دراسات

مأزق الحريات في سياق النظام العام الوبائي: دراسة في بعض مثالب التعاقد السياسي في السياقين المغربي والجزائري

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تهدف هذه الورقة لتسليط الضوء على وضع التعاقد السياسي في السياقين المغربي والجزائري في ظل جائحة كوفيد 19، مركزةً على وجه التحديد على الأضرار التي تعرضت لها الحريات والحقوق الأساسية أثناء حالة الطوارئ الصحية في البلدين. ويعتمد البحث في تشخيص مصدر تلك الأضرار على متجهتين: متجهة صاعدة، مرتبطة بدراسة منسوب النوازع الفطرية على مستوى التربة السفلية للاجتماع وطبيعة تأثيرها على حق الآخرين في السلامة الصحية من الوباء، ومتجهة هابطة، تركز على الانتكاسات التي ألحقها التوظيف السياسي للوباء بالحريات السياسية، مستفيدًا مما تسمح به تكنولوجيا المعلومات على مستوى المراقبة المتحركة للنشطاء. وقد اعتمدت الورقة لهذا الغرض على قاعدة من البيانات النوعية والكمية للتحقق من فرضياتها حول مأزق الحريات والحقوق في سياقي الدراسة، وتوصلت في هذا الإطار إلى أن محنة تلك الحريات تنبثق من إصرار الأنظمة السياسية على تأبيد النوازع الفطرية في الثقافة السياسية.

مقدمة

يخبرنا جورجيو أغامبن أن حالة الاستثناء تشير من جهة، إلى «حالة القانون »التي تحتفظ فيها القاعدة المعيارية بسريانها دون أن يطالها التطبيق، ومن جهة أخرى إلى تدابير تكتسب «قوة القانون»، دون أن ترقى إلى مرتبته. وفي أكثر الحالات تطرفًا، تتأرجح «قوة القانون»كعنصر غير محدد، يمكن لسلطات الدولة التي تتصرف كديكتاتورية مفوضة أو كديكتاتورية سيادية، المطالبة به. إن حالة الاستثناء فضاء لامعياري يتجسد في قوة قانون بلا قانون، والتي يمكن كتابتها على الشكل: «قوة القانون»،.[1] ومن هنا يشكل التوتر بين الحرية والنظام العام أحد العناصر الأساسية التي يُبنى عليها التعاقد السياسي. وبالرغم من أن هذا المفهوم الأخير يطمس دور العنف المؤسسي في نشأة الاجتماع السياسي، ولا يحظى بالإجماع في التيارات الفلسفية والسوسيولوجية التي تنشد الواقعية كمذهب لتفسير الخضوع السياسي، فإنه يتمتع –رغم ذلك– بحضور وازن في خلفية المطالب الاجتماعية والسياسية للمحكومين، كما أن الدولة لا تنفك تلجأ إليه أحيانًا، مستعملةً إياه في قوالب تأويلية تبتغي منه التذكير بالنظام واحترام القانون.

لقد أظهرت تدبير الدولة لكوفيد 19 في السياق الثقافي المغاربي عن مثالب التعاقد السياسي منظورًا إليه من البنية الفوقية، ومن زاوية التربة القاعدية للاجتماع السياسي. وهو ما جعل الحريات المدنية كثقافة سياسية وأخلاقية رفيعة، تعاني من هيمنة المنسوب الاجتماعي للمشاعر الفطرية، وترزح تحت سطوة حالة الطوارئ الصحية التي سمحت للدولة بالاشتغال في جنح الظلام وانتهاك مفاهيم العمومية وحقوق الإنسان.

تغطي الحريات طيفًا واسعًا من الحقوق المكرسة تشريعيًا، وتمتد من ضمان الحق في الحياة إلى المشاركة السياسية والتداول في القرارات العامة. ويتطلب ازدهارها الاجتماعي مستوىً لائقًا من التنشئة الاجتماعية والسياسية، وسلطة سياسية تراعي اختيارات المواطنين وتلتزم بمبدأ العمومية. فالحريات، منظورًا إليها من زاوية علم النفس السياسي، ليست معطىً ثقافيًا جاهزًا، يلبيه الاجتماع من تلقاء نفسه. على العكس تمامًا، يتعلق الأمر بكفايات سياسية وأخلاقية [2] تتطلب سيرورات من الهدم والبناء للبنيات المعرفية والوجدانية. ويقصد بالاجتماع في هذا السياق، روابط العيش المشترك كما يعيشها الناس فعليًا، سواءً في علاقاتهم الأفقية مع المواطنين أمثالهم، أو العمودية مع هياكل السلطة ورموزها. ويستشف من تلك الروابط طبيعة القيم والمشاعر الأخلاقية التي تحكم في العمق طبيعة التفاعلات الاجتماعية السائدة.

إن حماية الحريات في زمن الجوائح، لا تتوقف فقط على كيفية تفاعل سلطات الطوارئ مع مقتضيات العقد السياسي في بُعده الحقوقي، ولكنها تحيل فضلًا عن ذلك، إلى الالتزام الأخلاقي للذوات بالتدابير الطبية لمنع تفشي الوباء. فالنظام العام الوبائي لا ينفك يُذكّر الحاكم والمحكوم على السواء، بوجود التزامات على عاتق الطرفين، من أجل حفظ النفس وحفظ الاجتماع.

إن الاستهتار بالضوابط الصحية وعدم الاكتراث بالحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، باسم الحريات وحقوق الإنسان، يحمل في كنهه إساءة أخلاقية جوهرية لمفهوم الحرية المدنية، كما صاغها الفكر السياسي منذ مطلع القرن الثامن عشر. ويبدو بأن التطلع إلى ممارسة الحريات في زمن الوباء، دون استحضار حس المسئولية الأخلاقية، يعد انتهاكًا صارخًا لحق الآخرين في الحياة. والغريب أن الفضاء العام في كل من المغرب والجزائر قد ظل حافلًا بالوقائع الاجتماعية الدالة على ضعف منسوب حس المسئولية في التفاعل الاجتماعي مع جائحة كوفيد 19.

ويبدو أيضًا من خلال فحص القرارات الصادرة عن السلطات في زمن الوباء، بأن الدولة المغربية لم تكن تتصرف ببراءة. فقد وجدت في ظرفية الوباء فرصة لفرض تصورها للسياسة والاقتصاد والاجتماع. لقد ساعدتها حالة الطوارئ في السياق قيد الدراسة، على استعادة زمام الأمور ونقض مقتضيات التعاقد السياسي الذي بذلت طاقات نفسية–اجتماعية هائلة من أجل الدفع به إلى المستوى الذي بلغه قبيل تفشي الوباء.

تقوم هذه الورقة من الناحية المنهجية على تحليل عمودي وأفقي لمثالب التعاقد السياسي في السياقين المغربي والجزائري، وتتناول على وجه التحديد، الأضرار التي خيمت على مفهوم الحرية المدنية من زاوية المعاني القاعدية للاجتماع السياسي، وكذلك من منظور الانزلاق الذي مس المسموح به من مبادئ العمومية والشفافية في صناعة القرار العام في عهد كوفيد 19.

تعتمد الدراسة على منهجية الكشف في الثقافة السياسية المغربية، عن العوامل الكامنة وراء مثالب التعاقد السياسي من خلال تحليل محتوى الوقائع الاجتماعية الشاذة في زمن الوباء والقرارات العامة الصادرة عن سلطات الطوارئ في البلدين. وقد تم جمع تلك الوقائع من خلال الاشتغال على عينات من الفيديوهات من الجزائر[3] حول مواقف وردود فعل المواطن العادي من التدابير المرتبطة بجائحة كوفيد 19. وبالنسبة للمغرب، تم الاعتماد على ثمانية وعشرين مقطعًا من الفيديوهات المتفرقة التي صادفناها على الفيس بوك واليوتيوب، والتي توثق لأحداث المجتمع ونبضاته في زمن الوباء.[4] وتتكون قاعدة البيانات أيضًا من معطيات مقابلات مع ثلاثين مواطنًا مغربيًا تم إدانتهم بعدم احترام تدابير حالة الطوارئ. وتركز المقابلات على التبريرات التي يسوقها هؤلاء لتبرير وضعيتهم غير القانونية تلك. وتضم البيانات أيضًا مجموعة من قرارات سلطات الطوارئ في المغرب والجزائر، والتي استغلت فترة الوباء، لتحجيم الحريات السياسية وقطع دابر التداول العمومي.

وتقوم الدراسة على فرضية أساسية مفادها أن التعاقد السياسي، منظورًا إليه من زاوية الحريات المدنية في سياق النظام العام الوبائي، قد تعرض لمجموعة من الانتكاسات التي جسدها من جهة، انبعاث خطاطات الحرية الغريزية المتعارضة مع مفهوم الحريات المدنية، ومن جهة أخرى، إصرار سلطات الطوارئ على تقليص حجم الحريات السياسية والمدنية. وتستند الورقة في منطلقاتها النظرية على الأفكار الفلسفية لكل من جون جاك روسو وإيمانويل كانط وجون راولز، كما تنهل من الناحية الميدانية من أطروحة لورانس كولبرغ حول النمو الأخلاقي. ولا يفوت الورقة أيضًا أن تعرج على أطروحات حالة الاستثناء كما صاغها الفيلسوف الألماني كارل شميث وأطروحة النوازع الفطرية كما تبلورت في الأنثروبولوجيا السياسية للدول الحاصلة على الاستقلال عند غليفورد غيرتز.

من غريزة الحرية إلى الحرية المدنية: سؤال الأخلاق في زمن الوباء

وفقًا للمعطيات الطبية المتعلقة بكيفية انتقال الوباء،[5] يفترض النظام العام الوبائي من الناحية المنطقية والواقعية، تدابير عمومية تستتبع تقييدات على مستوى التمتع بالحقوق الأساسية وممارسة الحريات. وهو ما يعني بروز تعاقدات جديدة تضع الحفاظ على الحياة في لائحة الأولويات السياسية. ولا يعكس الالتزام بمقتضيات التدابير الصحية انبطاحًا جمعيًا أمام التجهيزات السلطوية في هذه الأزمة؛ ولكنه يعبر عن حس عال من المسئولية الأخلاقية التي يجب على المرء استحضارها؛ ليس فقط لحفظ النفس وسلامة الذات، ولكن أيضًا استجابةً لحق الآخر في النجاة من الإصابة بالوباء. غير أن النظر إلى واقع التفاعل مع مقتضيات النظام العام الوبائي، يكشف حجم النوازع الفطرية التي لازالت تمخر عباب البنيات الذهنية العميقة للإنسان المغاربي في زمن الحداثة السائلة.[6]

مظاهر ومسوغات خرق النظام العام الوبائي

في الحالات العادية للاجتماع السياسي، تسير الخطوط العامة الغالبة لحركة المجتمعين المغربي والجزائري، في اتساق ظاهري مع روح العصر، بالطبع مع وجود مجموعة من الارتدادات إلى الجوهرانية التي تعبر انبعاثاتها عن الصدمة الغائرة للذات في مواجهة الحداثة[7]. ويُلاحَظ أن ثمة إصرار لدى معظم الشرائح الاجتماعية على الظهور بمظهر المعاصرة، بما يقتضي ذلك من إعادة تأويل للتقليد ليصبح مسايرًا لمنطق القيم المدنية والديمقراطية. ويمكن لتلك الصورة تأكيد الانطباع بأن التغيير الخارجي للمجتمع يعبر فعليًا عن التحولات الداخلية على مستوى الشخصية. ولكن العوارض الظاهرة ليست دائمًا في تكافؤ مع طبيعة التربة السفلية التي تستقي منها الثقافة السياسية كمية من ثباتها الزمني. يصف غليفورد غيرتز هذا التناقض الظاهري في الثقافة السياسية في الدول الجديدة في المقطع التالي:[8]

«كما في الطب حيث لا تكون حدة العوارض الظاهرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحدة الحالة المرضية الفعلية التي أدت إلى ظهور العوارض، كذلك في علم الاجتماع حيث لا تكون الضوضاء والإثارة في الأحداث الظاهرة في تناسب دقيق مع حجم التغير البنيوي الحاصل. إن بعضًا من أكبر الثورات تحصل في جنح الظلام».

تشكل الطبيعة عنصرًا هامًا في هيكلة مواقف الإنسان، وتحديد جزء من التباين الذي يطبع تصرفاته نحو ذاته ونحو الآخرين. وبذلك يمكن القول، كما لا حظ الأنثروبولوجي موريس كودليي، بأن علاقة الإنسان بالاجتماع والثقافة والسياسة لا يمكن فصلها عن علاقته بالطبيعة.[9] وتجسد ردات الفعل الاجتماعية والفردية في مواجهة جائحة كوفيد 19، خصائص الخرائط السلوكية العميقة للإنسان المغربي. ومما لا شك فيه أن التفاعل الاجتماعي مع الوباء يعيد طرح إشكالية الاجتماع السياسي في المجتمعات التي تتميز بضعف منسوب المشاعر المدنية، ومسائل بنية الثقافة السياسية التي يستقي منها المجتمع التراكيب المفهومية التي تحكم نظرته للوجود وتحدد بالتالي ما يسميه غيرتز بالروح الجماعية.

لقد أظهر كوفيد 19 في السياق الثقافي المغربي عن تجريد الاجتماع من بعض من أقنعته المزيفة، وأدخل القلق في بنيته المطمئنة، كما جعل التعاقد السياسي منظورًا إليه من الأسفل، يقف حائرًا أمام بعض من مثالبه. وتجسد مظاهر خرق النظام العام الوبائي لاعتبارات مصلحية ضيقة، خللًا في التنشئة الأخلاقية والقانونية والسياسية للمواطن في كل من المغرب والجزائر، كما توضح التهديدات الكامنة والفعلية التي يتعرض لها التعاقد السياسي حينما يتم فحصه من زاوية المعاني السفلية للاجتماع السياسي. وتجدر الإشارة أيضًا بأن هذه الظاهرة قد حدثت أيضًا في المجتمعات المتقدمة وإن كان ذلك بأشكال ودواع مختلفة حسب السياقات الثقافية.

يدل حجم المتابعات القضائية أن خرق الطوارئ الصحية ليست ظاهرة يمكن إدراجها في الحالات الاستثنائية. على العكس من ذلك تمامًا، يتعلق الأمر بظواهر جمعية منقطعة النظير. فحتى حدود شهر مايو، بلغ عدد الملاحقات القضائية في المغرب ما يقارب خمسةً وستين ألفًا.[10] أما في الجزائر، فقد سجلت ولاية تيبازة وحدها ألفًا وتسعمائة واثنين وعشرين مخالفة إلى حدود شهر يونيو،[11] ناهيك عن تلك الحالات التي طالها التسامح أو لم تلاحقها أعين الشرطة الإدارية و القضائية.

لقد بلغت مظاهر السلوك غير المدني طوال فترة الطوارئ، مستويات جعلت الأطباء والممرضين يناشدون الجماهير التزام المنازل والتباعد الاجتماعي ووضع الكمامات.[12] وتحفل مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من الفيديوهات عن خروقات النظام العام الوبائي. ويكشف تحليل محتوى تلك الوقائع عن مجموعة من المظاهر التي ميزت فترة الطوارئ والتي يمكن تقديمها باختزال مفرط في النقاط التالية:

  • مقاومة دعوية لقرار إغلاق المساجد وتنظيم مظاهرات جماعية ليلية بشعارات دينية تعبر عن النكوص إلى المشاعر اللاعقلانية الفطرية في مواجهة الكوارث.
  • تهافت غريزي في بداية الوباء على المواد الاستهلاكية وازدحام غير مسبوق في الأسواق، معبرةً عن الأثر طويل المدى للمجاعات والكوارث في الذهنية التاريخية للمغاربة والجزائريين.
  • تجمعات في الأسواق الشعبية وعدم احترام التباعد الاجتماعي في العديد من الوضعيات، ما يدل على الاستخفاف بالفيروس وغياب حس المسئولية الأخلاقية تجاه الذات والآخرين.
  • خروقات فردية للحجر الصحي تحكمها مبررات متهورة.
  • عدم الالتزام بالاستعمال الصحي للكمامات وابتداع أشكال استعراضية غير وقائية.
  • هجوم شعبي على حافلات بيع أكباش العيد وخطف للأضاحي أثناء انتشار الوباء (المغرب).
  • انكباب غير المصابين من ساكني مدينة فاس المغربية على شراء الأدوية المناعية ضد كوفيد 19، مما أدى إلى نفاد مخزون الصيدليات.

حتى السابع والعشرين من أغسطس 2020، بلغت عدد الإصابات بفيروس كورونا ثلاثةً وأربعين ألفًا وستة عشر بالجزائر وسبعةً وخمسين ألفًا وخمسة وثمانين بالمغرب. ووصل عدد الوفيات في البلدين ألفًا وأربعمائة وخمسة وسبعين وألفًا وأحد عشر على التوالي. ومما لا شك فيه أن السجلات الثقافية للإنسان المغاربي (المغربي والجزائري على وجه التحديد)، قد لعبت دورًا في تفشي الوباء في الدوائر الأخلاقية للقرابة، خاصةً في مرحلة تخفيف الحجر لدواع اقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن الحزم في فرض الحجر الصحي في بداية الوباء، قد منع بما فيه الكفاية انزلاق البلدين المغاربيين إلى مصاف المجتمعات الموبوءة مثل إسبانيا وإيطاليا آنذاك. ففي المغرب مثلًا، ارتفع عدد الإصابات بشكل مهول مباشرةً بعد عيد الأضحى كما أوضح الدكتور أغبال من خلال دراسة الانحدار الذاتي للفجوات الزمنية المتباطئة.[13]

صحيح أن السلطات العامة، خاصةً في المغرب، قد غضت الطرف خلال الحجر الصحي عن المعامل الكبرى لضرورات تلبية الحاجيات الاقتصادية، إلا أن تخفيف حالة حظر التجوال قد ساعد على تفشي الوباء، مما حدا بالاتحاد الأوروبي في الأسبوع الأول من شهر أغسطس إلى استبعاد الجزائر والمغرب من قائمة الدول الآمنة التي يمكن السفر منها إلى أوروبا.[14] ومما لا شك فيه أن المظاهر التي تحدثنا عنها سالفًا قد ساعدت على انتقال الفيروس في الأوساط العائلية. وتجدر الإشارة إلى أن الطبيعة القوية للروابط الاجتماعية في الاجتماع الجماعاتي، حسب أطروحة مارك كرانوفيتر، قد خلقت مناخا موبوءً داخل البؤر العائلية. ويمكن الاستعانة بالتمييز بين الروابط القوية والروابط الضعيفة لتفسير انتقال الفيروس في الوسط العائلي:[15]

في المجتمعات ذات الروابط المرنة، يميل الفيروس إلى الانتقال في الفضاءات العامة من فرد إلى آخر وفق احتمال أقل بكثير من الأوساط الأسرية. بينما في المجتمعات ذات البنية الاجتماعية الموسومة بالروابط الصلبة، فإن إصابة شخص واحد، يرفع احتمال إصابة جميع مكونات العائلة، خاصةً أن الزيارات لم تنقطع بين الأحباب في الوسط المغاربي خلال مدة الحجر الصحي أو بعدها. وتفيد هذه المعطيات، بأن البنية السوسيومترية للعلاقات الاجتماعية تلعب دورًا فعالًا في تفشي الأوبئة والأمراض المعدية. ولا شك أن انتشار كوفيد 19 لا يشكل استثناءً في هذا المجال؛ فقد أثبتت مجموعة من الدراسات، ضلوع روابط الاجتماع في كيفية تفشيه حسب المجتمعات. ففي دراسة لتيريزا كوشلر وزملائها من جامعة نيويورك، تم تأكيد وجود ارتباط موجب بين البنية الاجتماعية كما تمت أجرأتها من خلال الروابط على الفايسبوك، وانتشار وباء كوفيد 19.[16]

حينما ينظر الباحث في التبريرات التي يسوقها المواطنون لأسباب خرق الحجر الصحي أو تدابير الطوارئ الصحية، تقفز بشكل تلقائي تبريرات ميتافزيقية تنفي وجود علاقة سببية بين الموت (الأجل على حد تعبير المستجوبين) والإصابة بالفيروس، دافعةً إلى الأمام بتصور قدري يربك كافة حسابات العلوم الطبية. لا يتوقف الأمر عند هذا المستوى في سمك تلك التبريرات، حيث تنبثق مسوغات لخروقات النظام العام الوبائي متمركزة حول الذات (egocentric) وتميل فيها المساحة الأخلاقية المخصصة للآخر إلى الصفر.

والغريب أن مثل هذا التمركز حول الذات يحضر بكثافة حتى في تبريرات الملتزمين بالتدابير الصحية، كوضع الكمامة مثلًا، حيث تغيب الإشارة إلى المسئولية الأخلاقية إزاء الآخر. وبينما يتجاهل أحد المستجوبين في الجزائر استعمال الكمامة بقوله: «لم ألبسها كما ترى، فالهواء هواء الله والجو نقي ولا يستوجب وضع الكمامة»، تلتزم بها سيدة جزائرية لدواع مرضية: «أنا مريضة للغاية بالسرطان، خفت لأنه ليس لدي مناعة. وقد وضعتها لأحمي روحي».[17]

رغم التناقض الظاهري بين المستجوبين، يشترك تجاهل التدابير الصحية مع سلوكيات الالتزام بالتدابير الوقائية، في التعبير الفج عن التمركز حول الذات وغياب الحديث عن حق الآخرين في السلامة البدنية من الوباء. ويكشف تحليل محتوى مبررات خرق الحجر الصحي عند ثلاثين مدان قضائيًا بمدينة فاس المغربية، عن المتلازمة نفسها المتعلقة بغياب الاهتمام الأخلاقي بحق الغير في ظل جائحة كوفيد. ويسوق هؤلاء تبريرات تتراوح بين الاستهتار والتهور والنسيان من جهة وحالات الضرورة من جهة أخرى. ومما يثير الانتباه حقًا، أن خروقات النظام العام الوبائي لا تقتصر على فئة عمرية معينة أو مجال جغرافي بعينه، حضري أو قروي.[18] وإذا كان ثمة مبدأ يمكن للملاحظين للثقافة السياسية في زمن الوباء استنتاجه، فإن الذات في السياقين المغربي والجزائري، تواجه صعوبات جمة كي تصبح، كما تفترض هيرمنوطيقا بول ريكور، عينها كآخر.[19]

حين تسيء النوازع الفطرية إلى الحريات المدنية

في العودة التأويلية للذات على نفسها، لا يبدو بأن الآخر يحظى بقيمة مركزية في مخيال المغربي والجزائري. ويبدو أن المبدأ المعرفي الذي يحكم تصور انتشار الوباء، ينهل من عصمة الأنا تجاه المرض، تمامًا مثل مفهوم الموت في سياق الوجود الزائف عند مارتن هايدغر.[20] ويعني ذلك بأن مساهمة الغيرية، على الأقل في زمن كوفيد 19، في تشكيل الذاتية المغربية قيد الدراسة، تظل ذات منسوب ضعيف.

إن هذا الإنكار للآخر وعدم أخذ سلامته الصحية في الحسبان، على مستوى الخطاب أو الممارسة، يشكل تهديدًا صريحًا لرابطة العيش المشترك والعقد الاجتماعي الضمني الذي يحكمها. ويستتبع ذلك، تجاهل حريات الغير وحقهم في العيش بصحة جيدة. لكن السؤال الذي ما فتئ يقلق المراقبين والفاعلين على السواء، يتعلق بفهم معنى تلك المواقف والتأويلات المفعمة بالتمركز حول الذات، في ظل ظرفية حرجة تتطلب التضامن والتحكم في النوازع والمشاعر.

من المؤكد أن معرفة ما يجري اليوم في الدول حديثة العهد بالاستقلال، يتطلب أحيانًا الغوص بعيدًا عن المزاعم المتعلقة بالتنمية المؤسساتية في خطاب العلوم السياسية المعاصرة حول الاجتماع، فقد تبخرت أحلام التنمية والديمقراطية والمساواة وأصبح الاجتماع السياسي في هذه الدول في مواجهة مباشرة مع الأزمات التي لا تنفك تنبعث باستمرار من قلب التفاعلات الاجتماعية السفلية. مما يضفي مشروعية متزايدة على التقسيم المعرفي المبني على استنفار مزيج من الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم النفس السياسي، لفهم ما يجري في ثنايا الثقافة السياسية.

تعبر المظاهر السلوكية التي كشف عنها تحليل محتوى المعطيات، عن عوامل كامنة في الثقافة الاجتماعية تساهم بلا هوادة في إضعاف تراكم المشاعر المدنية التي تتأسس عليها مفاهيم الحق والحريات المدنية. ويبدو أن الذاكرة الجزائرية والمغربية، لا تزالا مفعمتان، كما رأينا، بالمصفوفات الموقفية للنوازع الفطرية، حيث تتعارض المشاعر المنبثقة عنها مع متطلبات التعاقد الاجتماعي. وإذا كان ثمة من مبدأ يهيكل هذا الأخير بشكل بنيوي، فهو مبدأ الالتزام الأخلاقي بعدم الإتيان بكل ما من شأنه تقويض حريات الآخرين وحقوقهم المشروعة.[21] وهذا هو جوهر الحرية المدنية التي تتعارض بكثافتها الأخلاقية والقانونية مع مفهوم الحرية الطبيعية كنزوع فطري ما–قبل تعاقدي لا يستحضر الشرط الأخلاقي لوجود الآخر.[22]

أمام تراكم ظواهر خرق التدابير الصحية من طرف المغاربة، اعتبر بعض المثقفين في بعض الندوات التي نُظمت عن بعد، بأنه يمكن تفسير تلك الظواهر بارتفاع حجم التطلع إلى الحرية والتحرر لدى المجتمعات المغربية، مستشهدين بارتفاع وتيرة الاحتجاجات، ونقد المؤسسات السياسية وعدم الثقة فيها. غير أن هذا الاستدلال لا يتمتع في نظرنا بصلاحية أمبيريقية عميقة لعدة أسباب، من بينها أن الدوافع للاحتجاج في شمال إفريقيا تبرره دوافع العدالة الاجتماعية والمساواة أكثر ما تبرره دوافع الحرية، ثم إن عدم الثقة في المؤسسات السياسية يوازيه ثقة كبيرة في المؤسسات السياسية السيادية كالجيش مثلًا.[23] وهو ما يطرح إشكالية النزوع نحو الحريات المدنية وحقوق الإنسان في نفحتها الليبرالية.

ليس ثمة اختلاف كبير بين البلدين في منسوب التطلع إلى الانعتاق ومعانقة الحريات المدنية في مفهومها الليبرالي [24].  وهو ما يعني أن معظم المواطنين في المغرب والجزائر يتمركزون على مستوى القيم المتوسطة للمتغير المدروس. وتجدر الإشارة إلى قلة نسبة الأفراد الذين يرغبون حقًا في الانعتاق والتحرر في البلدين؛ غير أن عدد المغاربة الذين يتجمعون حول القيم الدنيا لهذا النوع من الحريات، أقل نسبيًا من نسبة الجزائريين. وبصرف النظر عن هذه الملاحظة، فإن الفروق بين المجتمعين غير دالة إحصائيًا كما يدل على ذلك اختبار t-test: (t-test=- 0,81 ; p>0.05).

يفيد عنفوان خطاطات الحرية الطبيعية كما تجسدت في زمن الجائحة، فشل التنشئة الاجتماعية في نقل الإنسان من سجل التقارب الطبيعي إلى سجل التكامل الوظيفي. وتستقي تلك الخطاطات ديناميتها في هيمنة ثقافة الأدغال على حساب ثقافة البستان في إعداد النشء لمجريات الحياة الاجتماعية ورابطة العيش المشترك. وتقتضي ثقافة البستان حسب تصور إرنست غيلنر،[25] استثمارًا من الناحية المادية والزمنية في العناية الجمالية بالنشء وفق خطط مدروسة، من خلال سقيه وتشذيبه وتقويم اعوجاجه والانتباه لسلوكه، تمامًا كما يجري مع النباتات في الحدائق العامة الراقية. ومما لا شك فيه أن الحرية المدنية لا تنفك تتوقف على هذا الصنو من الترتيبات الهندسية–الزراعية، بينما يترك النشء في ثقافة الأدغال عرضة لحوادث الطبيعة والاجتماع، على شاكلة الدغل الذي يتوقف نموه على الأمطار غير المنتظمة وتقلبات المناخ. وإذا كان ثمة من درس يمكن استنتاجه من استعارة غيلنر هذه، فهو أن الأخلاق المدنية تنمو رويدًا رويدًا في ظل ثقافة البستان، مثلما ينمو الجسد بشكل متوازن من الناحية الفسيولوجية.

لا يتطلب التعاقد السياسي فقط انخراطًا جسديًا في الكتلة الاجتماعية أو التزامًا موقفيًا إيجابيًا تجاه منظومة الخطاب العلني الذي يتأسس عليه، ولكنه يفترض بالضرورة مستوىً معينًا من التنشئة القانونية و النمو الأخلاقي، مما يسمح بجعل الالتزام حسًا سياسيًا داخليًا، في مأمن من سطوة الأهواء والنوازع الفطرية. وإذا كان التعاقد يفترض أن يكون المرء كما يعتقد راولز عقلانيًا، أي قادرًا على إدراك النتائج المباشرة وغير المباشرة لأفعاله، ومعقولًا،[26] بمعنى إدراكه الضرورة الأخلاقية لسلوكه وحسابه لنتائجها السلبية والإيجابية على الاجتماع والغيرية؛ فإن الظواهر الجمعية والفردية المخلة بالتدابير الوقائية تعبر عن حسابات المصلحة الخاصة على حساب التعاون الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن التعامل بهذا المنوال مع الوباء المستجد، يعكس ضعفًا واضحًا في الحساسية الأخلاقية إزاء الغيرية. وهو ما يدل عليه منسوب التمركز حول الذات في المواقف التي تم رصدها عند المغربيين والجزائريين.

تنظر الأدبيات في علم النفس المعرفي والأخلاقي إلى التمركز حول الذات، كعلامة على ضعف نمو كفاية الاستدلال الأخلاقي[27] التي ترتبط عادةً –بشكل متواز– بالنمو المعرفي للأفراد.[28] ويندرج التمركز حول الذات، ككفاية أخلاقية حسب لورانس كولبورغ، في الطور الأخلاقي ما قبل–التعاقدي، أي الطور الأدنى من ناحية نمو كفاية الاستدلال الأخلاقي والتي بموجبها تتحدد تصرفات الأفراد استنادًا إلى ما يترتب على أفعالهم من عقوبات أو مكافآت (المعاقبة التي تنتظرهم أو المتعة التي يحصلون عليها من خلال تصرفاتهم).[29] وتنسجم النتائج المتوصل إليها بخصوص ضعف الحساسية الأخلاقية مع مخرجات بعض الدراسات التي تبنت منحىً قياسيًا لكفاية الاستدلال الأخلاقي باستعمال مقياس جورج ليند.[30] يقول البروفيسور أحمد أغبال بخصوص علاقة التمركز حول الذات بالتنشئة التعليمية:[31]

«لا يشجع المنهاج الرسمي المُطبَّق في المؤسسات التعليمية بالمغرب على التفكير النقدي والمستقل. يتم انتقاء القضايا الأخلاقية المطروحة فيه بعناية وتُناقَّش من منظور ديني ضيق في أغلب الأحيان، ولا تتاح فيه الفرصة لمناقشة القضايا الأخلاقية المعقدة كالموت الرحيم وحرية الضمير مثلًا، إلا بشكل استثنائي. ومع مرور الوقت، يسيطر المنطق أحادي الجانب والمتمركز حول الذات على العقول، ويصبح من الصعب التعامل مع الوضعيات الأخلاقية المعقدة، وتتراخى القدرة على تفهم حجج الغير وتقديرها حق قدرها».

ويبدو بأن التمركز حول الذات يشكل متلازمة ثقافية يستعصي معها حضور الغيرية في الأفق التأويلي للذات المغربية. ولعل سرقة تجهيزات ومعدات من المستشفى الميداني الذي أقامته السلطات المغربية بمدينة بنسليمان، من طرف المتعافين،[32] تشكل دليلًا على كون الوعي الأخلاقي للمغاربة لم يتغير كثيرًا مقارنةً مع ما رصده إدوارد ويسترمارك خلال بداية القرن العشرين في أعماله الميدانية بالمغرب.[33]

التعاقد السياسي: حالة الطوارئ الصحية وسلطات الأزمة

يتطلب التعاقد من ناحية المبدأ، الالتزام بالمقتضيات الضمنية والصريحة للعقد من طرف المتعاقدين، ويستوجب بالمقابل على الدولة والنخب الحاكمة تأهيل المواطن، من ناحية التنشئة الاجتماعية والسياسية، لتجاوز المشاعر الفطرية المضرة بالاجتماع إلى الفضاء الرحب للسلوك المدني. مما يمكنها من تفادي النكوص إلى الأشكال الأولية للاجتماع، خاصةً في زمن الكوارث والمجاعات والأوبئة. وتفرض حالة الطوارئ على الدولة، احترام الحقوق والحريات الأساسية وجعل قراراتها حصريًا في خدمة الحفاظ على الصحة العامة. وهو ما يعني أنه ليس من حقها أن تستعمل ظرفية الطوارئ لاستغفال المواطنين وإحكام قبضتها على أنفاس المجتمع.

في العمق الثقافي لمفهوم النظام العام الوبائي

إن التمركز حول الذات وضعف منسوب الغيرية في الثقافة السياسية، كمستوى من نمو الحساسية الأخلاقية التي تم الكشف عنها في التربة السفلية للاجتماع، ما كان له أن يظل عند تلك العتبة الفطرية في وجود سياسات للتنشئة السياسية ومناخ للتسامح والتبادلية. ويلعب السياق السياسي–الاجتماعي دورًا بالغ الأهمية في تطوير البنيات الإدراكية والتقويمية للمواطنين، ذلك أن النمو الأخلاقي ليس عملية فطرية، وإنما هو نتيجة تفاعل بين الفرد والمجتمع بمؤسساته المختلفة.[34]

ويبدو أن الحفاظ على النظام العام قد ظل يعتمد في السياق المغاربي على استعمال القوة، أكثر من استناده على الإكراه الداخلي والانضباط الذاتي. وهو ما يعني أن التعاقد الاجتماعي السائد قد ظل عبر التاريخ، يعتمد على شاكلة عقد إذعان، يستمد من توماس هوبز مادته السياسية.[35] إن سطوة مشاعر الخوف من الموت على يد السلطة، قد ساعد على ترسيخ مفهوم سياسي للنظام العام يستوجب الخضوع بالقوة، عوض الالتزام الأخلاقي الداخلي. ولا شك أن الخروقات التي شهدها النظام العام الوبائي في مطلع القرن الحادي والعشرين، وتداعيات ذلك على مستوى تفشي الوباء، تنتمي إلى أعراض هذه المتلازمة ذاتها. فالتراخي في استعمال الإكراه الخارجي من طرف السلطة يصحبه، كما أتينا على ذلك في الجزء الأول من الدراسة، اتجاه نحو انتهاك مقتضيات النظام العام الوبائي بدون وخز الضمير. إن إصرار جهاز السلطة في السياق المدروس على إظهار القوة والتهديد باستعمالها، عوضًا عن اللجوء إلى الوسائل الناعمة للحصول على الخضوع السياسي بأقل تكلفة، قد ساهم في تثبيت نمو منسوب الأخلاق السياسية عند المستويات الدنيا لدى المحكومين.

لقد عاش الإنسان المغاربي منذ قرون ككائن حي، قادر إضافة إلى ذلك، على وجود سياسي في إطار ما يسميه إرنست غيلنر بالقبائلية الهامشية،[36] وظلت الدولة بالنسبة له أفقًا رمزيًا للتخيل أكثر منه سياقًا بيروقراطيًا للعيش السياسي. لذلك مازالت السيكولوجيا السياسية لمعظم المغاربة تستقي هويتها من الثقافة السياسية للانتماءات الفطرية. ومع السقوط في براثن الاحتلال الفرنسي، سوف يفقد التناسب بين ذلك الصنو من المشاعر وفضاء الاجتماع السياسي تماسكه البنيوي. لقد ساعدت التكنولوجيا الاستعمارية على طي المجال في أبعاده الاجتماعية والمجالية، مما مكنها من إحكام قبضتها على أنفاس المجتمع.

وإذا كانت سياسة فرنسا في الجزائر قد استثمرت كثيرًا في تغيير البنيات الاجتماعية والثقافية بشكل جذري لأهداف معروفة،[37] فإن الأمر بات مختلفًا في المغرب، حيث سياسة الحفاظ على البنيات الرمزية والاجتماعية مع إيلاء الجوانب التنظيمية والبيروقراطية أهمية بالغة.[38] لذلك، كان من المفترض أن تختلف مسارات الثقافة السياسية في البلدين، بالنظر إلى مفارقات التاريخ الاستعماري.[39] ولكن، حين يتم فحص ردود أفعال المواطن العادي في المغرب والجزائر، تجاه القضايا السياسية والثقافية والجنسية،[40] لا يلمس وجود فروق كبيرة. ما يعنى أن سلطات البلدين بعد الاستقلال، قد نهجت السياسة نفسها تقريبًا، فيما يتعلق بالسياسات الثقافية والتربوية المتعلقة بالتنشئة السياسية.

لقد تأكد للقائمين على أمور الحكم في البلدين أهمية الحفاظ على منظومة النوازع الفطرية؛ من أجل استعمالها في التقسيم السياسي للمعارضين كلما استوجب الأمر ذلك، وما فتئوا يعتبرون التشبع بالحريات والمشاعر المدنية علامة سياسية على تجاوز المجتمع للدولة من زاوية الثقافة السياسية. ولكن غاب عن منظورهم بأن منظومة المشاعر الأولية يمكنها الإجهاز على الأخضر واليابس. ولعل ما يحدث في ليبيا، ولبنان، والعراق، أي في سياقات الدولة الهشة عمومًا، بمثابة دليل على القوة التدميرية للغضب الفطري مقارنةً بالغضب المدني.

ليست علاقة النوازع الفطرية بالنظام العام الوبائي سوى مظهر بسيط من المظاهر الاجتماعية والسياسية التي تنبعث من حين لآخر من عمق الاجتماع السياسي الدفين. وهي مظاهر تؤكد فشل الدولة المغربية في الانتقال بالمجتمع إلى سجل الحداثة والمعاصرة. يقول جان جاك روسو:[41]

«يجب على من يتجرأ على تأسيس شعب أن يشعر بأنه قادر على تغيير الطبيعة الإنسانية وأن يحول كل فرد، إلى جزء من كل أكبر، يستمد ذلك الفرد منه حياته ووجوده على نحو ما،… وأن يضع محل الحياة الجسدية والمستقلة التي تلقيناها جميعًا من الطبيعة، حياة نسبية وأخلاقية… وبقدر ما تموت تلك القوى الطبيعية وتتلاشى وتنمو القوى المكتسبة وتدوم، تكون المؤسسة متينة وكاملة… آنذاك، يمكن القول بأن التشريع قد سار إلى أعلى ما يمكن بلوغه من الكمال».

يفيد هذا الاقتباس الذي يصب في قلب الاجتماع السياسي في الدول التقليدية، بأن التوتر بين الطبيعة والثقافة، ليس مجرد صراع بين الأمزجة، ولكنه توتر بين المؤسسات الاجتماعية المفعمة بالمعاني المتناقضة. وهو ما يعكس جسامة العمل الذي يقع على عاتق المشرع فيما يتعلق بصهر الطبيعة في الحياة المؤسساتية.

كانت الجزائر تقريبًا أكبر بلد يسدل ستار الاستقلال بعد مئة وثلاثين سنة من الاستعمار الفرنسي، وكانت تؤرقه مشكلة الهوية وبناء الشخصية الوطنية على أسس تقليدانية جديدة.[42] مما فتح الباب على مصراعيه أمام تأسيس التعاقد السياسي بعد التحرير الوطني، على آمال ووعود أقل واقعية، لضمان التعبئة الشعبية والتأهب الاجتماعي. فكان الضرب على أوتار المشاعر الأولية في بناء الهوية والذاتية الجماعية، سياسة واقعية نهجها العسكر خلف قناع التوجهات الاشتراكية المعلنة. وهو ما شكل بوتقة للنكوص إلى السياسات الذاتية والجوهرانية، حيث إعادة تأويل التراث وتفعيل الانتماءات الأولية في إطار شبكات واسعة من الرعاية والزبونية.[43] لم يكن المغرب أحسن حالًا من الجزائر في ذلك. فإذا كان قدر الملكية الدفاع عن التحديث أو على الأقل أن تبدو كذلك، كما يقول هنتنغتون،[44] فإن إذكاء جرعة السياسات التقليدية وتحفيز الروح المناطقية والانقسامات الفطرية، قد ظلا عملة رائجة حتى بداية الألفية الثالثة.

لم تستطع السلطات في هذين البلدين اللذين سيطر عليهما هاجس الجار المعادي بشكل مرضي، أن تصنع المواطن بالمعنى الثقافي–النفسي للكلمة وليس بالمعنى القانوني. ولذلك تكاد تنطبق عليها المقولة القائلة بأنه من السهل أن تصنع إيطاليا؛ ولكن من الصعوبة صنع الإيطاليين. لقد جعلت التعاقد السياسي معلقًا إلى مُثل ميتافزيقية مثل الدين والهوية وقضايا قومية، أبعد بكثير عن مقومات الحداثة السياسية. شكلت الهوية الدينية واللغوية قطبي الرحى في هذه العمليات السياسية؛ وهو ما جعل الاجتماع السياسي يعج بمظاهر النكوص إلى المشاعر الأولية. وقد ساعد على ذلك، خيبات الأمل وزوال الانبهار بالحياة السياسية والحزبية، كما ساهمت ضآلة القيمة الرمزية للنخب السياسية وتراجع أبهتها، في فقدان الأمل في الخلاص عن طريق الممارسة السياسية.

هكذا يمكن للمرء فهم السيرورة التاريخية للإساءة السياسية للتعاقد السياسي في المغرب والجزائر؛ وهي الإساءة التي حالت دون انتقال الشرائح الواسعة من المجتمع إلى فضاء المشاعر المدنية المصحوبة بالنمو الأخلاقي. فالتثبيت التاريخي للنوازع الفطرية وتشجيع الجوهرانية، لا يفسران فقط ما حدث من خروقات للنظام العام الوبائي وما يمكن أن يحدث في المستقبل، في وضعيات من الأزمات المماثلة التي تتطلب مفهومًا عميقًا من الاتجاهات والمواقف المدنية، ولكن يفسران أيضًا مسارًا طويلًا من التصرفات السياسية، أبان عن بعض من مثالبه في علاقة الحاكم بالمحكوم في زمن جائحة كوفيد 19. ويعني ذلك أن السياسة في الحاضر، لا تنفصل مطلقًا عن السياسة في الماضي على الأقل في الفضاء المغاربي.

الاستثناء والحريات السياسية في زمن الوباء

يقوم التعاقد السياسي على افتراض وجود تناغم طبوغرافي بين النظام العام والحريات الأساسية، أي بين السياسة والنظام القانوني الذي يحمي تلك الحريات. ويقع على عاتق القائمين بالأمر كما يرى والتر بنجامين، تجنب انزلاق الاجتماع السياسي، ما أمكن، نحو حالات الطوارئ والاستثناء.[45] ولكن لا يبدو أن السلطات السياسية تطمئن إلى هذا التناسب المزعوم بين النظام العام والنظام القانوني. فقد عرفت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سطوة قوانين الطوارئ والأحكام العرفية لمدد طويلة، معبرةً بذلك عن أسبقية النظام على القانون.

وبصرف النظر عن الضرر الذي لحق بالحق في الصحة والحقوق الاجتماعية الأخرى في ظل الجائحة،[46] فإن النزر المعترف به من الحريات السياسية قد تعرض هو الآخر لانتكاسة ملحوظة؛ حيث تم توظيف الضرورات الصحية للنظام العام لتعليق السريان الطبيعي لمنظومة الحقوق والحريات، وهو ما ساعد بدوره على إقحام الاستثناء في قلب منظومة القانون، عوضًا عن اعتبارها نشازًا سياسيًا ينتمي إلى فضاء اللاقانون.[47]

في الجزائر، التي ظل الحراك فيها يهدد مشروعية أركان الحكم ويشجب مناورات الانتخابات الرئاسية، مطالبًا بالتغيير الحقيقي، تصرفت سلطات الطوارئ اتجاه الناشطين وفق ما يسميه كارل شميت بالديكتاتورية المفوضة،[48] لكبح جماح الحراك وتجميد أنشطة المجتمع المدني، في الوقت التي كانت تغض الطرف عن الخروقات المدنسة للنظام العام الوبائي.

لقد ساهم الدفع بضرورة الحفاظ على سلامة الاجتماع من الوباء نحو صدارة الخطاب الرسمي، إلى إضفاء صبغة قانونية على التدابير الاستثنائية، على الرغم من كونها تطرح إشكالات عميقة على مستوى الشرعية الدستورية والديمقراطية. وشكلت حالة الاستثناء تلك، ثغرة في علاقة القانون بالواقع، تم تبريرها من خلال الضرورة التي لا تعرف القانون فحسب، ولكنها في الوقت نفسه تخلق قانونها الخاص. والواقع أن هذه الضرورة قد ظلت دومًا تشتغل في الجزائر بشكل حثيث، حينما يتعلق الأمر بالتحركات الاحتجاجية ضد سياسات النظام العسكري الذي يختبئ وراء واجهة سياسية مدنية.[49]

إن الحراك الذي نظم مسيرات احتجاجية منذ شهر فبراير من العام الماضي ونجح في الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وبشخصيات كانت في مناصب المسئولية، سرعان ما وجد نفسه مطوقًا بوباء كورونا الذي وظفته الدولة سياسيًا لتكميم أفواه النشطاء. لقد اغتنم النظام الجزائري فرصة الحجر الصحي المفروض في منتصف شهر مارس لقمع الاحتجاجات وفرض القيود على الاجتماع السياسي الغاضب، كما لجأ أيضًا إلى تعديل القانون الجنائي لشرعنة انتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة. وقد شكل الوباء ظرفية ملائمة للمخابرات الجزائرية وأجهزة الأمن لملاحقة المناضلين والتضييق على حرية التعبير. فنتج عن تلك الملاحقات العديد من الاعتقالات التي شملت أصحاب المقالات و التدوينات المنتقدة للسلطات على مواقع التواصل الاجتماعي.[50]

في المغرب، ومع بداية انتشار الحالات الأولى للعدوى، استعادت الدولة جزءً من رأسمالها الرمزي في المخيال الاجتماعي وذلك من خلال الدور الذي لعبه الإعلام العمومي في تسليط الضوء على أدوار الشرطة الإدارية وأجهزة السلطة في محاربة الوباء، وكذلك من خلال الدعم المخصص للفئات الهشة، بالرغم من التهافت وغياب العقلنة التي ميزت هذا الإجراء الذي بدا للبعض بأنه انتقائي. غير أنه اتضح فيما بعد بأن أجهزة الدولة تسير بسرعات متفاوتة في مواجهة الوباء. فبينما كانت الدولة العميقة متراصة ومتماسكة، ظهرت المؤسسات التمثيلية والمجالس المنتخبة التي انتخبها المواطنون في أسوء حالاتها. فقد اختفى من على وجه الأرض عرابو الانتخابات وتجار السياسة، وبقي الطبيب والممرض والشرطي والقائد والجندي في مواجهة مباشرة مع تداعيات الجائحة، تحت أشعة الشمس الحارقة. هذه هي الصورة التي شكلها المغاربة عما يجري في بلدهم حينما فوجئوا بالحكومة التي يقودها الإسلاميون تعد في الخفاء مشروع قانون تكميم الأفواه (مشروع قانون 22.20 ).

ففي الوقت الذي كانت منظمة الصحة العالمية تتحدث عن إجبارية ارتداء الكمامات للحد من انتشار فيروس كورونا، عبرت الحكومة المغربية من خلال مشروع القانون المذكور، وبسرية تامة، عن رغبتها في تكميم الأفواه والحد من حرية الرأي والتعبير. يدعو القانون المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة إلى «معاقبة كل من دعا أو حرض علانيةً على مقاطعة بعض المنتجات أو الخدمات، وسحب الأموال من مؤسسات الائتمان أو الهيئات المعتبرة في حكمها، ونشر أخبارًا زائفة متعلقة بالتشكيك في جودة وسلامة بعض المنتجات والبضائع، بعقوبة تتراوح بين الغرامة والحبس تصل مدته إلى ثلاث سنوات».

ويأتي مشروع القانون حسب المراقبين، لمنع النشطاء من الدعوة إلى مقاطعة المنتجات التجارية، على غرار ما وقع أثناء حملة مقاطعة ثلاثة منتجات حيوية، شركة الحليب، وشركة الماء المعلب، وشركة إفريقيا لتوزيع الغاز التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال المغربي ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وزير الفلاحة.

انتظرت الحكومة زمنًا استثنائيًا للمصادقة على مشروع القانون، ليصير قانونًا تعتمده السلطات التنفيذية في المحاكم لإصدار العقوبات. وقد تمت المصادقة يوم 19 مارس على المشروع في المجلس الحكومي، في غفلة عن الجميع، وهو اليوم نفسه الذي أُعلنت فيه حالة الطوارئ لمواجهة جائحة كوفيد 19. وعلى غير العادة التي تُحتم خضوع النصوص القانونية لاستشارة واسعة من طرف القطاعات الحكومية، حيث تُنشر في موقع الأمانة العامة للحكومة لتنوير الرأي العام وتمكين الفاعلين من إبداء الرأي فيها قبل المصادقة عليها، عُرض هذا النص «المستعجل» في آخر لحظة على مجلس الحكومة. وبعد ذلك، تم تسريبه في غفلة من المدافعين عنه، مما أشعل منصات التواصل الاجتماعي ضد مكونات الحكومة.

يشكل هذا الفعل الحكومي علامة قاتمة من زاوية ما يسمى في الأدبيات الديمقراطية بالعدالة المسطرية،[51] حيث يقوض في الوقت ذاته مبادئ العمومية والشفافية، كما أنه يستغل سلطات الأزمة المخولة بموجب حالة الاستثناء، لإعداد تشريعات لا علاقة لها بالطوارئ الصحية. وهو ما يشكل خداعًا سياسيًا عاريًا واستغفالًا للكتلة الناخبة من خلال تجريد الجمهور السياسي من حرية التعبير وحقه في استعمال ملكة الحكم في تقدير الأشياء والأفعال. ومما لا شك فيه أن مشروع القانون ذاك، يشكل انتكاسة في منظومة الأخلاق–السياسية للنخب السياسية التي تحتل قمة الهرم السياسي في البلاد.

هناك وقائع سياسية متعددة تسيئ للحريات ولا تقف عند مشروع القانون الذي تعرضنا له سالفًا. في هذا الإطار، اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات المغربية بمراقبة هواتف النشطاء والتنصت عليهم وانتهاك خصوصيات الأشخاص بدون ترخيص قضائي، إضافةً إلى توظيف المسائل الجنسية كأساس لمتابعة الناشطين.[52] وبالرغم من نفي السلطات المغربية، فإن هذا الصنو من الممارسات في حالة حصولها، تخاطر بجعل الاجتماع في مهب الريح. إن جعل الاجتماع ينخرط في نوع من المراقبة المتحركة، والتي تتجاوز فعاليتها المجالية، بشكل كبير ما تصوره ميشال فوكو وجيريمي بنتام بخصوص الهندسة المعمارية للسجون (البانوبتيكون)،[53] لهو أمر ينذر بالخطر فيما يتعلق بالحريات الشخصية للأفراد. فالانخراط الطوعي في العروض التكنولوجية والرقمية المتعددة، يعرض الفرد لما يسميه باومان بـ«المراقبة السائلة»[54] والتي تستفيد منها السلطة السياسية في عملياتها الاستباقية ضد من تصفهم بمهددي للنظام العام.

خاتمة

لقد ظلت حقيقة الاجتماع السياسي في المغرب والجزائر، تترنح خلف الأقنعة المؤسساتية التي خلفها الاستعمار، وتختفي وراء المساحيق التي ما لبثت الدولة الوطنية خلال ما يقارب ستين سنة، تضفيها على واجهة الترتيبات الديمقراطية المزعومة. لقد أدرك الجميع، من حاكمين ومحكومين، في قرارة أنفسهم بأن جذور المشاكل التي كان عليهم مواجهتها، لم تكن بتلك السطحية التي تم الترويج لها خلال صراع النخب ضد الاستعمار الفرنسي. وبالرغم من ادعاءات النجاح في بناء الدولة العصرية، فإن خطاب الإصلاح لم يختف من أجندة النخب السياسية والاقتصادية الحاكمة، على الأقل حتى تفشي وباء كورونا.

شكل الوباء اختبارًا حقيقيًا للمنجزات التي ما فتئت الحكومات تفتخر بها في البلدين، وتقويمًا لمدى صلابة التعاقد السياسي ورسوخ رابطة العيش المشترك من الناحية الأخلاقية والثقافية. فقد كشف تحليل بعض الوقائع والأحداث والتصرفات السياسية، هشاشة منسوب إدراك حقوق الغيرية لدى المواطن المغاربي قيد الدراسة. وهو ما يشكل دليلًا على فشل سياسات التنشئة السياسية والاجتماعية في نقل الاجتماع من سجلات الجوهرانية إلى الأخلاق المدنية اللائقة بالمواطنة المنشودة. ومما لا شك فيه أن المظاهر التي يمكن وصفها كنزوع مرضي في علاقتها بالنظام العام الوبائي، تغترف من تلك السجلات الفطرية دوافعها الحقيقية وتعيق معانقة العقلاني والمعقول كأفقين أخلاقيين للاجتماع الديمقراطي.

أما فيما يتعلق بالدولة، فقد اتضح بالملوس بأن السياسات المنتهجة على مدى نصف قرن وأكثر، تكاد تدفع الاجتماع إلى الباب المسدود، خاصةً في الجزائر الغنية بالثروات الطاقية. ويحيل تحليل الممارسات السياسية لمنظومات الحكم في زمن الوباء، إلى أن الدولة المغربية قيد الدراسة، لم تتخلص من عقدة كارل شميث في تحديده للسياسي وفق ثنائية الصديق والعدو. مما ينعكس سلبًا على تكريس الحقوق والحريات السياسية والمدنية. ويبدو بأن النخب السياسية لا تبالي بوخز الضمير في الاستغفال السياسي للعامة، مما جعلها توظف لعنات الطبيعة في كبح جماح التطلعات السياسية المطالبة بالتغيير.

ولكن هذه الدول لا تشكل في الواقع استثناءً سوداويًا في الجغرافيا السياسية والثقافية للعالم، فحتى الدول المتقدمة عرفت ظواهر من هذا النزوع إلى خرق النظام العام الوبائي. وبصرف النظر عن اختلاف الأسباب بين المجتمعات في هذا الشأن، فإن رُقي المشاعر المدنية لا يمنع من النكوص إلى النوازع الفطرية في الفترات العصيبة من تاريخ المجتمعات. وربما يرتبط ذلك حسب باحثين من أمثال سلافوي جيجيك إلى خصائص مرتبطة بالطبيعة البشرية التي اختُلف كثيرًا حول تحديد ماهيتها في الأوساط العلمية والفلسفية.

[1] أغامبن، جورجيو (2010). حالة الاستثناء (State of Exception). شيكاغو: مطبوعات جامعة شيكاغو، 38-39.
[2] جوانيون، ألفريد (2004). من أجل سوسيولوجيا معرفية للكفاية السياسية (Pour une sociologie cognitive de la compétence politique). مجلة بوليتيكس، 65، 150-173.
[3] تم الاعتماد بشكل رئيسي على الفيديوهات المتعلقة بكورونا التي تبثها على اليوتيوب قناة النهار تي في في إطار برنامجها المعروف «صريح جدا». راجع على سبيل المثال تفاعل الإنسان الجزائري مع خبر وصول الوباء إلى الجزائر، في هذا الفيديو. تاريخ الاطلاع 2 أغسطس 2020، https://www.youtube.com/watch?v=LUykrMQn7RE
[4] راجع على سبيل المثال الفيديو التالي كنمودج من الفيديوهات التي توثق لخروقات النظام العام الوبائي. تاريخ الاطلاع 15 يوليو 2020، https://www.youtube.com/watch?v=sxjs66DUn1Q
[5] ماك أرثور، لورا ودهاناسيكارن، ساكتيفال وأتايد، ريكاردو وفليسيا، شان وريتشارد، جاكس وشارل، ناراه (2020). كوفيد 19: مراجعة منهجية وأدبية لانتقال العدوى، تعاريف الحالة، التدبير والتجارب السريرية (COVID-19; Systematic and literature review of transmission, case definitions, clinical management and clinical trials). تاريخ الإطلاع 16 أغسطس 2020،https://www.medrxiv.org/content/medrxiv/early/2020/05/20/2020.05.14.20102475.full.pdf
[6] باومان، زيجمونت (2016). الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. الطبعة الأولى. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
[7] إنغلهارت، رونالد وكريستيان، ويلزل (2005). التحديث، التحول الثقافي والديمقراطية (Modernization, Cultural Change, and Democracy). كامبردج: مطبوعات جامعة كامبردج.
[8] غيرتز، غليفورد (2009). تأويل الثقافات: مقالات مختارة. ترجمة محمد بدوي. الطبعة الاولى. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 474.
[9] كودليي، موريس (1986). المادي والعقلي: الفكر، الاقتصاد والمجتمع (The Mental and the Material, Thought Economy and Society). لندن: فيرسو، 27-70.
[10] نقلا عن النيابة العامة المغربية، تاريخ الاطلاع 20 أغسطس 2020، https://assahraa.ma/web/2020/148743
[11] راجع الموقع الإلكتروني. تاريخ الاطلاع 21 أغسطس 2020 ،، http://www.aps.dz/ar/regions/87870-1922
[12] راجع بعض المواقع الإلكترونية المتعلقة بالموضوع. تاريخ الاطلاع 25 يوليو 2020، www.mc-doualiya.com/articles/20200710-أطباء-الجزائر-يحذّرون-من-سيناريو-كارثي-لجائحة-فيروس-كورونا-بالبلاد https://ar.hibapress.com/details-221089.html
[13] راجع موقع الدكتور أغبال على الفيس بوك، تاريخ الاطلاع 20 أغسطس 2020، https://www.facebook.com/profile.php?id=100013694730025
[14]  راجع الموقعين الإلكترونين، تاريخ الاطلاع 8 أغسطس 2020،    https://arabic.euronews.com/2020/07/28/eu-to-remove-algeria-and-morocco-from-list-of-countries-allowed-to-enter-eu http://istitmar.net/archives/85704
[15] كرانوفيتر، مارك (1973). قوة الروابط الضعيفة (The Strength of Weak Ties). أميركان جورنال أوف سوسيولوجي، 78(6)، 1360-1380.
[16] كوشلر، تيريزا ودومنيك، روسيل و ستروبيل، جوهانس (2020). ارتباط الانتشار الجغرافي لكوفيد 19 ببنية الشبكات الاجتماعية كما تم قياسه اعتمادًا على الفيس بوك (The geographic spread of COVID-19 correlates with structure of social networks as measured by Facebook). تاريخ الاطلاع 09 أغسطس 2020،  https://arxiv.org/pdf/2004.03055.pdf
[17] راجع الفيديو، تاريخ الاطلاع 28 يوليو 2020،  https://www.youtube.com/watch?v=FFaL0RQih70
[18] معطيات شخصية تم تجميعها من طرف الباحث خلال مارس، أبريل، مايو ويونيو 2020.
[19] ريكور، بول (2003). الذات عينها كآخر (Soi même comme un autre ). باريس: منشورات سوي.
[20] يميز مارتن هيدغر بين الوجود الإنساني الأصيل والوجود الإنساني الزائف؛ وبينما يتصور الإنسان الموت في سياق الوجود الزائف كحدث يصيب الآخرين وليس الأنا، يميل إلى تصور هذا الأخير كمشروع للموت، في إطار الوجود الأصيل. للاستزادة في هذا الموضوع، راجع:
شورون، جاك (1984). الموت في الفكر الغربي. ترجمة كامل يوسف حسين. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 262-272.
[21] كانط، عمانويل (2002). تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة   عبد الغفار مكاوي. كولونيا: منشورات الجمل.
[22] شراك، أندريه (2002). الطبيعة، العقل والأخلاق عند سبينوزا وروسو (Nature, raison, moralité dans Spinoza et Rousseau). مجلة الميتافزيقا والأخلاق، 35، 399-414.
[23] أغبال، أحمد (2007). الإسلام والسياسة وقضايا الإصلاح في المجتمع المغربي. الرباط: مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (غير منشور).
[24] راجع الموجة السادسة من المسح الدولي حول القيم على الموقع الإلكتروني، تاريخ الاطلاع 28 يوليو 2020، www.worldvaluessurvey.org
يطلب القائمون على هذا المشروع الإحالة على قاعدة البيانات وفق الصيغة التالية: World Values Survey Wave 6 2010-2014 Official Aggregate v.20140429. World Values Survey Association (www.worldvaluessurvey.org). Aggregate File Producer: Asep/JDS, Madrid Spain.
[25] غيلنر، إرنست (1983). الأمم والقومية (Nations and Nationalism). أكسفورد: بلاكويل، 50-52.
[26] راولز، جون (1996). الليبرالية السياسية (Political Liberalism). نيويورك: مطبوعات جامعة كولومبيا، 116-117.
[27] روزنبرك، شاون و دانا، وارد وشيلتون، ستيفان (1988). الاستدلال السياسي والبنية المعرفية: نظرة بياجية (Political reasoning and Cognition: A Piagetian View). مطبوعات جامعة دوك، 47-57.
[28] كولبورغ، لورانس (1981). مقالات حول النمو الأخلاقي (Essays on moral development). المجلد الأول: فلسفة النمو الأخلاقي. الطبقات الأخلاقية وفكرة العدالة (The philosophy of moral development. Moral stages and the idea of justice). سان فرانسيسكو: هاربر و راو بابليشرز.
[29] المرجع السابق نفسه، 17.
[30] ليند، جورج (2008). معنى وقياس كفاية الحكم الأخلاقي (The meaning and measurement of moral judgment competence). في دانيال فاسكو وويليس واين (محرران)، المنظورات الفلسفية والسيكولوجية المعاصرة في النمو الأخلاقي والتربية (Contemporary Philosophical and Psychological Perspectives on Moral Development and Education)، (150-220). كريسكيل: مطبوعات هامبتون.
[31] أغبال، أحمد بن حدو (2014). القدرة على الحكم الخلقي وكفايات المواطنة عند عينة من التلاميذ والطلبة الجامعيين بالمغرب. مجلة العلوم النفسية والتربوية، 15(4)، 583-617، 612.
[32] تاريخ الاطلاع على الموقع الإلكتروني 1 أغسطس 2020، https://www.maghress.com/chamalpost/37903
[33] ويسترمارك، إدوارد (1926). الطقوس والمعتقدات بالمغرب (Ritual and Belief in Morocco). الجزئين الأول والثاني. لندن: ماكميلان.
 [34] كولبورغ. مرجع سابق، 56
[35] شتراوس، ليو (1963). الفلسفة السياسية عند هوبز: أسسها ونشأتها (The Political Philosophy of Hobbes: Its Basis and Its Genesis). شيكاغو: مطبوعات جامعة شيكاغو.
[36] غيلنر، إرنست (2008)، قديسو الأطلس (The Saints of The Atlas). لندن: مطبوعات ترينتي، 2-3.
[37] ماينير، جيلبرت (2014). الجزائر والجزائريون تحت الاستعمار: مقاربة تاريخية إسطوغرافية (L’Algérie et les Algériens sous le système colonial. Approche historico historiographique). مجلة إنسانيات، 65-66، 13-70.
[38] ريفي، دانيال (1999). المغرب من ليوطي إلى محمد الخامس. الوجه المزدوج للحماية (Le Maroc de Lyautey à Mohammed V. Le double visage du Protectorat). باريس: منشورات دينويل.
[39] أسيموغلو، دارون و جونسون، سيمون وروبانسون، جيمس (2001). الأصول الاستعمارية للتنمية المقارنة: تحقيق أمبيريقي (The Colonial Origins of Comparative Development: An Empirical Investigation). أميركان إيكونوميك روفيو، 91(5)، 1369-1401.
[40] يمكن الرجوع في هذا الموضوع إلى المسح الدولي حول القيم الذي يقوده عالم السياسي الامريكي رونالد إنغلهارت: www.worldvaluessurvey.org
[41] روسو، جاك (1996). في العقد السياسي أو مبادئ الحق السياسي (Du contrat social, ou principes du droit politique). الباب الثاني. باريس: كتاب الجيب، 73.
[42] بورديو، بيار و عبد المالك، الصياد (1964). الاجتثاث. أزمة الفلاحة التقليدية في الجزائر (Le Déracinement. La crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie). باريس: منشورات مينوي،132.
[43] كوانت، ويليام (1969). الثورة والقيادة السياسية: الجزائر بين 1954 و1968 (Revolution and Political Leadership: Algeria, 1954-1968). كامبريدج، ماس: مطبوعات بريس، 285-303.
[44] هنتنجتون، صامويل (1966). التحديث السياسي للملكيات التقليدية (The political Modernization of Traditional Monarchies). ديدالوس،   95 (3)، 763-783.
[45] فيبر،صامويل (1992). الاستثناء من القرار: والتر بنجامين وكارل شميت (Taking Exception to Decision: Walter Benjamin and Carl Schmitt). مجلة دياكريتكس، 22(3-4)، 5-19.
[46] منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2020). الاستجابة لأزمة كوفيد 19 في بلدان شمال إفريقيا (Réponse à la crise du COVID-19 dans les pays de la région MENA ). تاريخ الاطلاع 24 يوليو 2020،  https://read.oecd-ilibrary.org/view/?ref=132_132631-pqw5ldhj9p&title=Reponse-a-la-crise-du-COVID-19-dans-les-pays-de-la-region-MENA
[47] أغامبن. مرجع سابق.
[48] شميت، كارل (2000). الديكتاتورية (La dictature). ترجمة ميرا كوهلر و دومنيك سيغلار. باريس: منشورات سوي.
[49] بندرا، عمرو فرانسوا، جيز و لبدجاوي، رفيق وسليمة ملاح (محررين) (2020). الحراك في الجزائر. ابتداع انتفاضة (Hirak en Algérie. L’invention d’un soulèvement). باريس: لافابريك.
[50] زوبير، يحيى وأنا جاكوبز، هل سيغير فيروس كورونا المستجد النظام السياسي في الجزائر، معهد بروكنز، 10 مايو 2020. تاريخ الاطلاع 12 أغسطس 2020،  www.brookings.edu/ar/opinions/هل-سيغيّر-فيروس-كورونا-المستجدّ-النظام.
[51] فاليري، كليمون (2009). اقتصاد السعادة، الاختيار الاجتماعي وتأثير نظرية العدالة (Economie du bien-être, choix social et l’influence de la Théorie de la justice)، مجلة ريزون بوليتيك، 33(1)، 57-79.
[52] منظمة العفو الدولية (2020). استهداف صحفي مغربي بهجمات حقن شبكات الاتصالات باستخدام أدوات مجموعة «إن إس أو». 22 يونيو. تاريخ الاطلاع 24 أغسطس 2020،  https://www.amnesty.org/ar/latest/research/2020/06/moroccan-journalist-targeted-with-network-injection-attacks-using-nso-groups-tools/
[53] فوكو، ميشال (1990). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: منشورات مركز الإنماء القومي.
[54] باومان، زيجمونت (2017). المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

Read this post in: English

اظهر المزيد

بن أحمد حوكا

أستاذ باحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله – المغرب، وتركز أبحاثه على موضوعات الثقافة السياسية والحركات الاجتماعية وكذا الاضطرابات السياسيىة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى