والتي هي في الحقيقة أغلبية متخيلة، تتصور المحكمة أنها تدافع عنها. فغضب مجموعة من المحامين، بالإضافة للأزهر، أصبح يمثل الأغلبية، وتلك الأغلبية أصبح غضبها قيدًا علي حرية التعبير، وسببًا لسجن المواطنين.

تكرر الأمر مع الصحفية فاطمة ناعوت، والتي أصدرت محكمة مستأنف مصر القديمة حكمًا بمعاقبتها بالحبس ٦ أشهر مع إيقاف التنفيذ بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، بسبب كتابة منشور على فيسبوك يتعرض ينتقد الشعيرة الإسلامية الخاصة بـ«الأضحية»،[32] كما أيدت محكمة النقض على محمد عبد الله نصر، والحاصل على شهادة الليسانس في أصول الدين، حكمًا بالحبس سنتين وغرامة 1000 جنية، بعد أن وجهت له اتهامات بالتعدي على حرمة الدين الإسلامي.[33]

بالتوازي مع دعوى ازدراء الأديان ضد البحيري، طالب الأزهر أمام القضاء الإداري بوقف بث برنامجه، مستندًا للمادة الثانية من الدستور المصري، وعلى قانون الأزهر الحالي، والذي ينص في مادته الثانية على أن يقوم الأزهر بــ «حفظ التراث الإسلامي». استفاضت الدعوي في وصف ما فعله البحيري باعتباره هدم لتراث الأمة، عبر وصفه لصحيح البخاري بأنه كتاب به غش وتدليس، ووصفه للأزهر بأنه يدرس المناهج الإرهابية ويخرج الإرهابيين. رأت الدعوي أن البحيري وأمثاله هم المتطرفون، وهم الذين يعطون الفرصة للتطرف الإسلامي من الناحية الأخرى، أما الأزهر فهو للتطرف بالمرصاد وهو الأمين على الإسلام ووسطيته. يبرز هنا مفهوم الوسطية بمعناها الأداتي التمييزي كمساحة في المنتصف بين تطرفين الإسلامي والعلماني، ويقف الأزهر كحارس أمين على هذه المساحة المتخيلة. أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها بقبول الدعوى ومنع البحيري من الظهور الإعلامي،[34] واستند الحكم إلى حكم محكمة جنح مصر القديمة الخاص بازدراء البحيري للإسلام، كذلك تقرير مجمع البحوث الإسلامية –إحدى هيئات الأزهر– بخصوص البحيري،[35] والذي هو خصم في الدعوى، والذي رأى أن البحيري قد «تحامل على علم الحديث وعلمائه مما يعد تكديرًا للسلم العام»، ليعود الحكم ويؤكد أن التراث الديني كما يفهمه الأزهر، هو قيد علي حرية الرأي والتعبير، وهو أحد مكونات النظام العام، ومخالفته تشكل تهديدًا للسلم العام.

ازدراء الأديان كأداة لتجريم الإلحاد

تاريخ طويل من الاضطهاد تعرض له الملحدون في مصر، ورغم تأكيد الدستور على حرية المعتقد، وغياب أي نص تشريعي يعاقب على الإلحاد، إلا أن الدولة المصرية وجدت ضالتها في مادة ازدراء الأديان لمعاقبة «الملحدين»، حيث تنظر مؤسسات الدولة الدينية، والقضاء إلى الإلحاد ليس باعتباره أحد أشكال التعبير عن حرية الدين، وإنما تهديد للإسلام، ومن ثم للهوية الوطنية وسيادة الدولة على المجال العام، وأحد أسباب استثارة مشاعر الأغلبية وغضبها؛ لذلك تعاقب الدولة الملحدين على اتخاذ موقف مغاير لدين الأغلبية، معتمدةً على وصف الإلحاد باعتباره أحد الأفكار المتطرفة.

تاريخيًا تسببت مادة ازدراء الأديان في دخول بعض المفكرين الملحدين إلى السجن بسبب كتاباتهم، كما حدث مع الكاتب صلاح محسن، بسبب كتابه «ارتعاشات تنويرية»، والذي حكمت محكمة أمن الدولة في 2001 عليه بالسجن ثلاث سنوات، متهمة إياه «بنشر أفكار متطرفة» والترويج لأفكار منحرفة بهدف تشويه الإسلام، برغم ذكر محسن في تحقيقات النيابة أنه ملحد وغير مؤمن بأي دين، وأنه يحاول نشر رؤيته وأفكاره عن طريق الكتابة، والتي هي بالقطع مختلفة مع الإسلام كونه ملحدًا.[36]

استفاد الملحدون من الانفتاح الذي تلى ثورة يناير واستمر لما يزيد عن العامين، والذي صاحبه توسعًا ملموسًا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فتأسست على موقع «فيسبوك» العديد من الصفحات تعبر عن الملحدين أشهرها «الإلحاد هو الحل»، و«ملحدون راديكاليون بلا حدود»، و«ملحد منطقي»، واختار البعض موقع «يوتيوب» عبر برنامج «البط الأسود». لم تدم فترة انفتاح المجال السياسي طويلًا، كما لم تدم أيضا تلك المساحة للملحدين. فعقب الثلاثين من يونيو، وفي إطار استعادة الدولة للهيمنة على الفضاء العام، وتحت شعار مواجهة الإرهاب، كانت وزارة الأوقاف تخوض معركتها مع الحركة الإسلامية للسيطرة على مساجد الجمهورية. وفي الوقت نفسه أطلقت الأوقاف بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة حملة قومية لمكافحة ظاهرة انتشار الإلحاد بين الشباب.[37] واستمرارًا لرؤية المؤسسات الدينية في مصر، بتفسير صعود الإرهاب وربطه بالإلحاد، أوصى أحد مؤتمرات وزارة الأوقاف بضرورة تأكيد الوسطية في مواجهة الإرهاب، وعدم الذهاب للإلحاد والانحلال الأخلاقي، حيث إن هذه الانحرافات تمهد الطريق أمام الإرهاب.

الأمر نفسه عبر عنه وزير الأوقاف محمد مختار جمعة في مقاله «صناعة الإلحاد والإرهاب»، إذ ساوى جمعة بين الإرهاب والإلحاد في خطرهم على الأمة واستقرارها، قائلًا «الإرهاب والإلحاد كلاهما صناعة استعمارية تهدد أمننا القومي، وتعمل على زعزعة استقرارنا وأنه لا بد من تضافر جهود المؤسسات الدينية والثقافية لمواجهة هذه الظاهرة»،[38] ليؤكد مرة أخرى أن الذوات التي ترغب المؤسسات الدينية في ضبطها، هي امتداد للاستعمار الذي نشأت الهوية الوطنية لمواجهته. وأن هذ المؤسسات تواجه حاليًا أتباعه من الملحدين أو الإرهابين، فكلاهما من نفس المصدر. ورغم الفارق الكبير بين الإرهاب الذي يستهدف إيذاء البشر، وبين التعبير عن حرية المعتقد في حالة الملحدين؛ تعتبر المؤسسات الدينية كليهما غير منضبط لمخالفتهم تصورها عن الوسطية التي تحميها.

كما ذكرنا فإن الذوات الوطنية التي تقوم على إنتاجها المؤسسات الدينية، هي أيضا فاعلة في عملية إنتاج الوطنية وبالتالي إعادة إنتاج خطاب تلك المؤسسات أيضًا. فإذا كان خطاب المؤسسات على هذا القدر من التحريض ضد الملحدين، فمن الطبيعي أن يتعرض الملحدون لقمع شعبي على يد «الوطنيين»، والذي يتجلى غالبًا في صورتين، تتمثل الأولى في التعدي الجسدي على الملحدين، مثلما اعتدى بعض المواطنين بالإسكندرية على الشاب أحمد حرقان، بعد إعلانه إلحاده في عدة برامج تليفزيونية، وسلموه للشرطة، وهو الأمر الذي تكرر مع آخرين.[39] الصورة الثانية تتم عبر تقديم بعض المواطنين بلاغات أو رفع الدعاوي بحق الملحدين، كما حدث مع المدون ألبير صابر الذي تقدم أحد المواطنين ببلاغ ضده في قسم الشرطة، بدعوى نشره محتوى مسيء للأديان على الإنترنت، وذلك عقب محاولة بعض المتشددين اقتحام شقته، وحينما استعان بالشرطة، اصطحبته للقسم، حيث فوجئ بالبلاغ المقدم ضده. ويلاحظ تعرض ألبير داخل القسم للاعتداء الجسدي من قبل المسجونين بتحريض مباشر من أحد رجال الشرطة.[40]

تتغاضى الأجهزة الأمنية وجهات القضاء عن الخطاب التحريضي الصادر عن المؤسسات الدينية، وكذلك عن اعتداءات المتشددين ضد الملحدين، وفي المقابل تعاقب الأقلية. وجهت النيابة للمدون ألبير صابر تهمة ازدراء الأديان، ووجهت له أسئلة عن موقفه من الدين، وأسباب إلحاده. وكشف محضر التحريات امتلاك صابر لحساب علي «فيسبوك» بعنوان «ناكح الآلهة»، وهو كذلك أحد القائمين على إدارة صفحة «الملحدين المصريين». عاقبته المحكمة بالسجن ثلاث سنوات، معللة بكونه روج أفكارًا متطرفة، وأنشأ صفحات إلكترونية تدعو إلى الإلحاد. لتؤيد المحكمة رؤية المؤسسات الدينية باعتبار الإلحاد من الأفكار المتطرفة، وتؤكد على دور القانون في الضبط العقابي، وحماية دين الأغلبية عبر قمع التصورات المغايرة له. الأمر نفسه تكرر مع الطالبين شريف جابر وكريم البنا، حيث حكم على كل منهم بالحبس بسبب دعوتهم للإلحاد على الإنترنت.[41] كما أيدت محكمة جنح مستأنف اقتصادية الإسكندرية في يونيو 2020 الحكم الصادر على المدون أنس حسن بالحبس لثلاث سنوات على خلفية تهتمي «الإساءة للأديان» و«إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي»، بسبب إدارة صفحة «الملحدين المصريين» على «فيسبوك».[42]

معاقبة الأقليات المذهبية داخل الإسلام

تاريخيًا لم يكن الإسلام السني هو الرواية الوحيدة عن الإسلام، بل حمل تاريخ الإسلام العديد من الروايات، والتي انعكست وخلقت بدورها طوائف دينية، على رأسها الطائفة الشيعية. في المقابل كان مزج الدولة المصرية بين دور الإمام الديني والقيادة السياسية، أزمة جعلتها ترى أن التنوع داخل الإسلام أحد أشكال التهديد لسيادتها على الدين، ومن هنا تنظر الدولة إلى الولاء الديني للمذهب السني باعتباره شرطًا من شروط الولاء السياسي، وترى الاعتقاد في المذهب الشيعي خروجًا علي سيادة الدولة السياسية والدينية. عمّق من تلك الأزمة بالنسبة للشيعة، الميراث التاريخي الخاص بتطور الانقسام السني/الشيعي داخل الإسلام، والذي ارتبط بحق الولاية السياسية. كما ساهم تصاعد الصراع الخليجي/الإيراني في تفاقم الصراع السني/الشيعي في الشرق الأوسط، مما كان له أثر بالغ على وضع الشيعة في بلدان الأغلبية السنية، ومن بينها مصر.

في 2004 نشرت المبادرة المصرية تقريرًا عن الانتهاكات التي يتعرض لها الشيعة في مصر.[43] تمحورت معظم الانتهاكات حول تعرض بعضهم للاستجواب أو للتعذيب، ولكن لم يصدر ضد أحدهم حكمًا قضائيًا، وهو ما تغير بعد الثورة. والتي أتاحت للشيعة المصريين، بعد تراجع الرقابة الأمنية علي النشاط الشيعي، الخروج للمجال العام بشكل منظم، وممارسة بعض الشعائر الدينية بشكل علني، والمطالبة بحقوقهم في المواطنة. تجلى ذلك في سعيهم لإنشاء حزب سياسي، وجمعيات أهلية، كما نظموا العديد من التجمعات الشيعية كان بعضها بحضور أحد العلماء «علي الكوراني». ولكن تراجع الرقابة الأمنية للنشاط الشيعي وخروجهم بشكل علني، لم يعن بالتبعية بداية تمتعهم بحقهم في حرية المعتقد.

عوّض الفاعلون الثلاثة القضاء، والمؤسسات الدينية الرسمية، والمتشددين خصوصًا المنتمين منهم لتيارات سلفية، والمعروفة بعدائها للشيعة، الغياب الأمني؛ فعقب زيارة الكوراني لمصر أصدر الأزهر بيانًا شدد فيه على تمسكه بمذهب أهل السنة والجماعة، وأعلن لأول مرة تشكيل لجنة لمواجهة «التشيّع» في مصر. فيما قامت مجموعات سلفية بالتحرش بالشيعة أثناء إحيائهم لذكرى عاشوراء بالحسين عام 2011. في يونيو من العام نفسه، تجمع مواطنون من كفر الزيات حول مسجد يتواجد بداخله أحد المصلين الذين قالوا أنه ينتمي للمذهب الشيعي. فرقت الشرطة التجمهر، وبدلًا من تمكينه من ممارسة حقه في العبادة، ومحاسبة من حاولوا الاعتداء عليه؛ قبضت عليه الشرطة، ووجهت له النيابة اتهامًا بتدنيس مبنىً معد لشعائر دينية وفقا للمادة 160. حكمت عليه المحكمة بالسجن ثلاث سنوات، وخفف بعد ذلك لسنة واحدة. كان ذلك أول حكم صادر ضد مواطن شيعي عقب الثورة.[44]

شهد حكم الرئيس محمد مرسي تصاعدًا لتحريض المؤسسات الدينية الرسمية، والمتشددين من تيارات الإسلام السياسي، ضد الشيعة. وفي مؤتمر «نصرة سوريا» الذي حضره الرئيس، حرض أحد الدعاة السلفيين على الشيعة في حضرة الرئيس. بعدها بأيام قليلة حاصر مجموعة من المتطرفين الداعية الشيعي حسن شحاتة مع مجموعة من تلاميذه في منطقة زاوية ابو مسلم بالجيزة، حيث قاموا بسحل الداعية وتلاميذه حتى الموت، تحت مرأي ومسمع من أجهزة الأمن. كانت القرية قد شهدت تحريضًا ضد الشيعة من إمام المسجد التابع للأوقاف، وكذلك من مجموعات سلفية.

بعزل مرسي، ووصول السيسي إلى السلطة، عادت الأجهزة الأمنية لدورها المعهود في مراقبة النشاط الشيعي. ورغم تراجع التحريض القادم من حركات الإسلام السياسي بسبب التقييد المفروض عليهم، إلا أن التنسيق بين مجموعات سلفية والأجهزة الأمنية ظل مستمرًا في تتبع الشيعة. كما تزايد التحريض القادم من المؤسسات الرسمية، واضطلعت به أكثر وزارة الأوقاف، إذ ذكر وكيلها في لقاء إعلامي: «أنا كسُني لن أرضى بانتشار المذهب الشيعي في مصر ولو على دمي».[45]

وظفت الأجهزة الأمنية مواد ازدراء الأديان كمظلة قانونية لمعاقبة الشيعة وإعادة ضبط المجال الديني، ففي ذكرى عاشوراء 2013 كانت وزارة الأوقاف قد أعلنت مسبقًا رفضها إقامة الشيعة أي ممارسة دينية في المساجد، وأنها ستغلق ضريح الحسين في ذكرى عاشوراء تجنبًا لتواجد الشيعة، كما طالبت الأوقاف وزارة الداخلية بمواجهة المخالفين. بالتوازي مع ذلك، قامت مجموعات شيعية بزيارة للحسين، وتواجدت مجموعات سلفية حول المسجد، وتعدت على مواطنين شيعة. وقاموا بتسليم بعضهم للشرطة، على رأسهم الناشط الشيعي عمرو عبدالله، والذي وجهت له النيابة العامة تهمة ازدراء الدين الإسلامي، ولاحقًا صدر ضده حكم نهائي بالحبس خمس سنوات، وهي العقوبة القصوى وفقًا للمادة (98و)،[46] وفي يونيو 2020 صدر حكم محكمة أمن الدولة بحبس كل من مصطفى الرملي ومحمود يوسف سنة واحدة، بتهمة ترويج أفكار تنتمي للمذهب الشيعي.[47]

انطوي توظيف قضايا ازدراء الأديان ضد الشيعة على كافة التناقضات التي ذكرناها سابقًا، تتسامح الدولة مع الخطاب التحريضي والعنف ضد الشيعة، وتعاقبهم بسبب تحريض الأغلبية ضدهم. كما رأت المحكمة في حكمها علي الناشط عمرو عبد الله، أن في تعبيره عن معتقده الشيعي إنكارًا لمعلوم من الدين بالضرورة، وبالتالي نشر أفكار متطرفة غرضها إثارة الفتنة داخل المجتمع، لتؤكد مرة أخرى على تعريفها لماهية الأفكار المتطرفة، ذلك التعريف المناقض لحرية المعتقد. فالتعبير عن معتقد مختلف كما في حالة الشيعة لابد أن ينكر حقائق المذهب السني، كما أن الإحالة بتسبب ذلك التعبير في إثارة الفتنة، يؤكد هو الآخر على تمييز المحكمة لفئة دينية، وهي الأغلبية السنية في مصر على الأقلية الشيعية، الأمر الذي يبرهن كيفية استغلال المحكمة غموض النصوص لصالح تقنين بطش السلطة بالأقليات الدينية في مصر.

خاتمة

شكل التحالف بين الفاعلين الثلاث القانون والقضاء من جانب والمؤسسات الدينية والمتشددين، أداةً لمعاقبة الأقليات على نشاطهم من أجل المواطنة، كما عمل على تعويض غياب الدور الأمني الذي لا طالما عهدت إليه الدولة بالتعاطي مع ذلك الملف، وهو ما يفسر الزيادة الملحوظة في أعداد قضايا ازدراء الأديان عقب الثورة. حيث مثل هذا التحالف أداة لاستعادة الضبط الاجتماعي وهيمنة الدولة وسياساتها ومؤسساتها الدينية على المجال الديني، بيد أن تلك الفترة لم تدم طويلا، حيث شكل الثلاثين من يونيه والمسار السياسي الذي تبعها تعثرًا لمشروع التحول الديمقراطي، وتراجعًا لهامش الحريات، وصعودًا للنظام بقيادة الرئيس السيسي؛ والذي سعي لتأسيس سلطوية جديدة وترسيخ قواعد هيمنته، واستعادة السيطرة على المجال العام. وفي مسعاه نحو ذلك؛ شنّ حملات أمنية استهدفت كافة المخالفين لتصوره عما ينبغي أن يكون عليه المواطن المناسب للسلطوية الجديدة، من معارضة سياسية، وأقليات دينية، ومثليين، وراقصات، وأشخاص مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.[48] وأظهر النظام مدى جديته في مأسسة نمط من المحافظة الدينية والأخلاقية، على الجميع الانصياع لها، ولا يبدو أمام الأقليات سوي التسليم بما يمنحه النظام لهم، والتوقف عن سعيهم نحو المواطنة. استفاد النظام أيضًا من «الحرب على الإرهاب» الأمر الذي وسع من صلاحيات المؤسسات الدينية في المجال العام، حيث أصبحنا أمام حربين بالتوازي أحدهم في مواجهة الإسلاميين، في إطار الصراع حول السلطة السياسية والدينية؛ والأخرى ضد الأقليات الدينية باعتبارهم الوجه الآخر للإرهاب الديني، كونهم يهددون نمط المحافظة الدينية المطلوب. فصدرت أحكامًا بالسجن على أقليات دينية على خلفية تهم ازدراء الأديان، كانت المؤسسات الدينية والمواطنين المحافظين فاعلين في إصدار تلك الأحكام.

أظهرت تلك الأحكام حجم التناقض الذي يتمتع به نظام السيسي. من جهة خطاب الرئيس حول تجديد الخطاب الديني، وحمايته لحرية العقيدة في مصر، ومن الجهة الأخرى ممارسات النظام تجاه الأقليات الدينية في مصر. تبدو تلك الخطابات للاستعمال الخارجي أمام المجتمع الدولي، والذي حاز السيسي على جانب كبير من شرعيته الدولية باعتباره مخلص الأقليات الدينية من اضطهاد حكم الإخوان. بيد أن هذا الاضطهاد عبّر عن نفسه في صيغة أخرى في عهد السيسي؛ بينما كان العنف الشعبي تجاه الأقليات عنوانًا المرحلة في عهد الإخوان وقبلها تحت حكم المجلس العسكري، كان عنف الأجهزة الأمنية تجاه الأقليات، وتحت مظلة مواد ازدراء الأديان والتي رفض النظام الحاكم دعوات برلمانية لتعديلها،[49] والمدعوم أيضًا بتحريض من المؤسسات الدينية الرسمية والمواطنين هو التعبير عن واقع الأقليات تحت حكم السيسي.

[1] هيبارد، سكوت (2010). السياسة الدينية والدولة العلمانية (Religious Politics and Secular state Egypt, India and the United State). بالتيمور: مطبوعات جامعة جونز هوبكنز.
[2] إبراهيم، سعد الدين (1996). أقباط مصر (The Copts of Egypt). لندن: مطبوعات مينوريتي رايتس جروب. تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://minorityrights.org/wp-content/uploads/old-site-downloads/download-111-The-Copts-of-Egypt.pdf
[3] رمضان، عادل (2016). أسباب عدم دستورية مادة ازدراء الأديان. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/article98blasphemy_0.pdf
[4] القرنشاوي، شيماء (2012). تأييد حبس عادل إمام ثلاثة أشهر بتهمة ازدراء الأديان وتغريمه مئة جنيه. المصري اليوم، 24 أبريل. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://www.almasryalyoum.com/news/details/174297
[5] رمضان، عادل (2016). أسباب عدم دستورية مادة ازدراء الأديان. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/article98blasphemy_0.pdf
[6] المرجع السابق
[7] عزت، أحمد (2012). محاكمات الإيمان (دراسة في قضايا ازدراء الأديان). القاهرة: مؤسسة حرية الفكر والتعبير، تاريخ الاطلاع 25 مايو 2021، https://afteegypt.org/freedom_creativity/2014/04/07/7297-afteegypt.html
[8] عادلي، عمرو (2020). المخبر العضوي وتراث الوطنية المصرية. جدلية، 20 أكتوبر، تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/wADI9
[9] مسعد، جوزيف (2001). أثار استعمارية تشكل الهوية الوطنية في الأردن (Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan). نيويورك: مطبوعات جامعة كولومبيا.
[10] ميتشل، تيموثي (2002). حكم الخبراء مصر، التكنو-سیاسة، الحداثة (Rule of Experts Egypt, Techno-Politics, Modernity). كاليفورنيا: مطبوعات جامعة كاليفورنيا.
[11] يونس، شريف (2014). البحث عن خلاص أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[12] عزت، عمرو (2014). لمن المنابر اليوم؟ تحليل سياسة الدولة في إدارة المساجد. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/to_whom_do_minbars_belong_today.pdf
[13] أبو زيد، نصر حامد (1996). الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوطنية. القاهرة: مكتبة مدبولي.
[14] عبد الظاهر، مصطفى (2014). الوسطية كأيديولوجيا: دور الأزهر في نشأة القومية المصرية. منتدى العلاقات العربية والدولية. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://fairforum.org/wp-content/uploads/2014/11/wasatya-Ideology21.pdf
[15] ميتشل، تيموثي (2002). حكم الخبراء مصر، التكنو-سیاسة، الحداثة (Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity). كاليفورنيا: مطبوعات جامعة كاليفورنيا.
[16] ألتوسير، لويس (2001). لينين والفلسفة ومقالات أخرى (Althusser, Louis, et al. Lenin and Philosophy and Other Essays). نيويورك: مطبوعات جامعة نيويورك.
[17] مسعد، جوزيف (2001). أثار استعمارية تشكل الهوية الوطنية في الأردن (Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan). نيويورك: مطبوعات جامعة كولومبيا.
[18] المرجع السابق.
[19] عجرمة، حسين علي(2012). مساءلة العلمانية: الإسلام والسيادة وحكم القانون في مصر الحديثة (Questioning Secularism Islam, Sovereignty, and the Rule of Law). شيكاغو: مطبوعات جامعة شيكاغو.
[20] المرجع السابق.
[21] المرجع السابق.
[22] المرجع السابق.
[23] كازانوفا، جوزيه (2009). العلماني والعلمانويات (The Secular and Secularisms). بالتيمور: مطبوعات جامعة جونز هوبكنز.
[24] هيبارد، سكوت (2010). السياسة الدينية والدولة العلمانية (Religious Politics & Secular state Egypt, India and United States). بالتيمور: مطبوعات جامعة جونز هوبكنز.
[25] مصطفي، تامر (2000). الصراع والتعاون بين الدولة والمؤسسات الدينية في مصر المعاصرة (Conflict and Cooperation between the State and Relegious Institutions in Contemporary Egypt). كامبريدج: مطبوعات جامعة كامبريدج.
[26] هيبارد، سكوت (2010). السياسة الدينية والدولة العلمانية (Religious Politics & Secular state Egypt ,India and United state). بالتيمور: مطبوعات جامعة جونز هوبكنز.
[27] المرجع السابق.
[28] إبراهيم، إسحق (2012)، حصار التفكير.. قضايا ازدراء الأديان خلال عامين من الثورة. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/defamation_0.pdf
[29] براون، ناثان (2018). سياسة قوة أم مسألة مبدأ؟. مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 13 ديسمبر. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://carnegie-mec.org/diwan/77956
[30] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (2015). المبادرة المصرية تعرب عن قلقها من الحكم الصادر ضد إسلام البحيري وتطالب بوقف تنفيذ العقوبة وتحذر من أن القضية تظهر مقدار التربص بالحريات من مؤسسات تريد فرض وصايتها على المجتمع، 29 ديسمبر. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، g2g.to/GdAZ
[31] المصدر السابق.
[32] إسماعيل، أحمد (2016). حيثيات حكم حبس فاطمة ناعوت بتهمة ازدراء الأديان.. المحكمة: عبارات المتهمة احتوت ازدراءً لشعائر الدين الإسلامي. اليوم السابع، 26 نوفمبر. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/kSX25
[33] سعيد، أحمد (2021). النقض تؤيد سجن «الشيخ ميزو» سنتين في قضية ازدراء الأديان. البوابة نيوز، 12 مارس. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://albawabhnews.com/4291639
[34] القرنشاوي، شيماء (2017)، ​​تأييد منع إسلام بحيري من الظهور الإعلامي. المصري اليوم، 29 أكتوبر. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://www.almasryalyoum.com/news/details/1211428
[35] الشروق (2016). مجمع البحوث الإسلامية في تقرير علمي: إسلام بحيرى لعن أئمة الإسلام وتطاول على القرآن، 13 يونيه. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/rNST7
[36] أوسوليفان، ديكلان (2003). حالات مصرية من الازدراء والكفر ضد الإسلام: تكفير المسلم (Egyptian Cases of Blasphemy and Apostasy against Islam: Takfir al-Muslim). الجورنال الدولي لحقوق الإنسان، تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13642980308629709
[37] عنتر، محمد (2014). الحكومة تعلن الحرب على الإلحاد، الشروق، 11 يوليو. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=11072014&id=36dda517-a293-4505-8e3c-25baf7570607
[38] بركات، إسلام (2018). تحريض على الكراهية والتمييز: خطاب وزارة الأوقاف ضد الملحدين. مدى مصر، 12 مايو. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/lJN79
[39] غنيم، رضا (2015). ملحدون خلف القضبان.. محاكم تفتيش غير دستورية. المصري اليوم، 16 مارس. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://www.almasryalyoum.com/news/details/681043
[40] عزت، أحمد (2012). محاكمات الإيمان (دراسة في قضايا ازدراء الأديان). القاهرة: مؤسسة حرية الفكر والتعبير. تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، shorturl.at/denM2
[41] حمدي، أحمد (2015). الإلحاد في مصر.. منبوذ اجتماعيًا وطريق إلى غياهب السجون. دويتش فيله، 27 مارس. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://p.dw.com/p/1ExRE
[42] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (2020). تأييد الحكم على مدوّن بالحبس 3 سنوات وغرامة 300 ألف جنيه بتهمة إدارة صفحة «الملحدين المصريين» على فيسبوك. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/gFPQU
[43] عزت، عمرو (2016). التنوع الممنوع في دين الدولة: الحرية الدينية للمصريين الشيعة نموذجًا. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/forbidden_islam-shia_model.pdf
[44] المرجع السابق.
[45] بركات، إسلام (2016). بذور الكراهية: خطاب التحريض ضد المصريين الشيعة. المنصة، 27 يونيه. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://almanassa.com/ar/story/2553
[46] عزت، عمرو (2016). التنوع الممنوع في دين الدولة: الحرية الدينية للمصريين الشيعة نموذجًا. القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تاريخ الاطلاع 20 مايو 2021، https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/forbidden_islam-shia_model.pdf
[47] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (2020). الحكم على شابين في الشرقية بالحبس سنة بتهمة ترويج أفكار تنتمي إلى المذهب الشيعي، 28 يونيه. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، g2g.to/yiTK
[48] الضبع، باسل (2020). »قمع التيك توك في مصر، وقيم الأسرة» (Egypt’s TikTok Crackdown and Family Values). معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، 13 أغسطس. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، https://timep.org/commentary/analysis/egypts-tiktok-crackdown-and-family-values /
[49] علي، نور (2016). بالصور الحكومة ترفض إلغاء عقوبة ازدراء الأديان. اليوم السابع، 12 يونيه. تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، shorturl.at/ghvP5

Read this post in: English

اظهر المزيد

محمد مندور

باحث بدراسات حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى