الحراك النسوي الجديد ضد العنف الجنسي في مصر 2011-2021

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تتناول المقالة أشكال الحراك النسوي ضد العنف الجنسي في مصر في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011 وحتى الأن. وتجادل المقالة بالأساس بخصوصية الحراك اللاحق لعام 2011 سواء فيما يتعلق بسرديات الخطاب النسوي أو ألياته المختلفة، معتبرةً أن ثورة يناير مثلت فضاءً ماديًا، وسرديةً كبرى سمحت بخلق مساحات حركة لفاعلات نسويات جديدات ومتعددات، ما سمح بدوره بإنتاج خطابات وأدوات جديدة لحراك نسوي واسع لا يفارق ما سبقه بالكامل ولا يمثل قطيعة تاريخية معه، وإنما يتضمن استمرارية الحراك السابق وتطويره في آن واحد. وقد اعتمدت المقالة منهجيًا على عدد من الأدوات البحثية كالأثنوجرافيا والمقابلات الشخصية، وكذلك الملاحظة بالمشاركة. وتخلص المقالة لتجاوز الحراك النسوي الجديد في مصر حاليًا مرحلة النضال من أجل الاعتراف بالقضية نفسها؛ ليطرح مسألة العنف الجنسي في المجال العام كموضوع للنضال الرمزي الطويل الأمد الذي يهدف لتغيير تصورات المجتمع حول ما تعانيه النساء من استباحة يومية في المجال العام.

مقدمة

طرحت الثورات العربية، والمسارات السياسية التي أنتجتها، أسئلة حول النوع الاجتماعي والجنسانية والعنف القائم على أساس النوع بشكل غير مسبوق في كافة دول ما سمي بالربيع العربي. فرغم انحسار زخم الحراك السياسي حاليًا، في أعقاب إعادة تأسيس صيغ مختلفة من السلطوية بشكل أو بأخر في معظم الدول التي شهدت انتفاضات شعبية في السنوات القليلة الأخيرة، إلا أن النقاش والتفاوض والحراك حول مشاركة النساء في المجال العام، وطبيعة أدوارهن فيه، وحدود تلك الأدوار لا يزال دائرًا في معظم دول الربيع، بما فيها مصر، والتي تشهد، برغم الإغلاق التدريجي للمجال العام منذ انقلاب عام 2013 وعودة السلطوية السياسية مرة أخري، حراكًا نسويًا مستمرًا يتجلى في عدد من المسائل التي تتراوح ببين السياسي والاجتماعي والقانوني. وتتنوع أشكال هذا النضال وتتباين بشكل كبير بدايةً بنضال عدد من الشابات؛ لأجل تولي مناصب قضائية في هيئات الدولة التي حرمت النساء من تولي مناصب بها.[1] وصولًا لمعارك قانونية تخوضها النساء والمجموعات النسوية لتجريم العنف الجنسي والتحرش في أماكن العمل وفي المجتمع السياسي والحقوقي عبر أدوات متعددة،[2] مرورًا بكافة المجموعات النسوية، سواء تلك العاملة على أرض الواقع أو في الفضاء الافتراضي، والتي تطرح قضايا خاصة بجنسانية الشابات وحقوقهن في الاستقلال والحركة والعمل. الأمر الذي جعل قضايا النساء محل صراع وجدل على مدى السنوات الأربع الماضية على مستوى مجتمعي واسع.

ويحق هنا طرح تساؤل أساسي يترتب عليه عدد من التساؤلات الفرعية؛ ما هي أسباب استمرار هذا الحراك وتصاعده وتعدد أشكاله، في ضوء أفول وانحسار معظم أشكال الحراك الأخرى المصاحبة لثورة يناير؟ ويترتب على هذا التساؤل الأساسي عدة تساؤلات فرعية لا تقل أهمية؛ هل يمكن اعتبار أشكال الحراك النسوي الصاعدة في مصر الآن، والتي جعلت من مسألة العنف الجنسي ضد النساء -خصوصًا في الفترة التالية على عام 2013- قضيتها الرئيسية، استكمالًا لحركة اجتماعية بدأت في مرحلة ما قبل ثورة يناير 2011؟ أم هل من الأفضل النظر إلى حراك ما بعد عام 2011 بوصفه حراكًا ذا طابع جديد أكثر جذرية وقاعدية؟، هل يعتبر تعميم القضايا النسوية ونشرها بين قطاعات أوسع من المجتمع، بشكل متزامن مع طرح خطابات وأدوات أكثر راديكالية، مثل الحملات الإلكترونية المنظمة أو الشهادات المجهلة من ناجيات من العنف الجنسي بحق شخصيات عامة في الوسط السياسي والثقافي والفني في مصر،[3] تطورًا نوعيًا في شكل وطبيعة الحراك النسوي في مصر، أم استمرارًا لما سبق من جهود وحملات دفاع ومناصرة كما كان الحال قبل عام 2011؟.

ويرتبط بالتساؤل حول جذور تلك الحركة وأسباب استمرارها ونموها أسئلة أخرى أكثر نظرية تتعلق بالصيرورة التاريخية والسياسية للحراك النسوي المصري المعاصر، وتعريف ما هو نسوي وما سياسي وما يجمعهما، بشكل تاريخي يتجاوز الأطر النظرية الضيقة المعتمدة من قبل بعض أدبيات الحركات الاجتماعية social movement theories. فرغم تنوع المداخل النظرية والأدبيات التابعة لهذه المدرسة التحليلية؛ إلا أنها لم تقدم أطر شارحة للحركات النسوية، في صيرورتها التاريخية والسياسية تحديدًا، وخاصةً في العالم الثالث. فحسبما أوضحت كل من فيرتا تاليور ونانسي ويتر، طرحت دراسة الحركات النسائية عددًا من التحديات النظرية لمعظم نظريات العلوم الاجتماعية منذ منتصف السبعينيات، خصوصًا حول كيفية تعريف سرديات وخطابات التغير الاجتماعي، والفرق بين النضال الرمزي والمادي والتغير الثقافي ونظيره البنيوي أو السياسي. الحراك النسوي والكويري عادةً ما يهدف لإعادة تعريف سرديات كبري حول بنية الأدوار الاجتماعية، وعلاقة ذلك بالبناء الاقتصادي والقانوني والسياسي للمجتمع، وهو ما يجعل موضع التغير وهدف الحراك أكثر طموحًا، وإن كان أكثر صعوبة وتعقيدًا من الكثير من الحركات الاجتماعية المطلبية أو حتى الرمزية المرتبطة بجماعات إثنية أو طبقة اجتماعية أو مهنية أو هوياتية بحتة، الأمر الذي يجعله عصيًا على التصنيف أحيانًا.[4]

ويزداد الأمر تعقيدًا إذا ما حاولنا إخضاع الحراك النسوي في مصر أو غيرها من دول الهامش لصيرورة تاريخية وسياسية محددة تلتزم بإطار المرحلة الزمنية أو الموجة. فبينما يمكن تقسيم تاريخ الحراك النسوي لعدد من المراحل والموجات المتصلة بفترات زمنية معينة؛[5] إلا أنه يصعب للغاية الفصل الكامل بين تلك الموجات أو المراحل إذا ما نظرنا لكل من أليات بناء خطاب الحركة وطرق العمل على الأرض والتأثير المتبادل بينهم، وخصوصًا فيما يتعلق بكيف تم تأطير وبناء مشكلة العنف الجنسي بحق النساء من جانب الفاعلات النسويات كمشكلة اجتماعية، وأيضا سياسية، وهو ما يرتبط بدوره بالوعي النسوي لأولئك الفاعلات. وهنا يمكننا رؤية تشابه واضح مع تطور وصيرورة الحراك النسوي بشكل مقارن، فعملية تطور وعي الفاعلات النسويات في مصر لا تختلف في طبيعتها كثيرًا عن عمليات تطور الوعي التي تمر بها الحركات النسوية عمومًا في سياقات شديدة الاختلاف. فلا يوجد وعي نسوي متبلور وواضح، وإنما يتشكل مثل هذا الوعي بشكل عملي بناءً على المعطيات التي تواجه كل حركة نسوية ناشئة، وهو ما يجعل الحركات النسوية بشكل عام حركات شديدة التنوع والاختلاف، وهو نفسه ما يدفع البعض أحيانًا للتشكيك بكونها حركات اجتماعية بالأساس.[6]

إلا أن ما يميز الحركات النسوية بشكل عام عن غيرها من الحركات الاجتماعية هو بالأساس العلاقة العضوية بين الخطاب والحركة؛ فخطاب الحركات النسوية عادةً ما يكون في شكل حملات تركز على موضوع واحد بعينه، ولكنه يحمل تراث ومفردات تتجاوز هذا الموضوع الواحد وتتصل بتراث نظري طويل حول النظام الأبوي والنوع الاجتماعي وارتباط كافة القضايا النسوية ببعضها البعض. إن ذلك التداخل قد جعل خطاب الحركات النسوية عادةً يتجاوز ما تطرحه في الواقع بشكل مباشر؛ أولًا نظرًا لكونها تخوض صراعات حول موضوعات رمزية تدخل في حيز الوعي بالذات، وثانيًا الوعي ببنية المجتمع وما تفرضه على الذات الفردية.[7] ويرتبط ذلك بشكل أساسي بكون الحركات النسوية عادةً ما تخوض صراعًا، ليس فقط مع النظام السياسي والاجتماعي كما هو الأمر مع باقي الحركات الاجتماعية، بل تصطدم كذلك بالبنية الأساسية للوعي الجمعي المتصل بالأدوار الاجتماعية للرجال والنساء، وكافة تجلياتها الثقافية والاجتماعية على المستوي الفردي والمؤسسي. فالحركات النسوية -أيًا كان موضوع نضالها- تسعى بالأساس لكسر الاعتيادية حول طبيعة الأدوار الاجتماعية نفسها، ما يجعل نضالها نضالًا ذا طبيعة خاصة. وقد عبر عن تلك الفكرة الفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو بقوله: «إن السيطرة الذكورية مغروسة في اللاوعي الجمعي عند البشر، وتحولت إلى عنصر غير مرئي وغير محسوس في العلاقات ما بين الرجال والنساء. وبالتالي ينبغي إخراج هذا اللاوعي، وتحويله إلى وعي يعيد كتابة التاريخ».[8] فالنضال من أجل تغيير الوعي، وهو نضال معنوي بالأساس، يدور حول تغيير معاني أساسية خاصة بالأدوار الاجتماعية، حتى لو اتخذ النضال حول تغيير هذه المعاني والأدوار أبعادًا أخرى، وحتى لو تقاطع مع أشكال أخري من النضال تركز على قضايا بعينها في سياق زماني ومكاني محددين.

يسعي هذا المقال لتحليل تلك النقاط من خلال التركيز على مفهومين رئيسين ساهما بشكل أساسي في بناء خطاب الحركة وتطوير آلياتها الحركية، وشكلا بشكل أساسي وجهات نظر الناشطين فيها عن دورهم عبر المراحل المختلفة لتطور الحركة، وهما: (أ) مفهوم الناجية وما صاحبه من طرح لقيم أوسع مثل التضامن النسوي التي بلغت ذروتها في إطار حملة إلكترونية تحت شعار «نصدق الناجيات» أطلقتها نسويات خلال صيف 2020، (ب) استخدام ألية الفضح العلني لمرتكبي جرائم العنف الجنسي، مع الاحتفاظ بحق الناجيات في المجهولية عبر ضمان حقهن في عدم الإفصاح عن هويتهن. ويشكل هذان المفهومان مفتاحان مهمان، من وجهة نظري، لفهم طبيعة الحراك النسوي الجديد ضد العنف الجنسي في مصر.[9]

وينطلق هذا المقال من فرضيتين أساسيتين، وهما أن ثورة يناير 2011 قد أفرزت موجة جديدة من الحراك النسوي، تتألف بالأساس من وافدات ووافدين جدد على العمل السياسي والعام في مصر، وكذلك من عدد من الفاعلات والمنظمات والمؤسسات القائمة بالفعل، واللاتي لعبن دورًا هامًا في تسيس قضايا النساء وتأطيرها، بشكل ساعد على انتشارها وتأثيرها في الحراك الثوري بشكل عام، رغم تهميشها أحيانًا من قبل بعض الفاعلين. وقد بدأت تلك الموجة منذ بداية الثورة نفسها؛ إذ لعبت النساء -وخصوصًا الشابات منهن- دورًا كبيرًا في الثمانية عشر يومًا الأولى للثورة المصرية. ولكن سرعان ما شعر عدد كبير من النساء بالتهميش، وبأن الترتيبات السياسية التالية على الثورة قد خلت من تمثيل حقيقي للنساء، سواء كمشاركات فعليات في الأطر السياسية المختلفة أو كتمثيل رمزي لقضاياهن واهتماماتهن. ويمكن القول بأن هذا التجاهل لدور النساء في الثورة قد ساعد على تكوين وعي جديد، وتحليل لوضعية الفاعلات والفاعلين في ثورة يناير من منظور نسائي أو نسوي. فقد اندمجت نساء مصر في الحراك الثوري، وتبلور حراك نسوي ضم أجيالًا جديدة من الشابات الوافدات على المجال العام. وتركزت أهم مطالب تلك الموجة من الحراك النسوي في البداية على موضوعين رئيسين وهما: (أ) المشاركة السياسية للنساء (من حيث الكم والكيف)،[10] (ب) حق النساء في مجال عام أمن، ومناهضة الانتهاك الجسدي بكافة أشكاله، وهو ما تركز عليه هذه الورقة بشكل خالص.

وهنا، يمكن اعتبار ثورة يناير قد مثلت فضاءً ماديًا وسرديةً كبرى جديدة سمحت بخلق مساحات لفاعلات نسويات متعددات، الأمر الذي سمح بإنتاج خطابات وأدوات جديدة لحراك نسوي واسع لا يفارق ما سبقه بالكامل، ولا يمثل قطيعة تاريخية معه، بل يشتمل كذلك على أوجه تقاطعات واستمرارية لما جاء قبل ثورة من أشكال مختلفة للحراك مثلت استمراريةً للحراك وتطورًا له في آن واحد. ويسعى المقال هنا لرصد الأشكال المختلفة التي اتخذها الحراك النسوي في مصر، والتي اتصفت بشكل لافت «باللامركزية» والتنوع في أدواته وأشكاله التنظيمية. ينقسم المقال إلى ثلاثة أقسام رئيسية وخاتمة. يستعرض القسم الأول بإيجاز تاريخ الحراك النسوي في الفترة التي سبقت عام 2011 مباشرةً؛ للوقوف على أشكال الحراك القائمة وقتها، وكيف تغيرت خارطة الفاعلين والأدوات والخطابات في الفترة التالية. أما القسم الثاني فيتناول الحراك حول قضية العنف الجنسي في المجالين العام والسياسي، ويعرض لبعض ملامح الخارطة الحالية للفاعلات النسويات اللاتي نشطن حول تلك القضية منذ عام 2011، والأطر والأدوات المختلفة التي طرحن بها مطالبهن، وأشكال الخطاب المستخدم وعلاقته بخطابات موازية محلية وإقليمية وعالمية، وكذلك أهم المحطات المفصلية في صياغة هذه المطالب. ويركز القسم الثالث من المقال على أهم الموضوعات والسرديات النسوية التي برزت مؤخرًا كجزء من الحراك النسوي الجديد ضد العنف الجنسي، متناولًا الخطابات والأدوات المختلفة التي استخدمتها الفاعلات النسويات بالتحليل، مع التركيز بشكل خاص على مفهومي الناجية والفضح العلني في مقابل مجهولية الناجيات كمفاهيم مركزية في الحراك النسوي في مصر. وأخيرًا، يُختتم المقال ببعض الملاحظات حول طبيعة الحراك النسوي الحالي في مصر ومستقبله، في ظل تصاعد مستمر للقمع وإغلاق المجال العام أمام المبادرات الأهلية بكافة أشكالها، وتأثير ذلك على خطابات الفاعلات النسويات.

المنهجية البحثية

تعتمد منهجية البحث في هذه الورقة على عمل ميداني معمق وطويل أُجري على عدة مراحل في الفترة من 2013 حتى 2018، بالإضافة إلى عدد من المقابلات والمتابعات التي أُجريت عامي 2019 و2020. ويعتبر العمل الميداني الذي اعتمد عليه هذا البحث جزءً من اثنوجرافية بحثية طويلة، أجريت كجزء من مشروع بحثي أطول هو مسودة كتاب حول الدولة والحراك النسوي في مصر وتونس في أعقاب الربيع العربي. وقد استخدمت لإعداد هذه الورقة عدد من المقابلات، التي تصل لنحو عشرين مقابلة بحثية أجريت مع نسويات مصريات من مختلف الأجيال، وتناولت بشكل خاص الحراك المناهض للعنف الجنسي، وكذلك على متابعة اثنوجرافية على الفضاء الافتراضي لعدد من الصفحات والمجموعات النسوية التي نشطت مؤخرًا، وذلك بهدف تحليل خطاب وأليات الحركة النسوية المعاصرة في مصر.

وإضافة لما سبق، فقد اعتمدت كباحثة على تقنية الملاحظة بالمشاركة من خلال تموضعي الشخصي، كوني باحثة وكاتبة نسوية مصرية ساهمت في بعض لحظات الحراك النسوي مصر منذ فترة ما قبل2011 وأيضًا في أعقابها. وبالتالي، فإن تموضعي الشخصي كباحثة نسوية مصرية تؤمن بتقاطع البحث الأكاديمي والعمل النسوي بشكل يستحيل الفصل بينه أحيانًا، لا يمكن إنكار تأثيره على العمل الميداني والاستنتاجات التي وصل إليها البحث في المجمل. ولكن برغم الميزة النسبية لموقع الباحثة، فإن هذا الموقع نفسه طرح عدة تحديات تتعلق بالتناقض بين دور الباحثة ودوري كإحدى المشاركات بفاعلية في كثير من أحداث الحراك التي أدرسها؛ فقد كان لدي بعض جمهور البحث تصورات مسبقة عن انتماءاتي الخاصة وأرائي الشخصية حول بعض الموضوعات التي طرحت أثناء المقابلات الشخصية نتيجة لمعرفة شخصية سابقة. وقد جعل هذا البعض يأخذ بعض ردود الفعل الدفاعية أثناء إبداء رأيهم وهو ما حاولت تلافيه بقدر الإمكان. ومع مرور الوقت، شعرت بأن معرفتي الوثيقة بمعظم الأشخاص والآراء والجدالات الدائرة في إطار الحركة لا يعني سوى إنني أعرف جانبًا واحدًا فقط من القصة، وهو ما أكد عليه بيكر وفوكنر في دراستهم الشهيرة عن موسيقي الجاز، والتي كان الباحثان منخرطين في مجتمع البحث نفسه كموسيقيين وليس كباحثين.[11] إن موقعي كباحثة وناشطة في الوقت نفسه، منح تلك الدراسة الميدانية ثراءً، وكشف، لي على الأقل، أهمية طرح العديد من تحيزاتنا جانبًا، خاصة عندما تكون لدينا معرفة حميمية بجمهور البحث.

الحراك السابق على يناير 2011: حراك ضمن منظمات غير حكومية ودولة محتكرة للقضية النسوية

اقتصر الحراك حول قضايا النساء في السنين التي سبقت ثورة يناير على صعيدين رئيسيين، أولهما عمل المنظمات الحقوقية، والثاني هو النضالات اليومية للنساء (الأفراد) في المجال العام ضد أشكال العنف أو التمييز المختلفة في المجالين العام والخاص بشكل غير منتظم، وخصوصًا في مجال التقاضي حول حقوق بعينها مثل التحرش الجنسي (قضية نهي رشدي عام 2008)،[12] وقضايا إثبات النسب (قضية هند الحناوي عام 2005).[13] ولم تبرز قضية العنف الجنسي بشكل لافت، كقضية محورية في الحراك النسوي في مصر، إلا في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وهنا يبرز دور المنظمات الحقوقية والنسائية التي تتبنى أجندة نسوية في إثارة المسألة. إذ كسرت الصمت حول قضية العنف الجنسي في المجال العام، والتي تفاقمت في هذا الوقت بشكل كبير.[14] كما لعبت تلك المنظمات دورًا كبيرًا في معظم حملات الدفاع والمناصرة الخاصة بدعم النساء اللواتي قمن برفع دعاوى ذات طبيعة حقوقية، كما سبق التوضيح، وكذلك توثيق تصاعد ظاهرة التحرش والعنف ضد النساء في المجال العام بكافة أشكاله. ويبرز هنا بشكل خاص دور مؤسسة مثل خارطة التحرش، والتي تعتمد على الرصد الإلكتروني لحوادث التحرش في مدينة القاهرة عن طريق تشجيع النساء، وأيضًا الشهود، على الإبلاغ على تفاصيل تلك الوقائع؛ بغرض وضع خريطة افتراضية ترصد أماكن وأوقات حوادث التحرش جغرافيًا وزمنيا.[15]

وقد عانى الحراك النسوي السابق على ثورة يناير من تحديين أساسيين: يتمثل الأول في احتكار رموز النظام السابق للحديث عن قضايا النساء وسيطرة كيانات وآليات دولاتية على الحراك النسوي، مثل المجلس القومي للمرأة، والذي تأسس في عهد مبارك كآلية من آليات تلميع النظام دوليًا. بينما يتمثل العامل الثاني في طرح قضايا المرأة من جانب أغلب العاملين في حقوق المرأة، كحقل واسع للاشتغال والمعرفة بوصفها قضايا «تنموية» أو «حقوقية» أو «ثقافية» بحتة. فباستثناء عدد قليل من المنظمات العاملة في حقوق النساء من منظور نسوي، مثل مركز دراسات المرأة الجديدة ونظرة للدراسات النسوية ومركز قضايا المرأة المصرية، فإن معظم المنظمات الأخرى عملت على القضايا النسوية بدون محاولة جادة لتسيس خطاب المرأة، وهو الأمر الذي لم يعد ممكنًا في أعقاب ثورة يناير 2011؛ نتيجة للتسيس المتسارع لقضايا النساء. ويقصد بتسيس حقوق المرأة هنا طرح قضايا النساء بشكل يتجاوز التعبير الحقوقي أو التنموي، أي طرح قضايا حقوق المرأة باعتبارها جزءً من توجه حقوقي عام يعني بحقوق الإنسان أو التنمية، وليس كقضية مستقلة بذاتها متصلة بحراك تاريخي يمكن رصد موجاته المختلفة تاريخيًا منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.[16] فإذا تتبعنا تطور طرح قضايا النساء في تلك الفترة، فإننا سنلاحظ على الفور أن معظم المؤسسات العاملة على تلك القضايا كانت تُصنف إما كجزء من الحركة الحقوقية الواسعة التي تنامت خلال السنوات العشرة الأخيرة من حكم مبارك، بدون محاولة حقيقية لطرح قضايا المرأة كقضايا سياسية، أي مرتبطة ببنية وطبيعة الدولة والمعارضة والصراع بينهم تاريخيًا في مصر، أو بتطور علاقة الدولة بالمجتمع كجزء من مشروع الحداثة السياسية والاجتماعية في مصر. فتسيس قضايا المرأة يرتبط بنمو حركة منفصلة عن حركة المعارضة السياسية الواسعة، وكذلك عن الحركة الحقوقية، وهو ما كان غير ممكن التحقق موضوعيًا في فترة حكم مبارك (1981-2011)، بينما أصبح أكثر إمكانية بعد ذلك لأسباب كثيرة سيتم شرحها بالتفصيل في الجزء التالي من هذا المقال.

ومن الجدير بالإشارة هنا أنه بجانب العمل التوثيقي للانتهاكات، والعمل البحثي في سد الفجوة الرقمية، حاولت بعض منظمات التي عملت على مسألة التحرش الجنسي قبل 2011 التأثير على الخطاب المجتمعي السائد حول تلك الظاهرة، وتأصيل حق النساء في الحركة، وحقهن في السلامة الجسدية والتحرر من العنف، وحقهن في اتخاذ قرارات تخص أجسادهن، وذلك في إطار أوسع من الدفاع عن حقوقهن الإنجابية والجنسية. كما تصدت بجهد كبير للخطابات الرجعية التي رافقت اشتداد الظاهرة، مثل خطابات لوم الضحية، التي تدين النساء وتحملهن مسئولية التحرش بهن إما بسبب الملبس أو مواعيد التواجد في المجال العام، أو حتى مجرد التواجد في هذا المجال العام. ورغم الجهد والطرح النسوي الجاد، فإن محاولات تلك المنظمات خارج الأنشطة التوثيقية والبحثية جاءت متواضعة للغاية. ورغم إمكانية القول بأن غياب البعد الجماهيري عن الحراك النسوي يعد سمة أساسية للحركات النسوية عمومًا -حتى على المستوي العالمي؛ نظرًا لما تطرحه تلك الحركات عادة من مسائل تثير حفيظة الميل السائد لدي المجتمع، وتربك البني الأبوية المحافظة المستقرة فيه، فإن هناك اختلافًا ضخمًا بين المستويات الرمزية والخطابية لهذا الحراك وتأثيرها بين مرحلة ما قبل ثورة يناير 2011 والمرحلة التالية لها. وربما كانت مسألة تفشي العنف الجنسي في مصر على مستويات مختلفة مدخلًا هامًا لفهم تعاظم تأثير هذا الحراك على المستوى المجتمعي، وعلى مستوى الرأي العام بشكل أكبر في مرحلة لاحقة.

عام 2005 شكّل نقطة فاصلة في تطور مسألة العنف الجنسي في مصر، فرغم أن ظاهرة استباحة النساء في المجال العام كانت قائمة قبل ذلك؛ إلا أن عدد من الأحداث المتلاحقة، بدءً من هذا العام تحديدًا، أسهمت بشكل كبير في تفاقم الظاهرة وازدياد الوعي بشأنها. فقد استأجرت الدولة حينها، في حادثة شهيرة عرفت لاحقًا بالأربعاء الأسود، بعض «البلطجية» للاعتداء جنسيًا على الصحفيات والناشطات المعترضات على التعديلات الدستورية. كانت مشاهد الصحفيات والناشطات وملابسهن ممزقة في الشارع صادمة للغاية وغير اعتيادية في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يتعد رد الفعل وقفة رمزية بالشموع وبملابس سوداء لبعض النشطاء، بينما لم تثر هذه الحادثة حفيظة السواد الأعظم من الناس.[17] ولم تتجاوز ردود الأفعال على تلك الواقعة نطاق دوائر الناشطين السياسيين والحقوقيين، وتعامل الجميع مع الحادثة باعتبارها جريمة سياسية تضاف إلى جرائم نظام مبارك. لم يع أحد وقتها المعنى الكامل لانتهاك الناشطات جنسيًا في قلب القاهرة وفي وضح النهار أمام أعين الجميع، بل لم ينتبه الجميع بعد ذلك بعام واحد -وبالتحديد يوم الثاني والعشرين من أكتوبر عام 2006 الموافق أول أيام عيد الفطر- حين بدأت، ولأول مرة، حوادث التحرش الجنسي الجماعية بمنطقة وسط البلد، حين هاجمت مجموعات من الشباب النساء اللاتي أوقعهن حظهن العاثر في طريقهم، وجذبوهن من ملابسهن، وتعدوا عليهم جنسيًا. حدثت هذه الانتهاكات وقتها وسط تعتيم إعلامي شبه تام، لم يكسره سوى نشر عدد من المدونين لصور وتفاصيل الحادث، وتم وقتها توجيه الاتهامات للمدونين بتشويه سمعة مصر وتلفيق الروايات، وأصدرت وزارة الداخلية بيانًا تنكر فيه حدوث أي تحرش جماعي بالنساء. استمرت الظاهرة بعد ذلك في التصاعد، فقد شهدت السنوات التي تلت هذه الحادث معدلات مرتفعة من التحرش اللفظي والجسدي بالنساء في الشوارع وأماكن العمل والمواصلات العامة بشكل يومي، وكان الجديد في هذه الحوادث ليس فقط الإنكار المجتمعي وإنما التواطؤ أيضًا.

عام 2008 شــهد إحــدى نقـاط التحول الرئيسية؛ إذ حصلــت نهــى رشــدي على أول حكــم قضائــي فــي قضيــة تحــرش جنســي، وحُكــم علــى المتحــرش بالســجن ثلاث سنوات، الأمر الذي يعد محطة مفصلية، لكونه اعتــرافًا رســميًا مــن الدولــة بالتحــرش كجريمــة تســتحق العقــاب. كمــا أثــارت القضيــة جــدلًا مجتمعيًا، وحظت باهتمــام إعلامي خلــق نقاشًا وطنيًا بشــأنها. وفي العــام نفســه، شــكّلت ست عشرة منظمــة غيــر حكوميــة مــن محافظــات مختلفــة «قــوة عمــل مناهضــة العنف الجنسي» والتي شكلت مظلة للعمل المشترك على قضايا العنــف الجنســي لعــدّة ســنوات، وقدّمــت مقترحًــا بتعديل قانــون العقوبــات الخــاص بجرائــم العنــف الجنســي عــام 2010.

وبشكل مختصر، يمكن القول بأن الحراك النسوي قبل 2011 اتسم بثلاث سمات أساسية: (1) تركز النشاط في عدد من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات النسوية بعينها، (2) معظم الجهود المبذولة رغم أهميتها تمت في غياب أي تسيس حقيقي لقضايا النساء نظرًا لطبيعة الظرف السياسي وقتها من مناخ سياسي مغلق واحتكار النظام للحديث عن قضايا النساء على المستوي الوطني. (3) تفاقم حقيقي لظاهرة العنف ضد النساء في المجال العام في مصر، وخصوصًا في فترة ما بعد 2005، في ظل تجاهل وأحيانًا تواطؤ، الدولة عن طريق عدم معاقبة الجناة، أو شيوع خطاب في إعلام الدولة يعتمد في الأساس على لوم الضحية في مقابل تجاهل دور الدولة والمجتمع في التصدي لتلك الظاهرة.

حركة مناهضة العنف الجنسي في مصر بعد ثورة 2011: حق النساء في مجال عام آمن

يعتبر الحراك المتمثل في مجموعات مناهضة العنف الجنسي في المجال العام أحد أبرز أشكال الحراك النسوي التي ظهرت في السنوات الأخيرة. إذ شكّل هذا الحراك، الذي ضم عشرات المجموعات المختلفة ومئات المتطوعين والمتطوعات في كافة أنحاء مصر، نواة صلبة لحركة اجتماعية أوسع لا تزال قيد التشكل، وتضم عدة خطابات بعضها نسوي وبعضها حقوقي عام. يجمع بينها طرحها القوي لسؤال سلامة الجسد ووجود النساء في المجال العام. ويمثل هذا الحراك نموذجًا واضحًا لكيفية تفجر سؤال اجتماعي شديد الحيوية كجزء من حركة الاحتجاجات الواسعة المصاحبة للثورة. فرغم أن قضية العنف ضد النساء كانت مطروحة قبل الثورة، كما يوضح القسم السابق؛ إلا أن الحراك المصاحب لها، ومشاركة النساء فيه على قدم المساواة مع الرجال، قد أدي لتحول مجتمعي جوهري في التعاطي مع قضية موجودة وقائمة بالفعل. ويمكن القول هنا بأن ثورة يناير مثلت منعطفًا فاصلًا ومحطة هامة في طريقة التعاطي مع تلك المسألة، وأيضًا في الخطاب حولها. فمثل أي حقبــة تاريخيــة تشــهد تغييــرًا أو حــراكًا مجتمعيــًا ســاعيًا للتغييــر، أثــرت أحــداث الثــورة فــي الحركــة النســوية والعكــس صحيــح. ويجــادل هــذا الجــزء مــن المقالة بأن هنــاك تغييــرًا ملحوظًا طــرأ علــى الحركــة النســوية نفســها بعــد الثــورة، وأســهم فــي تعميــم قضيــة العنــف الجنســي وإعطائها ظهيرًا جماهيريًا أكبر لدي قطاعات كبيرة من المجتمع، وليس فقط في سياق الجماعات التقدمية. ومن أهم الأسباب الأساسية لحدوث هذا التغيير والتطــور، الــذي شــهدته الحركــة النســوية، جرائــم العنــف الجنســي التي وقعت في محيط ميدان التحرير. فانخراط مئات الشابات والشباب في إطار تلك الحركة، وتطور وعيهم حول تلك القضية تحديدًا في إطار حراك أوسع مرتبط بثورة يناير، قد ساهم بالأساس في طرح قضايا النساء للنقاش على نطاق واسع، وهو الأمر الذي أكسب القضية بُعدًا جماهيرًا، وأعطي لتلك المجموعات قدرة، غير مسبوقة، على التأثير في الرأي العام بشكل أكبر من موجات الحراك السابقة.

وبرغم الغياب الظاهر لجرائم الاعتداء الجنسي على النساء، في أولى أيام التظاهرات، وتحديدًا على مدار الثمانية عشر يومًا التي انتهت بتنحي مبارك؛ إلا أنها عاودت الظهور سريعًا، فقد تعرضت مراسلة قناة سي بي إس الأمريكية، لارا لوجان، لاعتداء جماعي أثناء تغطيتها لاحتفالات تنحي الرئيس السابق محمد حسني مبارك عن الحكم.[18] وفي الثامن من مارس 2011، تم الاعتداء على مسيرة نسائية انطلقت للمطالبة بحقوق النساء، بمناسبة يوم المرأة العالمي، وتم التحرش بهن من جانب مواطنين مجهولين. وفي اليوم التالي، التاسع من مارس 2011، فضت قوات عسكرية التجمع الموجود بميدان التحرير، وتم احتجاز عدد من المتظاهرات وإجراء اختبارات كشوف عذرية إجبارية لبعضهن.[19] ومن ثم توالت الاعتداءات التي تستهدف النساء على أساس النوع، فتم سحل المتظاهرات السلميات خلال التظاهرات التي عرفت بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء في نوفمبر وديسمبر 2011. وبلغت الاعتداءات على النساء في المجال العام ذروتها لاحقًا في نوفمبر 2012 ويناير 2013 ثم يونيو ويوليو 2013 أثناء تظاهرات 30 يونيه في ميدان التحرير والمناطق المحيطة به؛ إذ تعرضت متظاهرات وعابرات سبيل لاعتداءات جنسية وحشية بلغت حد استخدام أسلحة بيضاء للتمثيل بأجسامهن.[20] ويمكن اعتبار تفاقم وتزايد جرائم العنف بحق النساء في المجال العام حينها بمثابة نقطة الذروة في وعي عدد من النساء اللاتي شاركن في الثورة، وراعهن مستويات العنف التي تعرضت لها المتظاهرات العزّل وقتها.

تزامنت لحظة تأسيس معظم تلك المجموعات بعد حوادث الاعتداءات الجنسية والاغتصابات الجماعية في ميدان التحرير والمناطق المحيطة به، والتي بدأت في نوفمبر 2012، لتجبر الجميع على مناقشة تلك المسألة رغمًا عن أنوفهم، وضد إرادتهم في أحيان كثيرة. كما تزامنت تلك اللحظة مع أول اجتماع تطوعي لمجموعة قوة ضد التحرش، والذي عُقد في الأسبوع الأول من ديسمبر 2012، واستضافته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.[21] وفي الوقت نفسه، بدأ عدد من المنظمات العاملة في مجال مكافحة العنف ضد النساء، أبرزهم نظرة للدراسات النسوية، في تناول مسألة العنف الجنسي على استحياء في البداية، ثم بشكل مباشر عقب مشاركة عدد من الناجيات الشجاعات، وعلي رأسهن ياسمين البرماوي، تفاصيل ما حدث لهم من اعتداءات جنسية جماعية في منطقة مجاورة لميدان التحرير، في لقاء تلفزيوني.[22] وقد شكلت تلك الاعتداءات، والتي بلغت لأول مرة حد الاغتصاب الجماعي، نقطة مفصلية في حياة المتطوعين بالحركة؛ حيث عبر معظمهم عن تلك اللحظة بوصفها البداية الحقيقية لنشاطهم، وشعورهم بمدي الظلم الذي تتعرض له «النساء عمومًا والمتظاهرات منهن خصوصًا».[23] فقد عبر العديد من المتطوعين الذين التقيت بهم في هذا الحين، رجال أو نساء، عن بداية تشكل وعيهن النسوي بشكل حقيقي في إطار تلك الأحداث.

وشهدت تلك الفترة تأسيس عدد من المجموعات التطوعية التي تعمل بالأساس على هذه القضية، مثل «تحرير بودي جاردز» ومجموعة «شُفت تحرش». ويلاحظ هنا التنوع الشديد في أسباب تأسيس كل مجموعة من المجموعات قيد الدراسة، فإذا نظرنا إلى مجموعة قوة ضد التحرش مثلًا، وهي أولى تلك المجموعات، نلاحظ أن بعض مؤسسات المجموعة يشرن إلى تعرض إحدى صديقاتهن لاعتداء جنسي في محيط ميدان التحرير، في نوفمبر 2012، كسبب رئيس لتكوين تلك المجموعة. تقول إحدى العضوات المؤسسات للمجموعة: «عندما حدث اعتداء جنسي لأحدي صديقاتنا أثناء مشاركتها في أحد الفعاليات السياسية، أصبن جميعًا بحالة من الصدمة والخوف التي دفعتنا لضرورة فعل شيء ما. نعم، كان السبب شخصي للغاية في البداية، ولكن مع الوقت صار الهدف هو تأمين الميدان وضمان مشاركة النساء بلا خوف».[24] أما مجموعة تحرير بودي جاردز، فقد جاء قرار تأسيسها عفويًا للغاية، وكانت تضم عددا من الشباب الذين أرادوا حماية الشابات المتظاهرات في التحرير فقط، وهو ما يمكن استنتاجه من اسم المجموعة نفسه. ولم تسع تلك المجموعة لتطوير تصور أكثر تعقيدًا حول أسباب مخاطرتهم بأنفسهم لهذا الحد، سواء كان هذا التصور تصورًا ثوريًا راديكاليًا أو تصورًا نسويًا. فقد عبر متطوعي حراس التحرير عن طبيعة نشاطهم بطريقة عملية وبرجماتية للغاية، يغلب فيها الفعل على أي تصورات حوله.[25]

جدير بالذكر أن مجموعات مناهضة العنف الجنسي تتضمن تنويعات مختلفة من الفاعلين المكونين لها، فمن ناحية ضمت الحركة عددًا من المجموعات المناهضة للعنف الجنسي والتي تتميز بالتنوع الشديد،[26] ومن ناحية أخرى ضمت أيضًا عددًا من المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص، والتي مارست دورًا هامًا في احتضان تلك الحركات، إلى جانب بلورة خطاب سياسي ومجتمعي حول العنف الجنسي، فضلًا عن أنشطة الدعم المعتادة مثل تقديم مساعدات طبية ونفسية للناجيات.[27] وأخيرًا يوجد نوع ثالث من الفاعلين وهم المجموعات الإلكترونية النسوية التي نشطت أخيرًا في صورة صفحات على موقع التواصل الاجتماعي، وتحديدًا موقع فيس بوك، والتي تنظم حملات ضد المتحرشين على الفضاء الافتراضي، وتطور بدورها خطابًا نسويًا هامًا عبر وسيلة التواصل الرئيسية التي يستخدمها الشباب، وخصوصًا صفحة ثورة البنات وانتفاضة المرأة العربية، كنماذج. ويعتبر هذا النوع الأخير من الفاعلين هو الأكثر انتشارًا ونموًا منذ انحسار الحراك السياسي المباشر، عقب أحداث عام 2013 التي دشنت لعودة السلطوية السياسية والإغلاق التدريجي لكافة مساحات الفعل السياسي في مصر، الأمر الذي دفع العديد من الفاعلات النسويات للجوء إلى الحملات والمنصات الإلكترونية المختلفة، والتي سيتم تناولها بالتفصيل في الجزء التالي من هذه الورقة.

يذكر أن العديد من الشابات اللاتي نشطن في المجموعات السابقة الذكر، شكلن لاحقًا عددًا من المبادرات النسوية الشابة في مختلف المحافظات، عقب تضيق الخناق على تلك المجموعات بعد إغلاق المجال العام والمجال السياسي في مصر في يونيه 2013. فقد نشط كثير منهن في الأساس في تلك المجموعات، أو في أنشطة مناهضة العنف الجنسي والتحرش. فالنضال حول قضية العنف الجنسي ضد النساء في الفضاء العام والسياسي مثّل مدخلًا هامًا لكثير من هؤلاء الشابات للحديث حول العنف الجنسي في المجال العام، كمشكلة يومية تواجهها النساء في مصر بدرجات مختلفة. وساعد على ذلك التوجه غضب الكثير من هؤلاء الشابات مما اعتبرنه تجاهلًا لقضاياهن، وأيضًا تعرض بعضهن لانتهاكات بدرجات مختلفة في قلب الفاعليات الثورية نفسها، وأحيانًا أيضًا في وسط مجموعات من المفترض كونها تقدمية. فكثير من الفتيات قد عبرن عن سرعة انهيار مرحلة التماهي بين ما هو ثوري وما هو نسوي لأسباب متعددة، بعضها يتعلق بتعثر المسار الثوري نفسه وبالتالي تعثر قضايا النساء في الثورة، وبعضها الأخر يتعلق باستفحال وتزايد الانتهاكات ضد النساء، في ظل تجاهل وتواطؤ الكثيرين من التيار المدني والحقوقي على تلك الانتهاكات.[28]

ومن اللافت للنظر هنا، أنه رغم تعقد وعي الكثير من الفاعلات النسويات وتطوره، منذ بدء انخراطهم في مسألة العنف الجنسي التي كانت بمثابة الإطار الرئيس الذي جمع بينهم؛ إلا أنه لاحقًا تباينت التوجهات داخل المجموعات المختلفة.[29] فرغم اتفاق معظم الفاعلين والفاعلات على انضوائهم تحت مظلة شبكة ما تأسست في نهاية نوفمبر 2012؛ إلا أن قطاعًا عريضًا من أعضائها الذين تحدثت إليهم بين عامي 2014 و2015 قد عبروا عن تحفظهم على تعريف الحراك الدائر بــ«النسوي». وكان من ضمن أبرز الأسباب وراء ذلك قناعة الكثيرين بأن النسوية ليست المدخل الوحيد لفهم قضايا المرأة، أو لأنهم يرون أنفسهم كمدافعين عن حقوق النساء في التواجد في المجال العام من منطلق ثوري. وفي هذا الاطار، تحدث عدد من مؤسسي مجموعة «شفت تحرش» بشكل صريح عن تبنيهم لخطاب «أقل استفزازًا»، حتى لو كانت قناعتهم الشخصية تختلف بدرجة كبيرة عن ذلك الذي يعبرون عنه كمجموعة تسعي لاكتساب عدد كببر من الأنصار وتحقيق انتشار جغرافي أوسع.[30] تلك الفلسفة تمت ترجمتها لشكل مؤسسي أكثر تدرجًا؛ ففي الوقت الحالي، تسعي مجموعة بصمة للتحول إلى منظمة مجتمع مدني ضخمة، تمتلك أفرع في مختلف أنحاء الجمهورية، وهو ما يخالف البناء اللامركزي الذي تتصف به معظم الحركات الأخرى، والتي تضم كيانات لامركزية، وأحيانًا مجرد صفحات إلكترونية لديها قدرة على صياغة خطاب له انتشار واسع حول قضايا بعينها.[31]

وإلى جانب تأرجح وعي الفاعلين، وتطوره، بين ما هو ثوري وما هو نسوي، هناك أيضًا موقفهم من الدولة؛ إذ وجدت العديد من تلك المجموعات نفسها تمارس الدور الذي يفترض بالدولة ممارسته. فمجموعات مناهضة العنف الجنسي أصبحت تلعب الدور المفترض أن تلعبه الشرطة، والمنظمات باتت تقدم خدمات طبية ونفسية وقانونية من المفترض أن تقدمها الدولة. وحسبما أوضحت إحدى الفاعلات، فـ«إن تقديم خطاب حول مسئولية الدولة في التواطؤ والتحريض على العنف ضد النساء يعد أمرًا مهمًا؛ لأن مواجهة العنف الجنسي ضد النساء في الشوارع والميادين ينبغي أن يكون مسئولية الدولة في المقام الأول».[32]

ونلاحظ في خطاب تلك الحركة، خصوصًا فيما يتعلق بمسئولية الدولة عن العنف الجنسي ضد النساء في المجال العام، تأثر السياق المحلي شديد التعقيد، والذي أفرز حراكًا نسويًا ثوريا بوعي عالمي الأبعاد، متأثر بتصورات غربية حقوقية وحركات عالمية بازغة معنية بالعنف والاستغلال الجنسي للنساء، في جميع مجالات العمل والدراسة. إن خطاب حركة مناهضة العنف الجنسي في مصر، حول مسئولية الدولة في تأمين النساء ضد العنف في المجال العام، في إطار حراك ثوري معادي للدولة بشكل عام، يبدو للوهلة الأولى متناقضًا. ويمكن فهم هذا التناقض -الظاهري فقط- إذا ما نظرنا لهذا الحراك بوصفه حراك محلي متأثر بسياق ثوري غير تقليدي، وفي الوقت نفسه يتضح تأثره، في خطابه وأدواته، بأطر خطابية ووسائل اتصال عابرة للقومية، تتجلى في استدعاء الدولة للاضطلاع بمسئوليتها في حماية النساء. إلى جانب استخدام قنوات مؤسساتية، مثل اللجوء للتقاضي، وانتقاد دور المؤسسات الطبية والقانونية، ومحاولة الاشتباك مع تلك القنوات بشكل يجعلها أكثر وعيًا بواقع النساء، وأكثر حساسيةً واستجابةً للطبيعة الخاصة لجرائم العنف ضد النساء. إن حركة مناهضة العنف الجنسي في مصر تعد تكييفًا واضحًا لما هو عالمي، سواء كان حقوقي أو ثقافي (غربي الإسناد بشكل واضح)، مع الظرف المحلي والثوري، بحيث جاء هذا الحراك مزيجًا بين الاثنين بشكل خلاق، ومحركه الرئيسي هموم وقضايا شديدة المحلية والأنية معًا.

وبشكل ما، نجحت الحركة في تطوير خطاب متماسك عن مسئولية الدولة، بدون التضحية بالبعد النسوي المتمثل في دور الثقافة الأبوية والعنف المجتمعي في تفاقم ظاهرة العنف ضد النساء في المجال العام. وفي السياق ذاته، نجحت حركة مناهضة العنف الجنسي، في ذروة نشاطها ما بين عامي 2013 و2015 قبل إجبار الكثير من تلك المجموعات على إيقاف نشاطها، في الوصول بهذا الخطاب إلى الجماهير الواسعة، وكسر حاجز الصمت حول قضايا العنف الجنسي، ليس فقط في ميدان التحرير بل في مصر كلها. وفي ذلك الوقت، طرحت الحركة رؤية لجرائم لعنف الجنسي بوصفها جرائم عنف تستهدف النساء بشكل خاص بوصفهن نساء، وبأنها لا تنفصل عن نظرة عامة ودونية للمرأة ولجسدها في المجتمع بشكل عام. وتضمنت هذه الرؤية تأطيرًا لجرائم العنف الجنسي بوصفها جرائم عنف في المقام الأول، وعنف موجه ضد النساء كنساء على اختلاف فئاتهن كل يوم سواء في الشارع أو في مواقع عملهن أو أثناء ممارستهن لأي عمل عام.[33] هذا الطرح المركب حول أسباب تفاقم الظاهرة، ومسئولية كل من الدولة والمجتمع معًا عنها بشكل مشترك، ساعد في التمهيد لإعادة طرح مسألة العنف الجنسي بشكل أكثر جذرية في المرحلة التالية.

نصدق الناجيات وأسئلة المجهولية: نحو تجذير أسئلة العنف الجنسي في مصر

بدأت محطة جديدة في تاريخ الحركة، مع انحسار الحراك المرتبط بثورة يناير، وتوقف عدد من المجموعات المناهضة للعنف الجنسي عن نشاطها في الفترة من 2013 وحتى 2018. فعلى مستوى التطور السابق في الأطر والخطابات المستخدمة من جانب الحركة، ظهر التناقض لدى عدد من الفاعلات النسويات بين ما هو سياسي وما هو نسوي وما هو حقوقي كذلك. واتضح ذلك مع نمو الحركة واشتباكها مع السياق العالمي، خاصةً بعد ظهور حركة «Me Too» أو «أنا أيضًا» العالمية.[34]

ويمكن رصد تأثير تلك الحملة العالمية على الحركات النسوية الشابة في مصر على أكثر من جانب. فمن ناحية، تزامنت تلك الحملة عالميًا مع تحول تنظيمي في شكل الحركة، حيث انحسرت مجموعات مناهضة العنف الجنسي التي تكونت ما بين عامي 2012 و2013، مفسحةً المجال لعدد من المبادرات النسوية، التي لم تعد مجرد مجموعات ذات صبغة تطوعية تعمل على قضية واحدة وهي التحرش والعنف الجنسي، بل تُعرّف نفسها بوصفها مجموعات «نسوية» تعمل على عدد من القضايا النسوية عمومًا في مجتمعاتها المحلية. فمن شابات قادمات للقاهرة للعمل والدراسة يبحثن عن أنفسهن ويطلقن مبادرة للفتيات المستقلات،[35] لأخريات اخترن تدشين مبادرات محلية في محافظاتهن، من أقصى شمال مصر في دمنهور (مجموعة بنت النيل)[36] لأقصى جنوبها أسوان (مجموعة جنوبية حرة)،[37] لمجموعات أخرى اختارت إحياء فكرة الصحافة النسائية في مصر (مبادرة ولها وجوه أخرى)،[38] وغيرهن كثيرات. وربما لأول مرة، بدأت تظهر معالم حركة نسوية شابة تتحدى التهميش الجغرافي وتكسر احتكار العاصمة لأغلب أشكال الحراك النسائي في مصر. إن تحليل أدوات وخطابات تلك المبادرات، والتحديات التي تواجها، يُظهر طرحًا مختلفًا لقضايا حرية الحركة والحق في خصوصية الجسد وعدم انتهاكه. ويتضح، لأول مرة، وجود مجال مفتوح «إلكتروني» للتعبير عن قضايا مسكوت عنها، مثل طرح مسألة ختان الإناث في مصر، ربما للمرة الأولى على نطاق واسع في الفضاء الإلكتروني والإعلام الرسمي، لنسمع أصوات من تعرضن لتلك التجربة يصفن آلامهن الجسدية والنفسية.

إن هؤلاء القادمات الجدد يمثلن بشكل كبير المزيج السابق ذكره بين السياقين المحلي والعالمي، فيما يتعلق بتطوير الأدوات والوسائط الحاملة للخطاب النسوي العالمي، وتكييف أو تطوير هذا الخطاب ليتناسب مع الواقع المحلي في مصر. ويُلاحَظ هنا تأثير استخدام هؤلاء الشابات للوسائط الإلكترونية المختلفة، والإنترنت بشكل خاص، لكسر حاجز المسافة الجغرافية والطبقية التي تفصلهن، ليس فقط عن شبكات الدعم والتضامن وأيضًا التمويل العالمية، بل وكذلك عن الوسط الثقافي والحقوقي القاهري؛ فعن طريق الإنترنت بالأساس، تمكنت هؤلاء الشابات من توصيل أصواتهن، وتجميع شهادات لشابات مماثلات لهن من حيث الخلفية الاجتماعية، سواء الطبقية أو الجغرافية، والوصول بتلك الرسالة لقطاعات كبيرة من الجمهور.

تجلى هذا المزيج بين استخدام وسائط وخطابات نسوية محلية، إلى جانب خطابات متأثرة بتلك العالمية، في نشاط تلك المبادرات النسوية الشابة في الحملات المحلية والوطنية حول العنف ضد النساء، في مجالات العمل والمجتمع السياسي والحقوقي، بشكل تزامن مع الحملة العالمية. كما اعتمد أيضًا في بنائه على خطابات وطرق عمل اكتسبتها تلك المبادرات من السنوات السابقة في أوقات المد الثوري، فجاءت تلك الحملة خليطًا بين أُطر متنوعة محلية وعالمية. ويكفي هنا تأمل بعض وقائع التحرش التي ذاع صيتها خلال الفترة الماضية؛ لرؤية أمثلة على تلك الحملات وأساليب التعاطي مع جرائم تحرش أو استغلال جنسي تمت في أطر مؤسسية. فهناك مثلًا واقعة تحرش حدثت في إحدى الصحف المصرية البارزة، بتحرش رئيس بمرؤوسته ما دفعها للإبلاغ عن التحرش، ولا تزال الواقعة قيد التقاضي.[39] فقد تضامن عدد من المجموعات النسوية والأفراد مع الشاكية، وتم التعامل مع قضيتها باعتبارها قضية تمثل الظلم المؤسسي الذي قد تواجهه الناجيات من العنف الجنسي، خصوصا عندما تم فصل الشاكية بشكل تعسفي من عملها كصحفية. كما نددت تلك المجموعات النسوية، سواء تلك العاملة على أرض الواقع أو الناشطة في المجال الإلكتروني بمثل تلك الوقائع التي تنتهي بحفظ الدعوى، وهو ما يشير لتواطؤ السلطة مع المتحرش، سواء بالضغط على الشاكية للتنازل عن الدعوى، أو بالعمل على حفظ الدعوى وغلق ملفها وعدم استكمال مسار التقاضي.

وظهر تأثير خطابات وأدوات الحملة العالمية للتنديد بالعنف الجنسي ضد النساء في أداء المبادرات النسوية الشابة في عدة وقائع حدثت مؤخرًا، من بينها واقعة «الإيميل» الشهيرة، والتي تتلخص في رسالة بريدية تم تداولها عبر الإيميل ثم الواتساب والفيسبوك لشابة مصرية تحكي وقائع اعتداء جنسي تعرضت لها في إطار إحدى مؤسسات المجتمع المدني المصري منذ سنوات قليلة. وتختلف واقعة «الإيميل» عن غيرها من الوقائع والجرائم في كونها تستند إلى رسالة بريدية، وعدم لجوئها إلى القانون، بل وعدم انتماء طرفيها عند إرسال الإيميل إلى مؤسسة واحدة لها سياستها التي يمكن تطبيقها في التعامل مع الاتهامات بالتحرش والاغتصاب، بينما كان الأطراف يعملون معا في مؤسسة واحدة عند حدوث الواقعة. بالإضافة لذلك، حدثت تلك الواقعة في لحظة سياسية مهمة، حيث كان المشكو في حقه –وهو يعمل في مؤسسة حقوقية قانونية، كما كان من ضمن مؤسسيها ومديرًا لها، وفي الوقت نفسه كان وكيلًا لمؤسسي حزب يساري معارض تحت التأسيس- قد أطلق حملة للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، وكان يتعرض هو وأعضاء حملته والحزب السياسي لضغوط للتراجع عن الترشح، وهو ما حدث لاحقًا.

وأطلقت المبادرات النسوية الشابة وعدد من النسويات المستقلات حملة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لإجبار الحزب الذي ينتمي إليه المرشح والحملة الرئاسية والمرشح نفسه على عرض نتائج التحقيق الذي جرى داخل الحزب بشأن الواقعة، وهو التحقيق الذي انتهى بتقرير مطول اختزلته قيادات الحزب في بيان سعى لإرضاء جميع الأطراف، ففشل في تحقيق ذلك فشلًا ذريعًا. وانتهت قضية «الإيميل» بنجاح للحركات النسوية، ولو بشكل رمزي، إذ أجبرت المرشح المشكو بحقه على تقديم اعتذار علني عن الواقعة على وسائل التواصل الاجتماعي.[40]

أظهرت تلك الواقعة تباينًا متزايدًا بين الخطاب الحقوقي بشكل عام والخطاب النسوي الذي قادته المجموعات النسوية الشابة. فقد كشفت الواقعة تعدد الخطابات والرؤى والتصورات النسوية في مصر وتعقدها، بشكل يسمح بالتحدث عن حراك شديد الغني والتنوع، وجدل متقدم حول العنف الجنسي في المجالين العام والسياسي. كما أظهرت الواقعة، بشكل كبير، فك الارتباط بين القضية النسوية والفصيل الثوري الأكبر في مصر، الأمر الذي سمح بظهور حركات وأصوات نسوية شابة تطرح خطابات وأشكال تنظيمية جديدة، متأثرةً بالحراك العابر للقومية والعالمي الصبغة بشأن قضايا النساء. وكانت تلك الواقعة تحديدًا سببًا لتفجر جدل على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مبدأ نسوي أساس تطور في المرحلة السابقة للحراك، وهو مبدأ تصديق الناجيات.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار أن واقعة «الإيميل» شكّلت نقطة فاصلة بين الحراك النسوي قبلها وما جاء بعدها. فقد تزامنت تلك الواقعة مع حملة «Me Too أو أنا أيضًا» العالمية، الأمر الذي ساهم في تأهيل وتشجيع الكثير من الفاعلات النسويات، اللاتي طورن من خطابهن ليطرحن خطابًا نسويًا اجتماعيًا حول طبيعة أدوار النساء والرجال معًا، وعن معني القبول والرضائية في إطار العلاقات الجنسية بشكل غير مسبوق، ويتحدى العديد من الأعراف السائدة، بل والخطابات النسوية التقليدية في مصر. ولا يعني هذا أن هؤلاء الشابات قد اكتفين بتطوير خطاب هوياتي يركز على النساء الغيريات بشكل كامل، على غرار الحركات الاجتماعية الجديدة في الغرب، والتي لعبت فيها المسألة الثقافية الهوياتية الدور الرئيس في الحشد والتعبئة، بل طرحن تلك القضايا بشكل راديكالي يناقش طبيعة العلاقة الجنسية الغيرية السائدة في المجتمع المصري، ويطرح تساؤلات جريئة حول حق النساء في القبول والرضائية في العلاقة الجنسية، وما الذي يحدد ذلك، عبر هجوم عنيف على الامتيازات الذكورية الراسخة في المجتمع المصري. واتضح ذلك بشكل خاص في عدد من الحملات التي تفجرت مؤخرًا، وكان محورها هو شعار «نصدق الناجيات» الذي تم تبنيه كخيار استراتيجي للحركة النسوية منذ واقعة «الإيميل»، مرورًا بعدد من القضايا التي تفجرت مؤخرًا، ومن أبرزها قضيتي أحمد بسام ذكي، وقضية حادثة الاغتصاب الشهيرة بـ«فندق الفيرمونت». فقد بدأ عام 2020 بداية قوية لحملات نسوية مختلفة ضد العنف الجنسي في مصر، بعضها حققت مكتسبات قانونية، والبعض الأخر حققت مكتسبات مجتمعية، والغالبية العظمى جمعت بين النوعين. وكانت نقطة البداية هي قضية أحمد بسّام زكي -الشاب المحجوز حاليًا بتهم الاغتصاب والاعتداء الجنسي على عشرات الشابات والفتيات القصّر، على مدار أكثر من عشرة أعوام. ويعود الفضل في تفجير قضية زكي والقبض عليه إلى مجموعة مجهلة تحمل اسم شرطة الاعتداءات الجنسية، والتي جمعت عددًا من الشهادات من ناجيات من اعتداءات نفذها بسام ذكي. [41]

وأعقبت قضية أحمد بسام ذكي قضية أخرى هزت المجتمع المصري بأكمله، وهي قضية حادثة الاغتصاب الجماعي التي وقعت أثناء حفلة أقيمت بفندق الفيرمونت بالقاهرة. وقد صرحت المجموعة نفسها –«شرطة الاعتداءات» ((Assault Police- عبر حسابها على موقع انستجرام بانه تم تسجيل الجريمة صوتًا وصورة، كما أعلنت عن أسماء المعتدين بالكامل. ثم ما لبثت المجموعة أن أغلقت حسابها بعدما تلقى القائمون/ات عليه تهديدات بالقتل. في التوقيت نفسه، أصدرت النيابة العامة أمرًا بالقبض على مغتصبي جريمة فيرمونت، ومنعهم من السفر، ووضعت أسمائهم على قائمة ترقب الوصول بالمطارات المصرية.[42]، [43]

وعلى مدار عام 2020، توالت القضايا التي فجرتها مجموعات نسوية مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما شهد العام نفسه تأصيلًا جذريًا لمفهوم الناجية كبديل عن مفهوم الضحية. فالناجيات، المجهولات في معظم الأحيان، صرن رموزًا لحراك واسع، وقدمن بشجاعتهن الفائقة نموذجًا اكتسب بعدًا رمزيًا لمعظم تلك الحركات، والتي اتخذت من مفهوم الناجية ومن فكرة تصديق الناجيات مفهومًا محوريًا لتأطير حركتها. فالناجية ليست ضحية، بل هي امرأة شجاعة اختارت توظيف الخبرة السيئة التي مرت بها كوسيلة لانتزاع الاعتراف من المجتمع الواسع بجريمة العنف الجنسي وآثارها المدمرة على النساء، وعلى تواجدهن في المجال العام. وهنا يمكن القول بأن نضال الحركة في تلك المرحلة تركز بالأساس على ما يطلق عليه في أدبيات الحركات الاجتماعية «النضال من أجل الاعتراف الاجتماعي»، بحيث يتحول جهد المجموعة بالأساس نحو التأصيل الرمزي والمعنوي للمشاكل الاجتماعية، وبالتالي يؤدي النضال الرمزي حول المفاهيم دورًا حيويًا للغاية في آليات تلك الحركة.[44]

ويمثل شعار «نصدق الناجيات» ذروة هذا الحراك الرمزي، إذ حاولت المجموعات النسوية كسر الصيغ القديمة والمعتادة للحراك حول قضايا النساء في مصر، كما شهدت حركات ومجموعات مناهضة العنف الجنسي المختلفة في مصر نقلة حقيقية في مجال العمل النسوي في مصر. فللمرة الأولى، نشهد حراكًا حول قضايا تنتمي لصلب المسألة النسوية، تطرحها مجموعات شُكّلت بشكل تطوعي تمامًا، تمارس عملًا جماهيريًا شديد الأهمية والصعوبة، لم يكن على أجندة القوي الثورية نفسها حتى وقت حوادث الاغتصابات الجماعية في التحرير وبعدها. وطرحت تلك الحركة أسئلة عميقة تتعلق بالجسد وحرمته، وحق وجود النساء في المجال العام. وأفرز الحراك الحالي مجموعات نسوية متعددة سعت لكسر هيمنة المركز، أي القاهرة. واستطاعت، باستخدام وسائط إلكترونية، طرح قضايا الشابات المقيمات في محافظات مصر المختلفة بشكل واسع عبر اقتحام المجال العام، ونزع اعتراف مجتمعي وسياسي بأهمية قضياهن. فمعظم المجموعات النسوية التي ظهرت في الفترة الأخيرة قد تبنت هذا الشعار في إطار طرحها لعدد من القضايا التي تفجرت مؤخرًا مثل قضيتي الفيرمونت وأحمد بسام ذكي.

كما طورت معظم الناشطات الشابات أدوات وأطر خطابية للحراك، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل صفحة «ٍSpeak up أو تكلمي» مثلا، والتي تعتمد بالأساس على إسهامات المشاركات في رواية قصص العنف الجنسي التي تعرضن لها في المجال العام والتعليق عليها، إلى جانب تشجيع النساء على مقاومة تلك الظاهرة من خلال كسر الصمت حولها. وتتمثل المساهمة الرئيسية للصفحة، في حركة مناهضة العنف الجنسي، في نشر قصص الناجيات من حوادث عنف جنسي على المستوى اليومي، وربط ذلك بخطاب نسوي بسيط حول العلاقة بين العنف الجنسي في المجالين العام والخاص، والتواطؤ المجتمعي على تلك الجرائم. بالإضافة لذلك ، لعبت هذه الصفحة الإلكترونية دورًا هامًا في تعريف متصفحي موقع التواصل الإلكتروني الفيس بوك بالمجموعات والمبادرات والمنظمات العاملة في مجال مكافحة العنف الجنسي كافة، سواء تلك العاملة بالتدخل المباشر لمنع الاعتداءات، أو بتقديم المساعدات الطبية والنفسية والقانونية إذا ما استدعت الحاجة لذلك، وخصوصا في إطار الحراك حول عدد من القضايا التي تفجرت مؤخرًا مثل قضيتي أحمد بسام ذكي والفيرمونت.[45]

وتجدر ملاحظة أن هذا الحراك، الساعي لتأصيل مفاهيم أساسية تتعلق بحق الناجيات في البوح ومواجهة المجتمع بكل هذا القدر من التواطؤ حول ثقافة العنف الجنسي في مصر، يصطدم بقدر كبير بالمناخ السياسي القمعي في مصر. فرغم وجود مساحات للبوح والعمل على تلك القضايا حتى الآن؛ إلا أن حملات الدولة الخاصة بالأخلاق وقيم الأسرة المصرية، وهو مفهوم قانوني فضفاض استهدف عدد من النساء الناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومقدمي محتوى غير لائق بالنسبة للسلطات المصرية.[46] و مرة أخرى، يبرز دور الدولة الإشكالي في علاقته بالنضال النسوي؛ فالدولة المصرية تتسامح مع بعض أشكال الحراك النسوي التي تراها غير مؤثرة سياسيًا، بل وقد تستغل هذا الحراك في تلميع صورتها باعتبارها مساندة لنضال النساء، بينما في الوقت نفسه يعمل النظام القانوني على تقنين الحراك النسوي، بل، في كثير من الأحيان، إفراغه من مضمونه عبر إخضاعه لمعايير جندرية غيرية، وبنية قانونية أبوية وطبقية غير مسموح مجرد طرحها للتغيير، أو التمرد عليها. وربما يمكن فهم لجوء العديد من المجموعات العاملة في تلك المجال الآن لأداة المجهولية -سواء مجهولية النساء الناجيات أو من يساعدهن- لحماية الناجيات ليس فقط من الإدانة والتواطؤ المجتمعيين، بل أيضًا من استهدافهن من جانب أجهزة الدولة القانونية والشرطية مثلما حدث في جريمة الفيرمونت على سبيل المثال، واستهداف عدد من الفتيات مقدمات المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، ما عرف إعلاميًا بقضية «فتيات التيك توك».[47]

خاتمة

بشكل عام، لا يزال الوقت مبكرًا للحكم عما ستفسر عنه تلك الخطابات المتعددة من رؤي وأفكار وأنشطة نسوية ستنتج عنها في المستقبل. ومن المتوقع أن تنوع تلك الرؤي سينتج أشكالًا متطورة وأفكارًا جديدة حول قضية النساء، بشكل يبشر بحراك أقوى وأكثر نضجًا في المستقبل. لقد أظهرت الوقائع الأخيرة تجاوز تلك الحركة مرحلة النضال من أجل الاعتراف بها وبقضيتها، لتطرح مسألة حضور النساء في الفضاءات العامة والسياسية، وكذا مسألة العنف الجنسي بشكل يتجاوز التسيس المباشر للقضية النسوية ومجرد ارتباطها بثورة يناير، ويمتد لمجال النضال الرمزي الهادف لتغيير تصورات وأفكار ومفاهيم المجتمع حول العنف الجنسي عما تعانيه النساء من استباحة يومية في المجال العام، الأمر الذي يبرز هذا الحراك بوصفه نموذجًا هامًا على صعوبة فصل ما هو رمزي أو مادي عما هو معنوي في النضالات الاجتماعية عمومًا، والنسوية خصوصًا.

كما يعتبر الحراك الأخير حول العنف الجنسي في مصر مفارقًا بشكل كبير لأشكال الحراك التي سبقته، وإن كان كذلك يبني على عدد من أشكال الحراك السابقة له. فالتفاوض الرسمي حول حقوق النساء في مصر اتصف بعدة سمات، تعد بدرجة كبيرة امتدادًا لعلاقة دولة ما بعد الاستقلال بالنساء، أو بمعنى أخر، بممثلاتهن السياسيات لعقود طويلة. فرغم تفجر حراك نسائي شديد الحيوية والأصالة طوال السنوات الأربع الماضية في مصر، لا سيما حول موضوع العنف الجنسي في المجال العام؛ فإن قدرات النسويات والسياسيات على طرح تلك الحقوق على الأجندة السياسية بشكل جاد ظلت ضعيفة نتيجة لحزمة من الأسباب المتعلقة بطبيعة مشروع دولة ما بعد الاستقلال في مصر، وعدم توفيرها أي قنوات مؤسسية أو أدوات قانونية أو سياسية تمكن النساء من التفاوض حول حقوقهن المكتوبة في الدساتير والقوانين. أما على مستوى الحراك القاعدي، فقد انحصر العمل حول قضايا النساء في مرحلة ما قبل ثورة يناير 2011 على عدد من المؤسسات غير الحكومية الحقوقية، ونضالات يومية محدودة للنساء (الأفراد) في المجال العام ضد أشكال العنف الجنسي المختلفة في المجالين العام والخاص بشكل غير منتظم، وخصوصًا في مجال التقاضي حول حقوق بعينها مثل الحق في سلامة الجسد.

وبشكل عام، شكلت ثورة يناير 2011 مدخلًا جديدًا للعمل النسوي، تمثل في حراك نسوي واسع اكتسب صبغة جماهيرية لأول مرة، وطرح قضايا النساء على أجندة الرأي العام في مصر. إن الحراك النسوي الجديد في مصر هو أحد أهم مكتسبات ثورة يناير التي لا يمكن القضاء عليها بسهولة. في شتى محافظات مصر، عشرات الشابات يجدن أنفسهن مندمجات بالفعل في أشكال مختلفة من الحراك النسوي، الذي يُعدن من خلاله تعريف أنفسهن بشكل جديد. ورغم صعوبة معرفة مآلات هذا الحراك على المدى القصير، في ظل نظام سياسي قمعي كالذي يحكم مصر حاليًا؛ إلا أن المؤكد أن أثار هذا الحراك، الذي تقوده شابات من خارج المركز، سوف يقود لحركة نسوية جديدة بدأت بوادرها تتضح الآن مع النشاط المتزايد لتلك المجموعات في قضايا مختلفة.

إن امتزاج اللغة والأدوات العالمية مع السياق والقضايا المحلية في أنشطة المجموعات النسوية الشابة، سواء كانت تلك الأنشطة تتم عبر الفضاء الافتراضي أو في الواقع، يجعل منها حركة شديدة الديناميكية والمحلية وفي الوقت نفسه شديدة الاتصال بالحراك العالمي العابر للقومية، والمعني بقضايا الاستغلال الجنسي للنساء. إن هذه الحركات والمجموعات تشكل حراكًا مهمًا قد يكون مقدمة لحركة نسوية حقيقية قاعدية، لا تعتمد على الأشكال التنظيمية التقليدية مثل المنظمات غير الحكومية، ولا على الوسائط العابرة للقومية سواء الحقوقية أو النسوية فقط، بل على مزيج خاص بين الاثنين يساعد جيل جديد من الناشطات النسويات والقادمات الجدد على التأثير بشكل كبير على خطاب وأجندة حقوق النساء في مصر. إن كل ما سبق يشير لبزوغ مرحلة جديدة من العمل النسوي في مصر، تبدو مستمرة وقوية حتى الآن، رغم ازدياد وتيرة القمع السياسي والاجتماعي في مصر في السنوات الأخيرة.

[1] للمزيد حول مطالبات عدد من خريجات كليات القانون والشريعة وكلية الحقوق بحق تولي مناصب قضائية في مجلس الدولة والنيابة العامة، أنظر: حسن، شرين (2018). هل هناك مكان للمرأة المصرية في المناصب القضائية؟. رصيف 22، 5 مارس. تاريخ الاطلاع 27 أكتوبر https://bit.ly/3vOzGzm.
[2] تعد مسألة التحرش الجنسي في المجال العام إحدى أهم القضايا التي برزت كجزء من هذا الحراك واستمرت حتى بعد أفول المجال السياسي في مصر الأمر الذي يتطلب النظر ليس فقط للبعد المحلي للحركة بل كذلك للجزء العالمي المرتبط بصعود حركة عابرة للقومية جعلت من مسألة العنف الجنسي للنساء هدفًا لها. للمزيد من التفاصيل، انظر الجزء الثالث من هذه الورقة.
[3] ظهرت مؤخرًا العديد من الصفحات والمدونات الإلكترونية التي تهدف لنشر شهادات مجهلة لناجيات من العنف الجنسي. وتعد تلك المدونات أحد أبرز الأدوات التي تستخدمها الموجة الحالية من الحراك حول العنف الجنسي في عدد من الدول العربية، وتعتمد بالأساس على فكرة المجهولية كأداة للحراك عبر فضح المعتدين جنسيًا مع الحفاظ على مجهولية الناجيات. ومن أشهر تلك المدونات مدونة «دفتر حكايات» وهي صفحة إلكترونية ظهرت في صيف عام 2020 في مصر وكذلك مدونة «أنا زادة» التونسية والتي ظهرت في عام 2019 على يد عدد من الناشطات النسويات التونسيات.
[4] تايلور، فيرتا، ووتر، نانسي (1992). الهويات الجماعية في مجتمعات الحركات الاجتماعية: الحشد النسوي للمثليات (Collective identity in Social Movements Communities: Lesbian Feminist Mobilization). في د موريس وس.م موللر (محررين)، أفاق في نظرية الحركات الاجتماعية(104 – 129). نيوهافن: مطبوعات جامعة يال.
[5] يعد مفهوم الموجات أحد المفاهيم الشائعة لدراسة وتقييم تاريخ الحركات النسوية بشكل أكاديمي، وإن كان هذا المفهوم قد تعرض مؤخرًا للنقد؛ نتيجة لإغفاله التقاطعات والاتصال بين أجيال ومراحل مختلفة من الحراك بالإضافة للتركيز على مركزية أفراد وجماعات بعينها وإغفال أخرين. للمزيد حول ذلك انظر: نبيل، فينان (2021). الحركة النسوية: ملاحظات من النساء اللائي تجاهلتهن الحركة. موقع شباب التفاهم،8 يونيه. تاريخ الاطلاع 27 أكتوبر 2021، https://shababtafahom.om/p/2326
[6] للمزيد حول النقد اليساري الطابع للحركات النسوية انظر: كليف، توني 1987)). نقد الحركة النسوانية، ترجمة أروي صالح. القاهرة: كتاب الأهالي رقم 38.
[7] للمزيد من المعلومات حول التصورات الذاتية المرتبطة بالنوع الاجتماعي ومدي تأثير بينية النظام الاجتماعي عليها، انظر: باتلر، جوديث (1990) إشكالية الجندر. أوكسفورد: مطبوعات جامعة أوكسفورد.
[8] بورديو، بيير (2002). الهيمنة الذكورية (Masculine Domination). سان فرنسيسكو: مطبوعات جامعة ستانفورد، ص 39.
[9] للمزيد من المعلومات حول تطور قضية العنف الجنسي ضد النساء في المجال العام، انظر: عبد الحميد، داليا وأحمد زكي، هند (2014). استباحة النساء في المجال العام: مدخل نقدي لفهم أسباب الظاهرة وأليات المقاومة، موقع جدلية، 8 يناير. تاريخ الاطلاع 1 نوفمبر 2021،
https://www.jadaliyya.com/Details/30055
[10] تميل الأدبيات الخاصة بالمشاركة السياسية للنساء للتفرقة بين نوعين من المشاركة وهما المشاركة الكمية العددية (Substantive) والمشاركة الكيفية (descriptive). وتشير المشاركة الكمية للعدد المجرد للنساء أو نسبتهم العددية سواء في الهياكل المنتخبة أو المعينة، بينما تشير المشاركة الكيفية لمدي تمثيل النساء المنتخبات أنفسهم لقضايا لنساء على الإطلاق. للمزيد من المعلومات حول الفرق بين المفهومين انظر: بيتكن، هانا (1967). مفهوم التمثيل السياسي (The Concept of Representation). سان فرانسيسكو: مطبعة جامعة كاليفورنيا.
[11] بيكر، هوارد (2008). كيف تدرس ظاهرة أنت جزء منها: زاوية الرؤية من أعلي مسرح الفرقة الموسيقية (Studying Something You Are Part Of: The View From the Bandstand). مجلة الاثنلوجي الفرنسي، 37 (2)، 129 – 145
[12] للمزيد من المعلومات حول قضية نهي رشدي، والتي تعد أول قضية تحصل فيها امرأة مصرية على حكم قضائي ضد سائق قاطرة قام بالتحرش الجسدي بها في أحد شوارع القاهرة، انظر: عمار، بول (2013). شبه جزر الأمن: دول الأمن الإنساني، سياسات الجنسانية، ونهاية النيوليبرالية (The Security Archipelago: Human Security States, Sexuality Politics, and the End of Neoliberalism). شارلوت: مطبوعات جامعة ديوك.
[13] للمزيد من المعلومات حول قضية النسب الشهيرة وقتها، انظر: أحمد زكي، هند (2012). القانون كأداة لتمكين النساء داخل علاقات الزواج: دراسة حالة لقضايا النسب في مصر (Law as a Tool for Empowering Women Within Marital Relations: A Case Study of Paternity Suits). القاهرة: مطبوعات الجامعة الأمريكية.
[14] للمزيد من المعلومات حول ظاهرة العنف الجنسي في المجال العام، انظر: عبد الحميد، داليا وأحمد زكي، هند (2014). استباحة النساء في المجال العام: مدخل نقدي لفهم أسباب الظاهرة وأليات المقاومة، موقع جدلية، 8 يناير. تاريخ الاطلاع ١ نوفمبر 2021.
https://www.jadaliyya.com/Details/30055
[15] موقع خارطة التحرش يوضح كيفية رصد وقائع التحرش بغرض التوعية بأنواع المضايقات والانتهاكات المختلفة التي تتعرض لها النساء. للمزيد من المعلومات انظر: https://harassmap.org/en/
[16] للمزيد من المعلومات حول تاريخ الحراك النسوي في مصر، انظر: كمال، هالة (2016). قرن من مطالب النساء المصريات: الموجات الأربعة للحركة النسوية المصرية (A Century of Egyptian Women’s Demands: The Four Waves of the Egyptian Feminist Movement). دورية الجندر والعرق مهمان: رؤي عالمية للمسألة النسوية. 25 أغسطس، 3-21.
[17] للمزيد من المعلومات حول واقعة الأربعاء الأسود الشهيرة، انظر: البدوي، حنان (2013). الأربعاء الأسود: هل تتذكر نوال علي؟ فلنراجع إذن تفاصيل الحكاية. مدونة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 24 مايو. تاريخ الاطلاع ٢٧ أكتوبر 2021. https://www.eipr.org/blog
[18] للمزيد من المعلومات حول واقعة الاعتداء على لارا لوجان، انظر: مبروك، إيمان (2015). في اليوم العالمي للمرأة: أشهر قضايا التحرش الجنسي، المصري اليوم، 8 مارس. تاريخ الاطلاع 15 ديسمبر 2021. https://www.almasryalyoum.com/news/details/673898
[19] للمزيد عن واقعة كشوف العذرية في مصر، انظر: موك، جيفري (2011). كشوف عذرية لمتظاهرات مصريات (Virginity Tests for Egyptian Women Protesters). موقع منظمة العفو الدولية، 23 مارس. تاريخ الاطلاع 9 ديسمبر 2021.
https://blog.amnestyusa.org/middle-east/virginity-tests-for-egyptian-women-protesters/
[20] للمزيد من المعلومات حول وقائع الاعتداء في أماكن التظاهر والمناطق المحيطة بها في قلب القاهرة، انظر: نظرة للدراسات النسوية (2014). بيان مشترك: وباء العنف الجنسي مستمر، موقع نظرة للدراسات النسوية، 16 أبريل. تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021.
http://nazra.org/en/2014/04/egypt-epidemic-sexual-violence-continues
[21]  مقابلة مع إحدى متطوعات ومؤسسات مجموعة قوة ضد التحرش، في ١٣ أكتوبر 2013.
[22] رابط للمقابلة التلفزيونية مع ياسمين البرماوي: http://www.youtube.com/watch?v=WvBPvIjg8xI
[23]  مقابلة مع إحدى المتطوعات بمجموعات التدخل في قوة ضد التحرش، في 20 أكتوبر 2013.
[24] مقابلة مع إحدى متطوعات ومؤسسات قوة ضد التحرش، في 13 أكتوبر 2013.
[25] مقابلة مع أحد متطوعي حراس التحرير، في 22 أغسطس 2013.
[26] في دراسة ترجع لعام 2015 تهدف لرصد كافة المجموعات العاملة في مجال مكافحة العنف الجنسي في مصر ووضع قاعدة بيانات إلكترونية ترصد أهم الأنشطة في هذ المجال، رصدت كل من ماريز تادرس وشذا عبد اللطيف أكثر من 15 مبادرة عاملة في مكافحة العنف الجنسي في مصر كانت ناشطة حتى نهاية عام 2013 على الأقل، بخلاف المؤسسات النسوية والمبادرات الإلكترونية مثل صفحة ثورة البنات وغيرها.
للمزيد من المعلومات حول الدراسةـ، انظر تاردس، ماريز وعبد اللطيف، شذا (2015). لمحات عن حياة الفاعلين الجماعيين (Profiles of Collective Actor). موقع تفاعلات، 17 نوفمبر. تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021. http://interactions.eldis.org/gender-based-violence/country-profiles/egypt/profiles-collective-actors
[27] ومن أبرز مؤسسات المجتمع المدني التي مارست هذا الدور في تلك الفترة تحديدًا، مؤسسة نظرة للدراسات النسوية والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب.
[28] مقابلة مع مؤسسة ومسئولة موقع وصفحة ثورة البنات، في 13 يوليو 2015.
[29] يعد مفهوم الإطار الحاكم أو Master Frame أحد أبزر المداخل النظرية المنبثقة من نظريات الحركات الاجتماعية، والتي تفسر كيف تؤطر الحركات الاجتماعية، خاصةً تلك التي تتصف باللامركزية، مثل حركة مناهضة العنف الجنسي في مصر، لرؤية مشتركة تجمع بين أطرافها المختلفة رغم اختلافهم بشأن كثير من التفاصيل. للمزيد من المعلومات، انظر رون، بنفورد وسنو، دافيد (2000). عمليات التأطير والحركات الاجتماعية: نظرة عامة وتقييم (Framing processes and social movements: An overview and assessment). الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، 26(3)، 63 – 611
[30] مقابلة مع إحدى مؤسسات مجموعة بصمة، في 12 أغسطس 2013.
[31] مقابلة مع مؤسسة صفحة ثورة البنات، في 11 سبتمبر 2015.
[32] مقابلة مع إحدى العاملات بمؤسسة نظرة للدراسات النسوية، في 11 سبتمبر 2015.
[33] للمزيد من المعلومات حول الخطاب السياسي للحركة عمومًا انظر: نظرة للدراسات النسوية (2014). بيان مشترك: وباء العنف الجنسي مستمر. موقع نظرة للدراسات النسوية، 16 أبريل، تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021. http://nazra.org/en/2014/04/egypt-epidemic-sexual-violence-continues
[34] تزامن ظهور الحركة مع انتشار عدد من الفضائح الخاصة بالعنف الجنسي الذي تعرضت له عدد من ممثلات هوليود على يد منتج سينمائي شهير، إلا أن الأمر لم يلبث أن تطور إلى حركة واسعة انتشرت بشكل سريع في عدد من دول العالم بسبب تأثير الفضاء الإلكتروني، وألهمت عدد من الحملات الأخرى التي اطلقتها فتيات شابات يدعون أخريات للحديث عن الاستغلال الجنسي للنساء ووقائع التحرش والاعتداء اللاتي تعرضن لها. ورغم أن الحركة بدأت في العالم الغربي بالأساس إلا أن حملات مماثلة قد بدأت في عدد من دول العالم. للمزيد من المعلومات انظر: كريستوف، نيكولاس (2018). حركة أنا أيضا تصبح عالمية (MeToo Movement goes Global)، 4 مايو، تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021.
https://www.seattletimes.com/opinion/metoo-movement-goes-global/
[35] للاطلاع على صفحة مبادرة «فمي هب» لدعم للفتيات المستقلات على موقع فيس بوك، انظر:
https://www.facebook.com/pages/category/Cause/Femi-Hub-780813025375003/
[36] للاطلاع على صفحة «بنت النيل» على موقع فيس بوك، انظر: https://www.facebook.com/7rketBntElnil/
[37] للاطلاع على صفحة «مجموعة جنوبية حرة» على موقع فيس بوك، انظر: https://www.facebook.com/Ganoubia
[38] للاطلاع على الموقع الخاص بمبادرة «ولها وجوه أخرى» على موقع فيس بوك، انظر:https://wlahawogohokhra.com/home/2717/
[39] للمزيد من التفاصيل حول تلك الواقعة، انظر:  قدري، غادة (2018). «تحرش اليوم السابع»: النيابة تطلب الشهود وبلاغ من مي الشامي ضد موسي، موقع زحمة، 2 سبتمبر، https://bit.ly/3IWSsZ2.
[40] للمزيد من التفاصيل حول واقعة فتاة الإيميل، انظر: أحمد رزق، دنيا (2019). قصة فتاة الإيميل من اتهام خالد على بالتحرش لدعوي وقف «العيش والحرية». موقع هن، 18 فبراير. تاريخ الاطلاع 16 ديسمبر 2021، https://bit.ly/3tCR33u.
[41] لمزيد من التفاصيل حول واقعة أحمد بسام زكي الشهيرة، انظر: شبكة موقع البي بي سي (2020). قضية أحمد بسام ذكي: حكم بسجنه ثلاث سنوات مع الشغل لإدانته بالتحرش الجنسي، موقع بي بي سي، 29 ديسمبر، تاريخ الاطلاع 16 ديسمبر 2021. https://www.bbc.com/arabic/middleeast-55475046
[42] للمزيد من المعلومات حول قضية الفيرمونت الشهيرة، انظر: دياب، إسلام (2021). تأجيل محاكمة متهمي فضيحة الفيرمونت، موقع أخبار اليوم، 14 يونيه. تاريخ الاطلاع 16 ديسمبر2021. https://m.akhbarelyom.com/news/newdetails/3394099/1

[44]يتحدث أليكس هونيث عن أليات النضال من أجل الاعتراف بمفهوم معين ووضعه على أجندة المجتمع عبر حشد معظم خطاب الحركة لتأصيل مفاهيم محورية يتمحور حولها الحراك في لحظات بعينها. وينطبق هذا المفهوم بشكل كبير على تأصيل مبدأ تصديق الناجيات في إطار حركة مناهضة العنف الجنسي في مصر. انظر: هونيث، اليكس (1996). النضال من أجل الاعتراف: الأبجديات المعنوية للصراع الاجتماع (The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflict). مطبوعات معهد ماساشوستس للتكنولوجيا.
[45] لمطالعة صفحة مبادرة (speak up) على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، انظر: https://www.facebook.com/SpeakUp00
[46] لقراءة تحليل نقدي نسوي حول بعض القضايا الخاصة بالحفاظ على قيم الأسرة المصرية، وتحركات النائب العام المصري تجاه عدد من مقدمي المحتوي سواء على وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، انظر: التركي، سماء (2021). جسد واحد ومئة مليون عين: عن قوة الرقابة المجتمعية والمقاومة المتخفية في حيز الفاعلية الجنسية والجسدية للنساء القاهريات. بيروت: مطبوعات المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.
[47] للمزيد من المعلومات حول واقعة فتيات التيك توك، انظر: شبكة موقع البي بي سي (2020). الحكم على حنين حسام ومودة الأدهم بالسجن والغرامة في مصر بتهمة نشر فيديوهات خادشة للحياء، موقع بي بي سي، 27 يوليو. تاريخ الاطلاع 17 نوفمبر 2020.
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-53555307

Read this post in: English

Exit mobile version