رؤى

رؤى: هل فشلت الثورة المصرية؟

حمل هذا المقال كبي دي إف

تعد انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011 أولى الحلقات الهامة على طريق التمرد على هياكل النظام المستحدث في مصر عقب الانقلاب العسكري الذي جري في الثالث والعشرين من يوليو 1952، وإعادة بناء نظام حكم جديد مدني عصري وديمقراطي. لا يستطيع أحد التنبؤ بمدى الوقت والحلقات المطلوبة لنجاح الثورة في مصر. في النهاية يتوقف الأمر على عوامل متعددة ذاتية وخارجية. أفضل ما يمكن أن يفعله المصريون بعد فشلهم في تحقيق الانتصار من الجولة الأولي، هو دراسة هذه العوامل، ليدركوا لماذا فشلوا بينما نجح آخرون –كتونس والسودان– في جولتهم الأولى ولو إلى حين؟ ما الواجب تغييره في طرق تفكير المصريين وطريقة عملهم لتقصير طريق الانتصار وتقليل الخسائر وعدد الضحايا؟

خلال الأعوام التالية لانتفاضة يناير جرت عمليات إعادة تقييم لها من أطراف وشخصيات، أغلبيتها بشكل فردي، بسبب تعذر تأمين اجتماعات موسعة في مصر للتداول الفكري الحر حول قضايا بهذه الأهمية. غير أن النتيجة الأكثر سطوعًا لهذه التقييمات تتمثل في افتقاد التوافق العريض على تقييم بعينه. كما تحلق في الأفق دائمًا نظرة رومانسية للانتفاضة تحلم بتكرارها بكل تفاصيلها كما جرت عام 2011، وتعد أحداث العشرين من سبتمبر 2019، والتي جرت استجابة لنداء المقاول محمد علي مثالًا على ذلك. بالطبع، تنطوي التقييمات المتعددة على لوم متبادل لأطراف رئيسية مختلفة. بينما تظل التقييمات الرصينة رغم اختلافها حبيسة بعض الكتب والندوات الأكاديمية. السطور التالية هي تقييم إضافي في سياق محاولة الإجابة على سؤال العنوان.

تونس والسودان: لماذا؟

ربما كان المدخل الأنسب للإجابة، والذي قد يختصر عشرات الصفحات، هو البدء من النموذجين اللذين حققا نجاحًا نسبيًا حتى لو لم يكن مؤكدًا استمراره؛ أي تونس والسودان. هناك خمسة عوامل رئيسية مترابطة منحت انتفاضة تونس في السابع عشر من ديسمبر 2010 إمكانية الانتصار وبدء مسار انتقال ديمقراطي في الخامس عشر من يناير 2010 مهما كان هشًا. هذه العوامل هي:

  1. الجيش التونسي مهني غير مسيس وليس له طموح سياسي، ووزير الدفاع هو منصب مدني منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي.
  2. الاتحاد العام للشغل اتحاد نقابي قوي عمالي ومهني، وهو نمط فريد ليس له مثيل في العالم العربي. فمن ناحية مارس الاتحاد دورا هاما في الكفاح الوطني قبل الاستقلال، ويتمتع بمكانة أدبية على مدار أكثر من سبعين عاما، ومن ناحية أخرى استطاع الحفاظ على استقلاليته، كما تنتشر فروعه التي تجمع بين المهنيين والعمال في شتي ربوع تونس.
  3. القبول المتبادل بين قوي الانتفاضة والإصلاحيين في نظام زين العابدين بن علي، ثم التعاون المشترك لتحقيق الانتقال الديمقراطي.
  4. إدراك قوى الانتفاضة المبكر للأهمية الحاسمة لتنظيم أنفسها في لجان قاعدية و«هيئة عليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي» عام 2011. هذه الهيئة تشكلت من شخصيات ليبرالية أكاديمية وحقوقية وسياسية، وتلقت المساندة من الشخصيات الإصلاحية التي شغلت مواقع اتخاذ القرار في السلطة الانتقالية بعد الخامس عشر من يناير 2011. خلال ذلك تمكنت الهيئة من خلق عدد من أهم ركائز الانتقال الديمقراطي، وإصدار عدد من أهم التشريعات المطلوبة لهذا الانتقال. بما في ذلك قانون ديمقراطي للجمعيات الأهلية يطابق المعايير الدولية ويحرر المجتمع المدني، وقانون انتخابي جديد. وانتخاب هيئة مستقلة لإجراء الانتخابات، التي أجرت بدورها أول انتخابات حرة ونزيهة في تونس، جري بمقتضاها انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 2011، وهو هيئة تأسيسية لوضع الدستور الجديد ولتقوم بدور البرلمان. هذه الركائز المشار إليها سلفا هي ثمرة التعاون المشترك بين الإصلاحيين وقوى الانتفاضة.
  5. حركة النهضة الإسلامية هي حركة سياسية براجماتية وغير دوجمائية، قادرة نسبيًا –مقارنةً بمثيلاتها في العالم العربي– على قراءة المتغيرات السياسية من منظور براجماتي، وعلي التطور والتفاعل مع حقائق المجتمع التونسي ومتغيراته السياسية والمجتمعية ومع حقائق السياسة الدولية، بما في ذلك مرونة اتخاذ قرار الخروج من الحكم عند الضرورة القصوى، مثلما حدث في عام 2013.

في السودان أيضًا هناك خمسة عوامل رئيسية –ولكنها تختلف عن تونس– مكنت الانتفاضة الشعبية من الانتصار وبدء مسار الانتقال الديمقراطي هي:

  1. الجيش السوداني تعرض لاستنزاف سياسي –قبل أن يكون عسكري– على مدار عشرين سنة من النزاعات الداخلية المسلحة والحروب الأهلية التي أدت لمآسي إنسانية واسعة النطاق، وانفصال جنوب السودان، ونشوء نزعات انفصالية في أقاليم آخرى، وانهيار المكانة الأخلاقية للجيش بين الشعب السوداني.
  2. الشعب السوداني هو أكثر شعوب المنطقة تسييسًا، واستطاعت أحزابه الرئيسية (المحافظ منها كالأمة والاتحادي، أو الأيديولوجي الحداثي كالحزب الشيوعي) الحفاظ على جذورها المجتمعية المتشعبة والصمود لأكثر من نصف قرن في مواجهة حكومات استبدادية وثلاثة انقلابات عسكرية وتصفيات دموية غير معتادة في سياق المجتمع السوداني التقليدي، ثم حكم استبدادي إسلامي عسكري متواصل لثلاثة عقود.
  3. لم تستطع الحكومات السودانية الاستبدادية المتوالية تفكيك تنظيمات المجتمع المدني السوداني، وخاصة تنظيماته المهنية، بل لعبت الأخيرة دائما دورا حيويا في الانتفاضات الشعبية التي أطاحت بالنظم الديكتاتورية، وكان دورها حاسما في الانتفاضة الأخيرة.
  4. لعبت الثقافة السياسية السودانية دورا تاريخيا حيويا يستوجب اهتمام الأكاديميين المتخصصين. فكونها وليدة مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، ومتحررة نسبيا –مقارنة بغيرها من المجتمعات في دول مصر والمشرق العربي– من الطابع الانغلاقي الإقصائي لأيدولوجية القومية العربية، استطاعت التمركز كحائط صد أمام الخطاب الوطني/الديني الزائف الذي حاول التلاعب بعقول السودانيين واستلاب وعيهم وتجنيدهم كقطيع خلف جرائم الاستبداد العرقي الدموي ضد الأعراق غير العربية في جنوب وغرب السودان. بل دافعت نخب سياسية ومدنية علنًا عن حق جنوب السودان في تقرير المصير. والتحق فاعلين سياسيين مدنيين في شمال السودان بالهياكل السياسية القيادية للحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في مرحلة الكفاح من أجل انفصال/استقلال الجنوب في 2011.
  5. لعب العاملين الدولي والإقليمي الأفريقي دورًا حيويًا لصالح تأمين انتقال مؤسسي منظم –بغض النظر عن مدى هشاشته– لحكم ديمقراطي، وذلك من خلال كبح جماح أطراف المجلس العسكري الساعية لتصفية الانتفاضة بدعم من المحور الإقليمي الرجعي العربي (مصر والسعودية والإمارات العربية). جرى ذلك التأمين تحت مظلة حماية دبلوماسية أمريكية بالتنسيق مع وساطة إثيوبية ديناميكية. كانت أوراق تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب والمحكمة الجنائية (والتي تطلب إلى جانب عمر البشير قادة عسكريين آخرين) حاضرة على مائدة المحادثات مع قيادات المجلس العسكري، وبالتالي سندًا غير مباشر على مائدة الوسيط الأثيوبي. لم تزعم أثيوبيا يومًا أنها راعي للديمقراطية وحقوق الإنسان على الصعيد الإقليمي، ولكن مع ذلك كان لها مصلحة مباشرة في تجنب تحول السودان من ساحة لصراعات داخلية مسلحة استنزفت أطرافها، إلى ساحة لحرب أهلية شاملة، ستكون هي أولى دول الجوار التي ستدفع ثمنًا باهظًا لها. نقطة الضعف لدي أثيوبيا في الاضطلاع بدور المفاوض هي في ضعف وزنها لدي المجلس العسكري في السودان، وبالتالي قدرتها على إقناعه بحلول وسط. إلا أن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لدعم عملية التفاوض بشكل إيجابي، حتى لو كان عن بعد، وذلك بالتلويح بكروت تحمل تهديدًا مقلقًا (مثل توسيع قائمة المتهمين لدي المحكمة الجنائية الدولية لتشمل أحد أهم أعضاء المجلس العسكري)، وإغراء حذف «السودان الجديد» من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أقنع العسكر بالتفاعل الإيجابي مع الوسيط الأثيوبي.

مصر

لم تحظ الانتفاضة الثورية في مصر بأي من العوامل العشرة التي أتاحت لانتفاضتي تونس والسودان الانتصار في الجولة الأولى. فقد افتقرت مصر تاريخيًا إلى كيان نقابي يجمع بين العمال والمهنيين، كما خضع اتحادها العام لنقابات العمال تدريجيًا لسيطرة أمنية مباشرة في أعقاب انقلاب يوليو 52. بل أن جمال عبد الناصر استعان في عام 1954 بنقابات عمالية لتدبير مظاهرات تدعمه في مواجهة جناح عسكري آخر بقيادة اللواء محمد نجيب، رئيس «مجلس قيادة الثورة» وقتها والذي كان يطالب بعودة الجيش لثكناته العسكرية وتسليم الحكم للمدنيين. أما التنظيم الرئيسي للإسلام السياسي في مصر، جماعة الإخوان المسلمين، فقد كان معارضًا لانطلاق الانتفاضة في 25 يناير، ولم يقرر الانضمام لها إلا في يومها الرابع؛ استجابةً لضغوط بعض قواعده الشبابية، التي كانت قد خالفت تعليمات التنظيم وشاركت بالفعل في الانتفاضة، ثم تخلى بعضها لاحقًا عن عضوية التنظيم. بهذا التردد –وتحت راية برنامج سياسي اعتمده التنظيم في عام 2007 يؤسس لدولة تسلطية، ولكن من نمط مختلف– شاركت جماعة الإخوان المسلمين في الانتفاضة.

لا شك أن المجتمع المدني في مصر شهد ازدهارًا تدريجيًا في العقد السابق على انتفاضة 2011. تمثل ذلك بالأساس في ميلاد عدد من الصحف والقنوات الإعلامية المستقلة لأول مرة، وتزايد أعداد وحيوية أنشطة المنابر الثقافية والفنية، وارتفاع أعداد المنظمات المستقلة لحقوق الإنسان وحقوق النساء، وتجذر علاقاتها بالحواضن الشبابية وازدياد فعاليتها على الصعيدين الوطني والدولي. كما شهد هذا العقد كذلك تبلور جماعات سياسية غير حزبية تركز على الشأن العام في الداخل، وتتجاوز النطاق الخانق الذي تكيفت معه أحزاب المعارضة المصرح بها قانونًا، من خلال تنظيم أعمال احتجاج ذات طابع جماهيري، وذلك مثل جماعة «كفاية». ومحاولة اجتذاب العمال خارج قفص اتحادهم العام والتنسيق معهم من أجل إضرابات تضامنية، مثل جماعة «6 أبريل» الشبابية. لكن «كفاية» كانت قد اندثرت قبل نحو عامين من انتفاضة 2011 بينما وضع المجلس العسكري حركة 6 أبريل ومنظمات حقوق الإنسان على رأس قائمة أهدافه للتجريم القانوني والسياسي والجنائي خلال العام الأول للانتفاضة، باعتبارهم رؤوس جسر لمؤامرات دولية ضد مصر. في أعقاب حملة إعلامية قذرة تواصلت لشهور بالتوازي مع تواطؤ جماعة الإخوان المسلمين، قامت قوات عسكرية في ديسمبر 2011باقتحام مكاتب عدة منظمات حقوقية مصرية ودولية ومصادرة محتوياتها وتحويل المسئولين والعاملين فيها لمحاكمة جنائية، في سابقة تعد الأولى في تاريخ منظمات حقوق الإنسان في مصر التي كانت قد نشأت قبل ذلك الاقتحام المسلح بأكثر من ربع قرن.

لم تكن تونس يومًا دولة ذات تأثير سياسي كبير في نطاقها الإقليمي العربي، لذا فقد اكتفت السعودية باستضافة رئيسها السابق زين العابدين بن علي. مع مصر اختلف الأمر، خاصةً بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم وصعود نفوذ الأمير محمد بن سلمان ليصير فعليًا الحاكم بأمره في السعودية، ثم تعزيز التحالف الثنائي مع الإمارات العربية، الذي وضع الربيع العربي على رأس قائمة أهدافه العدوانية، وبشكل خاص في مصر. خلافًا للسودان فإن هوية مصر الإفريقية لا تشكل عاملًا حيويًا في صنع سياساتها وتوجهاتها بعيدة المدي. ولا يتجاوز الاحتفاء الرسمي والشعبي بهذه الهوية المناسبات العامة. لذا فقد انفرد المحور الإقليمي السعودي الإماراتي بمصر في غياب محور إقليمي أفريقي مارس لاحقًا دورًا إيجابيًا في تحصين الانتفاضة في السودان. ورغم أن الاتحاد الإفريقي جمد عضوية مصر في أعقاب انقلاب يوليو 2013، إلا أن التجميد لم يدم طويلا مثله مثل عقوبات دولية أخرى تزامنت مع ذلك التجميد.

وعلى النقيض من تونس والسودان، فإن الجيش المصري مسيس وله طموح سياسي هائل يرتكز على حصر تداول الحكم بقياداته منذ عام 1952 بشكل متواصل لمدة تسعة وخمسين سنةً قبل الانتفاضة. فضلًا عن النفوذ الذي تمتعت به دعاوى مزعومة تفندها أي مقارنة علمية بين واقع الدولة في مصر قبل وبعد 1952. مثل الزعم القائل بأن الجيش هو مُنشئ وخالق دولة مصر الحديثة.

انطلاقًا من تجذر تسييس الجيش المصري، فإن المؤسسة العسكرية –بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة (المجلس العسكري)– توقعت مسبقًا –قبل أي جهاز أمني آخر– اندلاع الانتفاضة، ووضعت السيناريوهات الميدانية والسياسية المستقبلية المحتملة للتفاعل معها، انطلاقًا من استبعاد تصنيف الانتفاضة كخطر يستهدفها، بل كفرصة أهدتها لها الأقدار لقطع الطريق على سيناريو توريث السلطة لرئيس مدني (جمال مبارك) بدلًا من الوريث العسكري الذي ينتظر دوره. كانت فرصة تاريخية ثمينة، ليس فقط فيما يتعلق بالثمرة المستهدفة، ولكن بالأساس لأنها تُجنب الجيش حدوث صدام داخلي عنيف غير مأمون العواقب على وحدة الجيش بين الركائز العسكرية لنظام الأب الرئيس حسني مبارك، و/أو بينها وبين الركائز الأمنية للوريث العسكري. بفضل توافر هذه الرؤية السياسية بعيدة المدى، والتوحد حولها داخل المجلس العسكري والدهاء السياسي والتصميم على تحقيق الهدف وحشد كل الموارد المادية والسياسية والمخابراتية، قطع الجيش منتصف الطريق إلى الحكم خلال الثمانية عشر يومًا الفاصلة بين انتفاضة  الخامس والعشرين من يناير وتنحي مبارك عن الحكم في الحادي عشر من فبراير. في ذلك اليوم صار المجلس العسكري الحاكم الفعلي لمصر بسلاسة غير متوقعة. فعلى الجبهة الأخرى لم تكن قوى الانتفاضة تملك أيًا من عناصر القوة التي يمتلكها الجيش تاريخيًا أو التي حشدها خلال الثمانية عشر يومًا . الأمر الذي هيأ الأرضية للمجلس العسكري ليبدأ في اليوم التالي –ومن مركز قوة– إدارة معركته غير العسكرية مع الانتفاضة، بالاعتماد على قواعد الحرب. على رأس هذه القواعد السعي لنزع أقوي أسلحة الخصم/الانتفاضة، والمتمثلة في قدرتها على الحشد الجماهيري واسع النطاق في ميدان التحرير بالقاهرة والميادين الرئيسية في المدن الأخرى. عبر نزع هذا السلاح الرئيسي يمكن إضعاف الخصم بتفتيت قواه قبل خوض أي صدام اضطراري مباشر معه. لذا ركز المجلس العسكري على عناصر الانقسام الراسخة تاريخيًا بين الإسلاميين والعلمانيين، ومراهنًا منذ اللحظة الأولى على السيناريو ذاته الذي اتبعه جمال عبد الناصر في الأيام الأولى لانقلاب يوليو 1952 لتحقيق الهدف نفسه. لم تكن المهمة صعبة على الإطلاق؛ ففي الأسابيع الأولي بعد تنحي مبارك شكّل المجلس العسكري لجنة لوضع إعلان دستوري لتنظيم فترة الانتقال. كان الإسلاميون هم الطرف الوحيد من المعارضة الممثل في اللجنة ويرأسها. ثم خرج مشروع الإعلان الدستوري ليعكس وجهة نظر الطرفين الوحيدين في اللجنة. ليبدأ التفريق المستهدف بالتحقق فعليًا على الأرض دون إطلاق رصاصة واحدة بعد شهر واحد فقط حين جري الاستفتاء على الإعلان الدستوري في مارس 2011. بعد أربعة شهور تحول ميدان التحرير مهد الانتفاضة إلى مليونية إسلامية تنادي برئيس المجلس العسكري محمد حسين طنطاوي أميرًا، ذلك قبل أن يتعمد هذا الانقسام بالدم بعد عامين في أعقاب انقلاب الجيش في الثالث من يوليو 2013 ضد حكومة الإخوان المسلمين. ولكن خلال السبعة وعشرين شهرًا السابقين على لانقلاب كانت قد جرت دماءً غزيرة في شوارع وميادين رئيسية في القاهرة، لم يكن الإسلاميون هم الطرف المستهدف بها، بل كانوا الطرف المتواطئ، خاصةً في مذبحة ماسبيرو التي جرت بعد ثمانية شهور فقط من تنحي الرئيس مبارك عن الحكم للمجلس العسكري، والتي استهدفت مظاهرة احتجاج شكّل الأقباط قوامها الرئيسي، سقط منهم سبعة وعشرين قتيلًا بعد أن هرستهم عربات الجيش المدرعة.

افتقرت الانتفاضة المصرية لقيادة منظمة تملك رؤية استراتيجية بعيدة أو متوسطة المدى، وبرنامج عمل واضح وتقييم موضوعي يرتكز على حقائق صلبة للحلفاء والأعداء. الأمر الذي أدى لتخبطات باهظة الثمن على المدى القصير والبعيد، وتشييد تحالفات في الهواء ترتكز على أوهام متفاوتة حول كل حليف، بينما جرى تصنيف إصلاحيي نظام مبارك في خانة الأعداء. إلا أنه بعد  ثمان سنوات من انتفاضة يناير قررت أحزاب يسارية راديكالية وليبرالية وناصرية يتزعمها بعض قادة تلك الانتفاضة، تأسيس تحالف «الأمل» مع أحزاب تتزعمها شخصيات تنتمي إلى معسكر إصلاحيي نظام حسني مبارك. وهو الأمر الذي اعتبره نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي خطرًا جسيمًا يستوجب إجهاضه قبل الإعلان عنه للرأي العام، وذلك بالقبض على نواته القيادية.

في هذا السياق التاريخي، من الضروري ملاحظة أنه برغم تواطؤ عدد من أبرز الرموز السياسية العلمانية مع الانقلاب العسكري ضد حكم الإخوان المسلمين في الثالث من يوليو 2013 وبررته سياسيًا، فإن تلك الرموز قد ندمت لاحقًا على ذلك وانتقدت نفسها عليه، إلا أن ذلك التراجع لم يتطور في اتجاه الاستجابة لمناشدات أطراف علمانية وإسلامية بالعودة للتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة عدو مشترك (السيسي)، أو مراجعة الأسس التي ارتكزت عليها القطيعة السياسية مع الجماعة، والتي بدأت في مارس 2011 ثم تجذرت في محطات تاريخية مهمة قبل وبعد يوليو 2013.

هذه القطيعة التاريخية لا تجد تفسيرها فقط في الصفقات السياسية غير المبدئية التي عقدتها جماعة الإخوان المسلمين مع المجلس العسكري (وقبله مع مجلس قيادة ثورة/انقلاب يوليو 52) على حساب التفاهمات المشتركة وأهداف الانتفاضة وقواها السياسية، بل بالأساس في الفجوة العميقة بين القيم المرجعية التي تشكل هوية مختلف الأطراف، وبالتالي تحدد توجهاتها الاستراتيجية وأيضًا سياساتها اليومية وتحالفاتها. فبرغم الخلافات العميقة والتاريخية بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين والتنافس السياسي المرير بينهما لستة عقود منذ 1954، شهدت خلالها أعمال قمع وحشية لقيادات وأعضاء الجماعة، بما في ذلك قتل قانوني (بالإعدام) أو خارج نطاق القانون، إلا أن الجماعة عادت بعد 57 عامًا لتختار عن وعي كامل التحالف مع قاتلها، أي الجيش، الذي يجمعها معه الإيمان المشترك بالقيم البطريركية، وكذلك هدف السيطرة على المجتمع لا تحريره. بالطبع دون إنكار الاختلاف بينهما في الوسائل وجدول الأعمال. كان خيارًا استراتيجيًا واعيًا في مواجهة أطراف لم تملك سلطة القمع يومًا واحدًا، ولكن المشكلة تتمثل في أن الهدف الاستراتيجي لليبراليين هو إقامة مجتمع حداثي على أنقاض المجتمع البطريركي الذي تستهدف تقويض ركائزه. لذا فإنه فور انتخاب محمد مرسي مرشح الجماعة رئيسًا للجمهورية في يونية 2012، فإنه سرعان ما ألقي بتعهداته لليبراليين الموثقة في «إعلان ڤيرمونت» في سلة المهملات، بعد توقيعه عليها قبل أيام معدودة من الانتخابات الرئاسية. ورغم أن المجلس العسكري قام بعدة إجراءات تشريعية وقضائية عدوانية عشية انتخاب مرسي، بهدف إضعاف سلطة الرئيس الإسلامي المنتخب ومحاصرة النفوذ السياسي لجماعته، إلا أن الجماعة التي رفضت تقديم أي تنازل لليبراليين خلال عملية وضع دستور 2012، التي جرت تحت إشرافها، قدمت تنازلات حيوية فيه للجيش، على رأسها منح المحاكم العسكرية دستوريًا سلطة محاكمة المدنيين، وذلك في سابقة هي الأولى في الدساتير المصرية. من المفارقات التاريخية في هذا السياق، أن بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين كانوا ضمن أبرز ضحايا المحاكمات العسكرية للمدنيين قبل انتفاضة يناير 2011، والتي لم تكن تتمتع حينذاك بغطاء دستوري!

بالأساس كانت الفجوة بين الإسلاميين والليبراليين في يناير 2011 فجوة في القيم قبل السياسة اليومية. بين قوى تؤمن وأخرى لا تؤمن بالحريات الفردية، بين قوى تمنح الأولوية لآليات الديمقراطية على حساب قيم الديمقراطية، التي تحتل الأولوية قبل الآليات/الانتخابات في نظر القوى الليبرالية. ربما لا يوجد مشهد يعبر عن مدي عمق هوة ذلك الانقسام أكثر من مشهد انتخاب ثم افتتاح أول برلمان بعد انتفاضة يناير، الملقب «ببرلمان الثورة». فبالتوازي مع الانتخابات التي جرت على مدار شهرين، كانت الشوارع تشهد معارك دامية وأعمال اغتيال منظم لزهرة شباب مصر على بعد أمتار من مقر البرلمان، الذين لم يروا فيه –رغم أنه لم يكن قد تشكل بعد– تحقيقًا للأهداف التي ناضلوا من أجلها، بل إعادة ملتوية لإنتاج النظام الذي اكتشفوا أنه لم يسقط بتنحي حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير 2011، وبآلياته ذاتها.

إنه المشهد ذاته الذي تكرر أمام أعيننا في عام 2019، بشكل سلمي في الجزائر وعنيف في لبنان وبشكل دموي في العراق. هذا الدرس الدامي هو ما جعل قيادة الانتفاضة في السودان تصر على رفض المسارعة بانتخابات تعيد إنتاج النظام القديم، وأصرت على عدم عقد انتخابات قبل فترة انتقالية ممتدة لنحو ثلاثة أعوام.

Read this post in: English

اظهر المزيد

بهي الدين حسن

مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى