دراسات

النضالات الاجتماعية-السياسية في السودان والجزائر مُعرضة للخطر في خضم أزمة كوفيد-19

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تفشت جائحة كوفيد–19 في السودان والجزائر أثناء واحدة من أخطر مراحل الانتقال السياسي في البلدين. تفحص هذه الدراسة كيف استغلت السلطات في البلدين الجائحة لتحقيق مكاسب سياسية؟ كيف ستُكيّف الحركات الاحتجاجية في البلدين من نضالاتها، في ظل التدهور الاجتماعي/الاقتصادي وانعدام الاستقرار السياسي اللذان يصبان في صالح السلطة؟ كانت الجائحة عاملًا محفزًا لآليات الثورة المضادة في البلدين، وإن اختلفت كثيرًا الأدوات والاستراتيجيات التي تسلحت بها النظم القديمة هنا وهناك. تستند هذه الدراسة إلى إطار نظري مقارن، قوامه مقابلات نصف مهيكلة والمنهج البحثي الكيفي. بينما كثفت السلطات الجزائرية من قمعها للحركة الاحتجاجية في سياق الجائحة، ففرضت قيودًا مشددة على الحريات والحقوق الرقمية؛ فإن النخب القديمة في السودان استغلت الأزمة لتأطير نفسها بصفتها المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية المصالح العامة ومكافحة كوفيد–19.

مقدمة

كانت 2019 سنة مضطربة للسودان والجزائر، مع انطلاق الانتفاضات الشعبية السلمية في البلدين، المطالبة بتغيير حقيقي في الحكومة وعزل بعض القادة في البلدين. الأزمات الهيكلية في الاقتصاد ضاعفت المصاعب الاجتماعية/الاقتصادية لدى قطاعات كبيرة من المجتمعين على مدار السنوات الأخيرة. لم يقتصر الأمر على تحدي الحركات الاحتجاجية في السودان والجزائر لقبضة النخب القديمة على السلطة، إنما امتد أيضًا إلى المطالبة بالتغيير الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية وإجراء إصلاحات اقتصادية –وفي حالة السودان– إنهاء النزاع المسلح. رغم أن الحركات الاحتجاجية في البلدين فرضت على النظام احترام المطالب الشعبية، وفي السودان وافقت حتى على الانتقال السياسي، فإن التغيير المستدام وراء هذه الإصلاحات السطحية ما زال مطلبًا.

لا تزال فلول النخب القديمة في السلطة في السودان والجزائر، تناوئ محاولات قوى المعارضة والحركات الاحتجاجية لفرض خارطة طريق ديمقراطية، وسنّ توزيع أكثر عدلًا للثروة والموارد، وتقديم إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تغيير النظم الاقتصادية المصممة لإقصاء شرائح كبيرة من المجتمع. التوقيت الحرج لجائحة كوفيد–19 قوض نضال الحركات الاحتجاجية، الهادفة لإحداث تغيير حقيقي. كما مهدت حالة الطوارئ الصحية الطريق أمام السلطات في الخرطوم والجزائر العاصمة لاستغلال الجائحة في إحراز مكاسب سياسية، فبدأت السلطات الجزائرية حملة صريحة بحق النشطاء والمعارضين والصحفيين، وفرضت قيودًا مشددة على الحريات الأساسية ولاحقت حرية التعبير عبر الإنترنت. وفي السودان، استغلت قوات شبه عسكرية –سيئة السمعة وتعرف بموالاتها للنظام القديم– الجائحة لتأطير نفسها بصفتها المؤسسة الوحيدة القادرة بشكل فعال على مكافحتها وتحقيق الصالح العام، بغية تهميش النظراء المدنيين في خضم المرحلة الانتقالية السياسية الهشة.

في هذه الدراسة، نسلط الضوء على كيفية استغلال السلطات في السودان والجزائر للجائحة لتحقيق مكاسب سياسية. النهج البحثي الذي نعتمده يستند إلى إطار نظري مقارن، ويشتمل أيضًا على مصطلحات منقولة من مجال الدراسات السوسيولوجية. من ثم فإن «السياسة المقارنة» هنا تُعنى بمقارنة التوجهات في البلدين وبينهما، وفي المجتمعات والمؤسسات السياسية فيهما، فضلًا عن ظواهر وكيانات أخرى مشمولة بالمقارنة.[1] المقارنة بين المؤسسات والكيانات المختلفة بالعملية السياسية في السودان والجزائر تسمح بالوصول إلى تفسيرات جديدة تستند إلى الأدلة والقرائن، حول كيف استغلت السلطة الأزمة الصحية القائمة.

نبدأ الورقة بتقديم خلفية حول التطورات الأخيرة في السودان والجزائر، منذ بداية الاحتجاجات في ديسمبر 2018 وفبراير 2019 على التوالي، قبل توضيح كيف أثرت الجائحة على الحركات الاحتجاجية، وأيضًا كيفية تعامل السلطات مع الطوارئ الصحية. بعد هذا، نوضح كيف استغلت السلطات والفاعلون في السلطة في البلدين الجائحة في تحقيق مكاسب سياسية. هذا الاستعراض يتبنى رافدين بحثيين، أولهما مقاربة وصفية وثانيهما مقاربة تفسيرية؛ بغية وصف الأدوات والاستراتيجيات المختلفة التي استخدمتها النخب في  البلدين، ومناقشة كيف تتكيف الحركات الاحتجاجية في البلدين مع الوضع منذ بداية الأزمة.

تستند هذه الدراسة إلى اثني عشرة مقابلة نصف مهيكلة أُجريت في أغسطس وسبتمبر 2020 مع شخصيات سياسية ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين ومتظاهرين، فضلًا عن إجراء بحوث مستفيضة على مدار السنوات الأخيرة في السودان والجزائر ودول أخرى في شمال أفريقيا وأوروبا. أغلب المقابلات مُجهلة، حيث أثار عدد كبير ممن تمت مقابلتهم بواعث قلق حول ذكر أسمائهم. بعد مرحلة جمع البيانات، تمت عملية تنظيف ممنهج للبيانات وتنظيمها. استخدمنا التحليل الاستقرائي لتوضيح الأفكار والأنساق المشتركة لدى المبحوثين، وسلطنا الضوء على القضايا الأبرز.

خلفية الدراسة

في ديسمبر 2018 اندلعت حركة احتجاجية شعبية –عُرفت فيما بعد بــ «الثورة السودانية»– في بلدة عطبرة شماليّ السودان. ينحدر المتظاهرون من خلفيات سياسية واقتصادية مختلفة،[2] فكان بينهم سودانيين عاديين ليست لديهم انتماءات سياسية قوية، يلومون مصابهم الاقتصادي البالغ على سوء الإدارة الاقتصادية للرئيس عمر البشير وديكتاتوريته التي دامت ثلاثين عامًا. كان محور الحركة الاحتجاجية هو تجمع المهنيين السودانيين، وهو مجموعة من المنظمات والنقابات العمالية تشكلت عام 2013 ونُظمت أول مسيرة للقصر الرئاسي في الخرطوم في الخامس والعشرين من ديسمبر 2018، ثم في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2018، للمطالبة باستقالة البشير. يمكن القول أن تجمع المهنيين يمثل تاريخ السودان الطويل مع الحراك السياسي، سواءً في انتفاضتي 1964 أو 1985.[3] وكانت الحركات الشبابية، مثل «قرفنا»، متواجدة تاريخيًا في القلب من الاحتجاجات في السودان. كان المتظاهرون يتنفسون هواءً مثقلًا بالخوف والأمل. وكان الأمن الوطني السوداني –الذي تغير اسمه في يوليو الماضي إلى جهاز المخابرات العامة– ووحدات العمليات المسلحة السرية فيه، مسئولًا عن أول قمع دموي لحق بالمظاهرات، وحتى أبريل 2019، عندما تم عزل البشير.[4]

في الحادي عشر من أبريل 2019 أخرجت مجموعة من ضباط الجيش عمر البشير البالغ من العمر خمسة وسبعين عامًا من قصره. منذئذ، عُزل في السودان اثنين آخرين من أكثر قادته دموية. في أغسطس 2019 بينما كان المتظاهرون لا زالوا يهتفون «مدنية»، خشية المزيد من الاعتداءات على المدنية، وبضغوط دولية، بدأ السودان خطة انتقالية قوامها ثلاث سنوات، وجاءت حكومة انتقالية جديدة مشكلة من المجلس العسكري وتحالف المعارضة الرئيسي، مع وعد بمحاسبة عناصر النظام الإسلامي على كافة الجرائم المرتكبة على مدار السنوات الثلاثين الماضية. وقّعت «قوى الحرية والتغيير» –وهي ائتلاف عريض من مجموعات المعارضة والائتلافات المتمردة– اتفاقًا مع الجنرالات يتضمن التخلي عن المطلب الأساسي بإدارة مدنية، وورثت قطاعًا أمنيًا متضخمًا إلى حد بعيد، وفساد مستشر وعقوبات أمريكية. بدأت عملية «تاجيليتي» –وهو تنويع على كلمة «تأجيل»– وهي العملية التي وصف بها الكثيرون في الخرطوم عملية تنصيب حكومة مدنية/عسكرية، لتجنب الدخول في مواجهة مع الجنرالات.[5]

بعد أقل من شهرين على ظهور الحركة الاحتجاجية في السودان، بدأت الانتفاضة المعارضة للحكومة في الجزائر على مستوى الدولة، فتحدت قبضة النخبة القديمة على السلطة، وهو الأمر المستمر إلى اليوم. فور إعلان النظام نية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح للانتخابات الرئاسية في أبريل 2019، اندلعت احتجاجات صغيرة في عدة مدن بمنطقة القبائل وفي شرق الجزائر، وسرعان ما اكتسبت الزخم وعمت أنحاء الدولة. في خلال أسبوع تحولت الحركة الاحتجاجية الجزائرية –تُعرف بمصطلح «الحراك» – إلى انتفاضة شعبية سلمية عمت أنحاء الدولة، فحشدت قطاع كبير من المجتمع لأكثر من ثلاثين شهرًا وطالبت بتنحي بوتفليقة وبعملية انتقالية ديمقراطية حقيقية.

عناد ومثابرة «الحراك» أجبر النظام على التسليم، على الأقل فيما يخص بعض طلبات الحركة. في أبريل 2019 تم إجبار بوتفليقة وحكومة رئيس الوزراء أحمد أويحيى على التنحي بعد ستة أسابيع من الحشد الجماهيري الموسع والاعتصامات والإضرابات على مستوى الدولة. لكن التغيير السياسي العميق الذي دفع به «الحراك» وسعى لأجله لم يتحقق، مع قيام الجيش بقيادة رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح، بتولي مقاليد السلطة ومحاولة الإبقاء على النظام السياسي الجزائري مستمرًا.[6]

إبان انسحاب بوتفليقة من السلطة، استمرت المظاهرات بلا انقطاع في الجزائر، رغم تحقق مطلب «الحراك» الأساسي، وهو تنحي بوتفليقة، فإن الحركة تحولت نحو المزيد من الأهداف السياسية الراديكالية، وهي الآن تهدف لتغيير حقيقي في «النظام»، حيث تريد دولة مدنية لا عسكرية، واستبدال جميع فلول النظام القديم، بما يشمل قائد الجيش النافذ قايد صالح الذي يتولى منصبه منذ 2004. ودأب «الحراك» منذ انسحاب بوتفليقة من السلطة على انتقاد والتصدي إلى تدخل الجيش في السياسة. ومن غير المثير للدهشة أن شعار «دولة مدنية مش عسكرية» و«يتنحاو قاع» (أي عليكم التنحي جميعًا) قد أصبحا من أبرز شعارات الحركة منذ ذلك الحين.[7]

لم تقتصر مطالب المتظاهرين على تنحي من تربطهم صلة بالرئيس بوتفليقة، بل أيضًا خروج المنظومة السياسية بالكامل، وتتكون من النظام –ويُشار إليه في الجزائر بمسمى le pouvoir (أي «السلطة/القوة» بالفرنسية)– المكون من مراكز قوى تتصارع فيما بينها على النفوذ السياسي والحصول على إيرادات الدولة.[8] لكن بوتفليقة وحكومته ذهبا وجاء مكانهما ببساطة شخصيات أخرى من النظام نفسه، تُعتبر متجذرة في صفوف مراكز القوى المعارضة لبوتفليقة. مع اعتماده إصلاحات «تجميلية» لا أكثر، حاول قايد صالح ضمان «انتقال»قيادة النظام، ومنع أي تنازلات كبرى أمام «الحراك»، وتأمين الامتيازات السياسية والاقتصادية لما تبقى من دائرة «السلطة». ولإرضاء «الحراك»، وتحييد مركز قوة مناوئ داخل النظام، أطلق قايد صالح وهيئات إنفاذ القانون في الجزائر حملة اعتقالات صريحة ضد حلفاء بوتفليقة، مع تحييد عشيرته من خلال سجن ومحاكمة كبار الضباط السابقين، وبينهم رؤساء وزارة ووزراء وضباط شرطة ورجال أعمال، بل وجنرالات من الجيش، كانوا منحازين إلى صف بوتفليقة.[9]

وفي سياق مرحلة «انتقالية» بقيادة النظام، أو «إعادة تنصيب النظام السياسي»[10] –كما وصف الأمر البروفيسور د. رشيد عويسة، من ألمانيا– انعقدت انتخابات رئاسية في ديسمبر 2019 رغم تنظيم «الحراك» مظاهرات جماهيرية وحملات للمقاطعة. يبدو أن قايد صالح قد نجح في تولي زمام الأمور في النظام، مع فوز عبد المجيد تبون –الحليف القوي لقايد صالح– بالانتخابات بهامش مكسب كبير. يُعتقد أن نتائج الانتخابات قد تعرضت للتزوير، وإن كان تبون –وهو رئيس وزراء سابق من عهد بوتفليقة ووجه جديد «للسلطة» منذ وفاة قايد صالح المفاجئة في أواخر 2019– يحكم الجزائر رسميًا منذ نجح –ظاهريًا على الأقل– في تهدئة الصراع على السلطة بين عشائر النظام المختلفة وإعادة صفّ الفصائل المتبقية نحو هدف واحد، هو مناورة «الحراك» بنجاح وتقويضه. منذئذ، و«السلطة» تتبنى سياسة العصا والجزرة مع «الحراك»، إذ تغريه بإصلاحات سياسية بينما تصعّد من قمع النشطاء وخصوم النظام.

كوفيد–19 يضرب السودان والجزائر في مرحلة حرجة

الحظر والخوف والقلق والاكتئاب.. ها هو الفيروس يضيف طبقات جديدة إلى التحديات الاجتماعية والسياسية والصحية الأخرى في البلدين. بذل العاملون بالرعاية الصحية جهودًا مضنية للتعامل مع القصور في المستلزمات الطبية ومعدات الحماية،[11] والأدهى أن انتشار الفيروس فاقم من المصاب الاقتصادي الذي حرّك الانتفاض والتظاهر ضد الحكومة من الأساس.

بعد عام من انعدام اليقين السياسي والاضطرابات الاجتماعية، تواجه السلطات في الجزائر والسودان مهمة صعبة تتمثل في التعامل مع الأزمة الصحية والسعي وراء تحقيق إصلاحات هيكلية موسعة، في ظل المعاناة من الفساد وضعف التمويل وسوء الإدارة. فإذا كان الاقتصاد في السودان والجزائر –من قبل ظهور كوفيد–19– في وضعية صعبة، من معاناة واختلالات هيكلية كبيرة في موازين التجارة والمالية وتراجع إيرادات النفط والغاز، فإن الآثار الاجتماعية والاقتصادية الأقوى لكوفيد–19 لم تتحقق بعد.

تم الإبلاغ بوجود كوفيد-19 في السودان منذ مارس 2020، وحتى نوفمبر 2020 تأكدت إصابة 15,047 حالة، ووفاة 1197 شخص.[12] أصاب الفيروس السودان بقوة في أكثر مراحل الحكومة الانتقالية المدنية/العسكرية حرجًا، في الوقت الذي هرعت فيه النخب السياسية المنقسمة إلى التصدي للمشكلات في سائر أنحاء السودان، دون أن يتحسن الوضع بالنسبة إلى أغلب السودانيين. مع القصور في الوقود والكهرباء والخبز، واستمرار ظاهرة الطوابير الطويلة وزيادة الإحساس بالغضب والإحباط، فإن شبكات المقاومة الشعبية –وهي اللجان التي تقع في القلب من الانتفاضة– قد خططت للتظاهر لدفع الوزارة بقيادة المدنيين للتصدي للتحديات الاقتصادية والسياسية وإعلاء أولوية الإصلاحات الهيكلية. وفي الوقت نفسه لا يزال عناصر النظام القديم جزءً من الجهاز الأمني. ورغم الحظر بسبب فيروس كورونا، تجمع أكثر من مليون متظاهر سوداني في الثلاثين من يونيو 2020 في العاصمة الخرطوم ومدن سودانية أخرى.

يواجه رئيس وزراء السودان الجديد عبد الله حمدوك –الذي نجى من محاولة اغتيال في مارس الماضي– تحديات جمة. لقد أقرّ مؤخرًا بأن السلطة الانتقالية «كان عليها تصحيح مسار الثورة». إذ ينبغي على حكومته الانتقالية بقيادة مدنية التعاطي مع الكثير من الإصلاحات القانونية والمؤسسية واسعة النطاق، وتشمل تفكيك شبكة الفساد والسرقة المهيمنة على الشركات المتعددة المملوكة للدولة التي تسيطر عليها الأجهزة العسكرية والأمنية. وأقرّ حمدوك نفسه بأن ميراث النظام القديم لا يزال بحاجة للتفكيك، حينما تظاهر المئات من السودانيين –وبينهم عناصر من لجان المقاومة– أمام مقر الحكومة في أغسطس الماضي للمطالبة بإصلاحات لإتمام أهداف الثورة.

رغم إعفاء المسعفون والأطباء في الخرطوم من الحظر، إلا أنهم تعرضوا للمضايقات لدى نقاط التفتيش في المدينة. وقاد مكتب الأطباء المتحدون (ويشمل اللجنة المركزية للأطباء ونقابة الأطباء السودانية ولجنة الاستشاريين المتخصصين) إضرابًا تدريجيًا للأطباء عن العمل لمدة ثلاثة أيام، مع استثناء الحالات الطارئة من الإضراب. وحذرت اللجنة المركزية للأطباء السودانيين من أن المستشفيات قد تُغلق في غياب المعدات، ومن ضمنها معدات الحماية. وقالت د. سارة عبد الجليل رئيسة اتحاد الأطباء السودانيين في المملكة المتحدة: «الفساد في الحكومة المحلية لا يزال يمثل عقبة كبيرة لنجاح الحكومة في تنفيذ خطط مواجهة المرض».[13]

وبعيدًا عن طاولات المفاوضات التي تجلس إليها النخبة السياسية السودانية، وفي خضم فوضى انتشار كوفيد–19 في العاصمة، استمرت المظاهرات والاعتصامات السلمية، من دارفور في الغرب إلى كاسالا شرقًا، للمطالبة بالأمن والحقوق والحريات والعدالة وظروف معيشية أفضل. كما عبّر المتظاهرون عن استيائهم من الظروف الصعبة الخاصة بالزراعة، وغياب الطرق، واستمرار تواجد مسئولي نظام عمر البشير المعزول. كما زادت حالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية مع نقص المساعدات الإنسانية خلال الحظر المرتبط بكوفيد-19. طبقًا لبيانات مستشفى الفاشر في شمال دارفور، ارتفع معدل الاغتصاب بواقع خمسين بالمائة وكذلك حالات الناسور البولي في السيدات والفتيات بسبب الاغتصاب الجماعي والعنف الجنسي. واستمرت التقارير حول العنف ضد المدنيين، رغم توقيع اتفاق السلام[14] لإنهاء الحروب مع الجماعات المتمردة وإقامة الديمقراطية التي يطالب بها الشعب السوداني.

لقد أضاف الفيروس طبقة جديدة إلى التحديات الاجتماعية والسياسية والصحية الأخرى الكثيرة التي لا يزال السودان يواجهها، مع احتياج تسعة ملايين نسمة للمساعدات الإنسانية، وعدم قدرة واحد وثمانون بالمئة من الشعب على الوصول إلى مراكز رعاية صحية تبعد ساعتين عن محل السكن. ولقد سقطت أمطار ثقيلة على السودان خلال مؤخرا  فأدت إلى المزيد من الفيضانات والنزوح والوفيات، وأسفرت عن إعلان الحكومة حالة طوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر.

لا يزال السودان يعاني من تحديات كثيرة، من ضمنها زيادة معدلات العنف ضد المدنيين في دارفور، والنزاعات بين المجتمعات المحلية المختلفة في مناطق شرق السودان. ورغم توقيع اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية السودانية، فإن مطالب الثورة من حرية وسلام وعدالة لا تزال تتردد بقوة. في حين تستمر الاعتصامات في أم درمان وفي مقلد وغبيش في غرب كردفان، فإن جهاز الأمن ومحمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) –وقد أمرا بأسوأ الفظائع في الماضي وارتكباها– مستمران في التأكيد على الالتزام بالديمقراطية وفي رسم الخطوط العامة لوصفة السلام في مناطق النزاع السابقة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.

في الجزائر، تأكدت أول حالات كوفيد-19 في فبراير 2020. وفي الأسابيع التالية، كافح «الحراك» ليعيد التمركز ويضبط أدواته للمقاومة مع انتشار الجائحة. واستمر «الحراك» في الاحتشاد في الشوارع في مارس، وتعاطى مع التهديد الصحي القائم من خلال استخدام الكورونا في شعاراته، إذ ردد المتظاهرون بالعاصمة في الثالث عشر من مارس شعارات «لا الكورونا ولا الكوليرا [إشارة إلى انتشار الكوليرا لفترة قصيرة في الجزائر عام 2018] سيوقفنا، سننال حريتنا مهما حدث!» و«الكورونا لا يخيفنا، فقد نشأنا في الهم!».[15]

مع تزايد أعداد الإصابات بالفيروس في الجزائر، حذر النشطاء من الجائحة. وبينما اعتبرت بعض الأصوات مناشدات المسئولين الحكوميين الكف عن التجمعات العامة في الأزمة الصحية محاولة لإذكاء الخلافات في «الحراك» وتقويض قدرته على الحشد، طالب آخرون بإيقاف مؤقت وفوري للمظاهرات. وقالت إذاعة م الموالية لــ «الحراك» في مارس: «إنهاء المظاهرات ليس هزيمة على الإطلاق. عندما تنتهي أزمة كورونا، سوف نعود إلى الشوارع التي كافحنا كثيرًا للوصول إليها».[16] تكررت دعوة شخصيات بارزة من «الحراك» لنشطاء بالاستمرار في النضال من أجل التغيير الحقيقي في الحكومة، عبر سبل ووسائل مختلفة.

رغم أن الاحتجاجات السلمية الأسبوعية  لـــ «الحراك» تعتبر هي الأداة الأقوى في الضغوط الشعبية على النظام. وفي الوقت نفسه، منع الاستمرار في تنظيم المسيرات السلطات من استخدام العنف وقمع «الحراك». على أي حال توقفت تلك المسيرات الأسبوعية منذ منتصف مارس، ومن وقتها ظهرت دعوات متفرقة تطالب بالعودة للشوارع، إلا أن مناصري الحراك يتجاهلونها. خوف البعض من استغلال «السلطة» للجائحة وتحقق مكاسب سياسية، فضلًا عن التشكيك في تصرفات «الحراك» مع انتشار الطوارئ الصحية، هي قطعًا مخاوف معتبرة. في مطلع مارس، أصبح المسئولون الحكوميون أعلى صوتًا إزاء مخاطر التجمعات العامة. تراوحت التصريحات بين الهجوم الضاري على «الحراك» والمطالبات الهادئة بإيقاف المسيرات.[17] في كلمة متلفزة في السابع عشرة من مارس، أعلن الرئيس تبون اعتبار الجائحة «قضية أمن قومي وقضية صحية» اضطرت السلطات إلى فرض قيود مؤقتة على بعض الحريات، معلنةً حظر المسيرات والتجمعات، وهي الخطوة التي بدت مريبة لمناصري «الحراك» إذ لم يكن واضحًا ذلك اليوم، إن كانت الحكومة تعتزم إنهاء الحظر على التظاهر على مستوى الدولة بعد انتهاء أزمة كوفيد-19.

حتى الحادي والعشرين من نوفمبر 2020، ظهرت 74,862 حالة إصابة بفيروس كوفيد–19، مع 2,275 وفاة في الجزائر.[18] إلا أن إدارة الحكومة للأزمة لم تتصف بالتماسك على الإطلاق. فتعامل السلطات مع الجائحة يبدو أن محركه الأساسي هو العوامل والاعتبارات السياسية، لا الصحية، على الأقل في بدايات الأزمة. منذ ذلك الحين ضربت الجائحة الجزائر، وأظهرت الحكومة نفسها في صورة المدير الأزمة الناجح، رغم تفاقم الموقف في المستشفيات العامة في مارس، ثم تبع ذلك تفعيل أساليب معروفة عن النخب الجزائرية، بتوفير المستلزمات والأدوات في المنشآت الصحية مع تجميل صورة تعامل الدولة مع الأزمة.

تكررت تصريحات رئيس الوزراء عبد العزيز جراد والرئيس تبون ووزير الصحة عبد الرحمن بن بوزيد لطمأنة الرأي العام بأن الإمدادات في المستشفيات، من قبيل معدات الحماية والمطهرات كافية. لكن هذه المزاعم تتعارض مع تصريحات النقابات الصحية والعاملين بالقطاع الصحي في الصحافة المحلية والدولية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، التي تؤكد ضعف الموارد الخاصة بالمستشفيات وتشكك في تأكيدات الحكومة المضللة.[19] منذ ذلك الحين، نُشرت في الصحافة المحلية والدولية ومواقع التواصل الكثير من التقارير حول النقص البالغ في مستلزمات التطهير والنظافة مع تكرار إضرابات العاملين بالمستشفيات في عدة مدن جزائرية، احتجاجًا على نقص الموارد.[20] لم يتعرض النظام الصحي للانهيار، كما تنبأ البعض، إلا أنه وبعد تراجع معدلات الإصابة المعلنة رسميًا بين يوليو وسبتمبر 2020، ثمة موجة ثانية من الجائحة تضرب البلاد منذ أكتوبر 2020. وفي الوقت نفسه، تستمر السلطات في استخدام كوفيد-19 كذريعة لتحقيق أهداف سياسية، والدفع بعملية «انتقالية» بقيادة النظام، والالتفاف حول «الحراك»، في خضم أزمة اجتماعية/اقتصادية حادة متوقع تسارع عجلتها في 2021.

السلطات في السودان والجزائر تستغل كوفيد–19 لتحقيق مكاسب سياسية

منذ بداية الجائحة في مطلع 2020، دأبت السلطات والفاعلون بالدولة في كل السودان والجزائر على استغلالها في تحقيق مكاسب سياسية، إلا أن هذا الاستغلال تم عبر سبل وأدوات مختلفة، في ظل وجود أهداف واعتبارات متباينة. أجبرت الانتفاضات الشعبية في كلا البلدين شرائح معينة من النخب القديمة على التنحي وتسليم الامتيازات السياسية والاقتصادية جزئيًا. النخب القديمة كانت حريصة على استمرار تمسكها بالسلطة ولو جزئيًا على الأقل، ما حال دون حدوث صدع كبير في النظام السياسي الدولتين، كما التفت هذه النخب حول النظراء المدنيين كلما أمكن. استغلت السلطات في البلدين كوفيد–19 في استرداد السيطرة على المجالات والخطابات العامة، وتحديدًا في حالة السودان لتأطير نفسها بصفتها المؤسسة الوحيدة القادرة على التصدي للجائحة بفعالية.

ارتبطت النخب القديمة في السودان بالخصوم المدنيين عبر عملية انتقالية سياسية حاليًا، بينما تمكنت الطبقة الحاكمة في الجزائر من تجنب أي صفقة حقيقية لتشارك السلطة مع «الحراك»، ولا تزال هي الفاعل الوحيد القابض على السلطة التنفيذية. من بعد توقف مسيرات «الحراك»، رفضت نخب الجزائر القديمة الهدنة، وشددت من حملتها على الحركة من خلال تضييق قبضتها أكثر فيما يخص السياسات القمعية المستمرة ضد النشطاء وخصوم الحكومة. منذ مارس، تعرض مئات النشطاء وشخصيات المعارضة والصحفيون للاعتقال المؤقت والاستدعاء للتحقيق والترهيب والسجن والإدانة بأحكام سالبة للحرية.[21] كما فرضت السلطات قيودًا مشددة على الحريات الأساسية والحقوق الرقمية؛ فشنت حملة مراقبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحقت قضائيًا منتقدي المسئولين الحكوميين عبر الإنترنت، وحجبت مواقع إخبارية ناقدة للحكومة، وحظرت التجمعات العامة واعتمدت قوانين من شأنها تجريم حرية التعبير.[22]

قائد الميليشيا وظلّه المبسوط على أفق الآمال السودانية

كان التعاون السياسي والاقتصادي بين السودان ودول الخليج بمثابة ظل مبسوط فوق الخرطوم، لكنه أمّن أيضًا موقع محمد حمدان (المعروف بحميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي. حميدتي معروف بقدرته على كسب وشراء المعارضين والمنافسين، فضلًا عن كونه عميل ووكيل للإمارات العربية المتحدة،[23] وهي طرف رئيسي في المعادلة السودانية. قواته المعروفة بمسمى «قوات الدعم السريع»، وهي ميليشيا انبثقت عن قوات الجنجويد من دارفور، تعد منافسًا للجيش النظامي، كما أن مشاركتها في حروب اليمن وليبيا قد حسّن من مكانة حميدتي في دول الخليج، وهي من الأطراف الخارجية المؤثرة في العملية الانتقالية.

إن سيطرة حميدتي على تجارة الذهب السودانية الهامة تُعد مثالًا دالًا على حجم تحديات إنقاذ الاقتصاد المدمر بفعل عقود من الفساد وسوء الإدارة والحرب. إنه موجود بقوة وكأن حضوره تمهيد لحملة انتخابية، حتى أن تدخل قواته الطبي كان أسرع من تدخل الحكومة في الفاشر عاصمة شمال دارفور، حيث كان العجائز يحتضرون بمعدلات هائلة بسبب «مرض غامض» يفترض الكثيرون أنها وفيات بسبب كوفيد-19 لكن لا يتم حصرها بهذه الصفة.

ومع تصاعد الخلافات بين المجلس السيادي ووزارة الصحة على كيفية مكافحة كوفيد–19، تصاعد أيضًا النفوذ السياسي ل«قوات الدعم السريع». فمع مساعدة مؤسسة “ديكنز آند ماديسون” الكندية والمعنية بتنظيم حملات اللوبي، في تحسين صورته وتمهيد الطريق أمام الانتخابات العامة، فإن نفوذ حميدتي يتنامى. مستشاره فارس النور –وهو ناشط بارز ساعد في تنظيم المظاهرات ضد الحكومة– يعتبر أنه من المهم تشجيع ودعم الانتقال السياسي، مضيفًا «إذا ترشح حميدتي في الانتخابات، فسوف يكون هذا بشكل ديمقراطي».[24]

تحت قيادة حميدتي، قادت «قوات الدعم السريع» حملة ضد كوفيد–19، فأدارت مراكز الحجر الصحي، وعقمت الشوارع، فضلًا عن توزيع المعدات والمشورة الطبية. يعتقد نشطاء الثورة في السودان أن «قوات الدعم السريع» باتت من المعوقات الأساسية التي تعترض التحول الديمقراطي في السودان، وتعيد اختراع نفسها كطرف يدافع عن الناس، لتصليح صورة مقاتليها المتضررة. بينما تكافح الحكومة الانتقالية للتعامل مع منظومة صحية هشة من الأساس، فإن «قوات الدعم السريع» تعد لاعبًا رئيسيًا في التعامل مع الجائحة في السودان.

التأخر في إحقاق العدالة في السودان

العملية الانتقالية الهشة في السودان تواجه مشكلة غياب المحاسبة والقصور الذاتي الذي تعاني منه العدالة. في الثلاثين من يونيه 2020، شهد السودان مليونية، فخرج الآلاف للتظاهر في شتى أنحاء السودان، واتحدت دعواتهم للمطالبة بالحكم المدني والسلام والقصاص لمن قُتلوا في المظاهرات، وبتحسين الأوضاع المعيشية،[25] وتفكيك بقايا نظام عمر البشير. يعتقد النشطاء أن الكيزان –نظام البشير– لا يزالون في السلطة. قال إبراهيم الجريفاوي عضو لجنة مقاومة بيت المال: «نحن نعاني من انقطاع الكهرباء لعشر ساعات يوميًا، وكذلك من نقص الوقود. نطالب الحكومة بحل مشكلتنا الاقتصادية المزمنة. نريد حكومة أكثر شفافية، ونريد السلام على الأراضي السودانية».[26] تواجه الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تحديات جمة، فاقمت منها أزمة كوفيد–19. في يوليو، أعلن حمدوك عن تغيير وزاري، أملًا في تخفيف السخط الشعبي بسبب الانهيار الاقتصادي والأزمات الأخرى.

تصطدم آمال النشطاء بالواقع السياسي، فالتحالف العريض بين الأحزاب السياسية والنقابات المهنية معرض للانقسام العميق، مع الكفاح في مواجهة خزانة شبه مفلسة. مع بدء بنى الفترة الانتقالية في التصدع والتشظي تحت ضغط الانقسامات الداخلية، ومع غياب التنسيق بين قوى الحرية والتغيير، قررت شبكات المقاومة الشعبية غير الرسمية العودة إلى المعادلة، بعد أن أغضبتها تصرفات أطراف العملية السياسية في الخرطوم. هذه اللجان الشعبية وُلدت سرًا بدافع الضرورة، في سياق التنظيم أثناء المواجهات مع جهاز الأمن خلال المظاهرات العنيفة على مدار السنوات الماضية، وهي الآن تحاول تجديد حيويتها. هذه اللجان الشعبية نفسها تنسق الكثير من الدعم الحكومي الاجتماعي على الأرض، وتسد فجوة الخدمات الصحية على المستوى المحلي. وبينما تكتسب لجان المقاومة الكثير من المسئوليات والثقة أيضًا، يشعر نشطاء عديدون بالحزن والغضب على الشهداء والعنف، ولا يزالون ناقمين للغاية على التخاذل الحكومي في التعامل مع الأزمة. فعلى حد تعبير أم ناشط شاب قُتل في الثالث من يونيو 2019 في الخرطوم «لقد سُرقت الثورة. لابد أن يتحد الثوار».[27]

إذا لم يكن الشباب على خريطة العملية الانتقالية في السودان، فما زالوا هم حراس الثورة. قال حسام علي، عضو لجان المقاومة في الخرطوم: «العسكر يزعمون أنهم الحراس، لكننا نشعر أنهم رتبوا الأوراق وما زالوا يطمعون في السلطة. الثورة مهددة». ومع تأجيل التحقيق في أعمال القتل، تزايد الإحباط وخرج النشطاء وأهالي الضحايا إلى شوارع الخرطوم لإحياء الذكرى السوداء للثالث من يونيو 2019، عندما قامت قوات التدخل السريع في نهاية شهر رمضان بمداهمة الاعتصام السلمي أمام مقرات عسكرية، فأطلقت النار على المتظاهرين وضربتهم وقتلتهم واغتصبت ستين امرأة على الأقل، في وقائع موثقة، وتتضمن انتهاكات واعتداءات على مدنيين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. تسبب كوفيد–19 أيضًا في تأخير محاولات الحكومة لجلب مسئولي عهد البشير أمام القضاء، فهناك أكثر من عشرين قائد من النظام السابق محتجزين منذ أكثر من عام دون محاكمة، تأخرت مداولات قضاياهم بسبب كوفيد–19.

القمع يشتد مع إيقاف الحراك للمظاهرات في الجزائر

في العشرين من مارس 2020، شهدت الجزائر أول جمعة بدون مظاهرات منذ بدء «الحراك» في فبراير 2019، إذ دعا «الحراك» إلى وقف المسيرات الأسبوعية بسبب كوفيد-19، ونالت دعوته القبول على مستوى الدولة. بعد أيام قليلة، صعّدت النخب القديمة إجراءاتها القمعية ضد النشطاء والمعارضين والصحفيين والمؤيدين للحراك، وفي الأسابيع التالية، تعرض بعض أبرز نشطاء «الحراك» وبعض المتظاهرين والنشطاء العاديين للتوقيف والاحتجاز والاستدعاء للتحقيق والحكم بالسجن والغرامات.

في الرابع والعشرين من مارس قضت المحكمة على السياسي اليساري كريم طابو بالسجن لمدة سنة. طابو الذي يعمل منسقًا لحزب الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي، وهو كذلك من أبرز الساسة المتصلين بالحراك، كان المفترض إخلاء سبيله بعد يومين من انتهاء مدته بالحبس ستة أشهر، إلا أن الحُكم الجديد حال دون ذلك. أدانت منظمات حقوقية ونشطاء كثيرون المحاكمة بأقوى العبارات، وسلطوا الضوء على انتهاكها للمعايير الدولية، إذ انعقدت جلسة المحكمة في غياب محاميّ طابو، ووصفوها بأنها «قضية تعسفية» و«فضيحة قضائية» و”انتهاك حقوقي جسيم”.[28] تعرض طابو للتوقيف في سبتمبر 2019 بعدما انتقد الجيش على دوره النشط في السياسة، واتُهم بــ «التحريض على العنف» و«تعريض الأمن الوطني للخطر».

في السابع والعشرين من مارس اعتقلت السلطات الصحفي الجزائري البارز خالد درارني، مؤسس موقع «قصبة تريبيون» الإخباري ومراسل قناة «تي في 5 موند» الفرنسية ومنظمة مراسلون بلا حدود الحقوقية. وتم اتهامه بـــ «التحريض على التجمهر غير المسلح» و«الإضرار بالوحدة الوطنية»، وفي سبتمبر 2020 حُكم عليه بالسجن لسنتين. في السادس من  أبريل حكمت محكمة بالعاصمة على عبد الوهاب فرساوي، رئيس تجمع حركة شبيبة راج، بالسجن لسنة بناءً على اتهامات مماثلة. كما حاكمت السلطات، على مدار 2019 و2020، عدة نشطاء آخرين من راج؛ في محاولة لإرهاب المجموعة التي كانت من بين أعلى منظمات المجتمع المدني صوتًا وعلى صلة بالحراك. في مايو ويوليو على التوالي أُفرج عن فرساوي وطابو بصفة مشروطة، بينما لا يزال درارني وراء القضبان حتى الآن.

على مدار 2019، تعرض مئات النشطاء والمعارضين والصحفيين الآخرين للتوقيف والاستدعاء للتحقيق والملاحقة القضائية والحكم بالسجن. وصعّدت السلطات من حملتها ضد الانتقادات للحكومة عبر الإنترنت، فاستجوبت عشرات الناس حول آراء عبروا عنها على الإنترنت، وسجنت آخرين بتهمة التشهير بالحكومة على مواقع التواصل، كما حجبت مواقع إخبارية انتقدت الحكومة منها «مغرب إميرجنت» و«راديو إم» و«تي إس أيه الجزائر» و«إنتر لين».

وفي أبريل وافقت الحكومة على تعديل القانون الجنائي، بهدف تجريم خطاب الكراهية ونشر «أنباء كاذبة» على الإنترنت. وتتضمن عقوبات مخالفة المواد الجديدة –التي لا تميز بين التقرير الإخباري والتدوين على مواقع التواصل– عقوبة السجن بحد أقصى خمس سنوات وغرامة ضخمة.[29] تم وصف مواد التعديلات المبهمة والفضفاضة بأنها أداة جديدة للنظام لإسكات الأصوات المعارضة وتجريم حرية التعبير.

بسبب هذا التصعيد الكبير في آليات القمع التي تستعين بها الحكومة، هاجمت منظمات حقوق الإنسان الجزائرية والدولية حملة القمع ضد حرية التعبير والمعارضين. فطالبت منظمة العفو الدولية الحقوقية الجزائر بـ «وقف الملاحقات المتعسفة التي ترمي إلى إسكات نشطاء «الحراك» والصحفيين أثناء جائحة كوفيد–19»، وطالبت بــ «إخلاء سبيل كل من تم استهدافهم بهذه المحاكمات الملفقة على الفور».[30] المحامي الحقوقي صلاح دبوز يرى أن «الاعتقالات والاستدعاءات والإدانات ليست أدوات للقمع الحكومي الوحيدة»،[31] موضحًا «هناك شكل آخر للقمع، أقل ظهورًا. عندما تعمل في القطاع الحكومي، تواجه عقوبات إذا لم تتبع السياسة الحكومية»، في إشارة إلى إيقاف قاض عن العمل بعدما أخلى سبيل نشطاء من «الحراك»، على عكس سياسة «السلطة» حينئذ. ويضيف دبوز «الفصل والإجراءات التأديبية تُفرض على أعوان الدولة المجاهرين بدعم «الحراك»، وهذه تهديدات حقيقية. هذه الضغوط تؤثر على المعلمين وكل من يعملون في القطاع العمومي».

مستقبل «الحراك» غير واضح المعالم

رغم حشد «الحراك» ضد آليات القمع الحكومي على الإنترنت، وإطلاقه حملات توعية صحية وتضامن في خضم انتشار الجائحة،[32] فإن يده مغلولة منذ توقفت احتجاجات الشوارع الأسبوعية. من ثم، خسرت الحركة قدرتها على الضغط على النخب القديمة مع تجميدها لأقوى أدواتها للضغط على السلطات. منذ يوليو، خرجت احتجاجات أصغر نطاقًا، بالأساس بمنطقة القبائل وأيضًا في مدن أخرى عبر الجزائر. ورغم موجة الاحتجاجات الملحوظة في القبائل ومدن أخرى في شمال الجزائر، قبل وأثناء الاستفتاء الدستوري المثير للجدل الذي انعقد في الأول من نوفمبر 2020، فقد أخفق «الحراك» في استرداد ظهيره الشعبي الذي تمكن من الاحتفاظ به لفترة طويلة. قال ناشط بالحراك يعيش في أوروبا: «كان لكورونا أثارًا ثقيلة على «الحراك» وقدرته على الحشد. من الصعب إعادة إطلاق «الحراك» على نطاق مماثل لنجاح الحركة الكبير في مرحلتها الأولى في عام 2019″.[33]

برغم مداومة النشطاء وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني على تأكيد إعادة إطلاق المسيرات الشعبية ما إن تخف ضغوط الجائحة، فإن مراقبين للسياسة الجزائرية يزيد قلقهم إزاء قدرة «الحراك» على العودة إلى ما قبل كوفيد–19. قال صحفي جزائري موضحًا «هناك محاولات لإعادة إطلاق المظاهرات في عدة مدن لكن يبدو أن «الحراك» لا يكتسب حجم زخمه السابق نفسه. لا أعتقد أن الناس حريصة على استرداد [الشوارع]».[34]

لا تقتصر أسباب إحجام الناس عن المشاركة في المسيرات في الأشهر الأخيرة فقط على انعدام اليقين إزاء أزمة كوفيد-19، فهناك أيضًا الخلاف داخل «الحراك» حول أهدافه الملموسة، وهي مسألة تزيد إلحاحًا مع مضي الوقت على تأسيس الحركة. يضيف الصحفي الجزائري «الناس متعبون من الكورونا، والجائحة لها آثار قوية على الحركة. الناس تعرف أن التظاهر لن يحقق شيئًا. إذا كان المطلب الرئيسي [للحراك] هو رحيل [الرئيس] تبون، فالكثيرون يعرفون أنه لن يحدث، ليس هذا بالمطلب الواقعي». بعد رحيل بوتفليقة، خسر «الحراك» بالفعل جزءً كبيرًا من ظهيره الشعبي، رغم أن الحركة تمكنت من العودة عدة مرات، وبلغ الأمر ذروته في ديسمبر 2019 وفبراير 2020. لكن اليوم، تتزايد الانقسامات داخل «الحراك» وتهيئ لانعدام يقين كبير حول أهدافه الملموسة، وهي الحقيقة التي تزيد من إحباط الناس عن المشاركة في المسيرات أو أشكال النشاط الأخرى ضد النظام.

يشير الصحفي الجزائري للخلاف بين العلمانيين والإسلاميين في الحركة الذي يؤطره «نقاش عديم الفائدة» مؤكدًا «هناك خلافات وانقسامات». حذر صلاح دبوز بدوره من الانقسامات وصعود التيارات الإسلامية داخل «الحراك» قائلًا «هناك قوى سياسية تحاول السيطرة على «الحراك» وأن تموضع نفسها بشكل يهيئها لتحل محل النظام»، مشيرًا إلى من ينتظمون في حركة رشاد، وهي شبكة أغلبها في المنفى، قوامها المناصرون السابقون للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حزب سياسي راديكالي فاز بالانتخابات في 1990 و1991 ثم أزيل عن الحُكم بعد انقلاب عسكري دموي في 1992. طبقًا لدبوز، فإن النظام يشجع هذا التيار ويدفعه للأمام ليكتسب شعبية، بغية إحداث شقاق في «الحراك»، ومن ثم إضعاف صفوفه.

إن افتقاد «الحراك» لرؤية متسقة إزاء المرحلة الانتقالية، وانعدام اليقين حول كيفية التصدي للخلافات الأيديولوجية الداخلية وإدارتها، كان بمثابة قضية ملحة منذ عام 2019. لكن الهدف المشترك لمناوئة الثورة المضادة للنظام ومحاولات الطبقة الحاكمة إجراء إصلاحات شكلية في النظام السياسي، جلبت عدة تيارات مختلفة معًا وحافظت على «الحراك» كقوة موحدة. الصحفي الجزائري يرى أن «الغموض المحيط بأهداف «الحراك» يقتل «الحراك». الخيار الوحيد المطروح من كبار الحركة هو عمل مجلس دستوري، وهو المطلب الذي لا يعكس مطلقًا مطالب أغلبية المتظاهرين»، وهو يشير هنا إلى مطلب كبير للتيار العلماني بالحراك، الذي يمثله بالأساس «العقد السياسي لقوى البديل الديمقراطي»، وهو ائتلاف من الأحزاب والجمعيات اليسارية والليبرالية. ويضيف الصحفي «لهذا لا يمكن للحراك أن يتجدد أو يمضي بعيدًا».

على نقيض التصورات المتشائمة المذكورة إزاء مستقبل «الحراك»، فهناك آخرون لا زال يحدوهم الأمل في نهضته مرة أخرى، على الأقل إذا تم استيفاء بعض الشروط. قال الناشط المذكور أعلاه الذي يعيش في أوروبا «لكي نحشد مرة أخرى كما فعلنا من قبل، تحتاج الحركة إلى سبب أو حدث، يحشد الناس معًا ليتظاهروا. نحتاج شيء مماثل للانتخابات الرئاسية التي انعقدت في ديسمبر 2019». لكنه يبدو غير واثقًا مما إذا كان الاستفتاء الدستوري في 1 نوفمبر 2020 قد يُشعل شرارة نهوض الحركة ويحرك موجة جديدة من المقاومة الشعبية بعد عام على انتخاب تبون. فرغم انطلاق المظاهرات الصغيرة والمتوسطة في عدة مدن وقرى بالقبائل وشمالي الجزائر أثناء الاستفتاء، فنتائج الاستفتاء لم تؤد إلى حشد قوي من مناصري «الحراك» في الشوارع.

انطلقت عدة حملات مقاطعة على يد نشطاء ومنظمات مجتمع مدني، ونجحت في تقويض محاولات النظام بحشد الناخبين، إذ شهدت عملية الاقتراع نسبة مشاركة متدنية غير مسبوقة، لا تتجاوز 23.7 بالمائة من مجموع الناخبين.[35] في الوقت نفسه، أعدّ نشطاء «الحراك» لمبادرة جديدة هي «نداء22»، قبل الاستفتاء، بهدف بث الحياة في الحركة عبر الإنترنت وربما خارج نطاق الشبكة، في مرحلة لاحقة. من خلال تيسير وإدارة منصة للحوار بين أطراف «الحراك» لمناقشة الأهداف، فإن «نداء22» تهدف إلى إعادة هيكلة الحركة تمهيدًا لمناوئة خارطة طريق النظام، بخارطة طريق من «الحراك» لإجراء انتقال سياسي حقيقي.[36] شارك بالفعاليات التي نظمتها منصة «نداء22» عشرات الآلاف من الجزائريين، من ثم يبدو أن دعم «الحراك» في المجتمع الجزائري لا يزال كبيرًا رغم الغياب المستمر عن العمل بالشوارع. لكن الحركة لم تثبت بعد أن هذا الحشد والتضامن عبر الإنترنت يمكن ترجمته إلى موجة جديدة من المظاهرات الشعبية بعدما تنتهي أعباء الجائحة.

على النقيض من هذه الآمال، قد تؤدي عملية الإصلاح الدستوري إلى شد عضد النظام، إذ يستمر الرئيس تبون وكبار المسئولين الآخرين في تأطير التعديلات الدستورية بصفتها تلبيةً لمطالب «الحراك»، واستجابةً لطلبات الناس بالتغيير السياسي. ديباجة الدستور الجديد تضمن إشارة صريحة إلى «الحراك»، وتؤطر التعديلات بصفتها مشروعًا يعكس مطامح الناس في الإصلاح. عملية صياغة الدستور –وهي في حقيقة الأمر عبارة عن سلسلة من التعديلات على الدستور القديم– لم تتمتع بالشفافية أو الشمول لجميع الأطراف، إذ صاغتها مجموعة من الخبراء عيّنهم الرئيس، دون مشاركة من المعارضة أو «الحراك». ومنذ انطلاق عملية الإصلاح الدستوري انتشرت في صفوف «الحراك» تحذيرات من فرض «انتقال» سياسي بقيادة النظام، بشكل أحادي وسلطوي.[37]

لكن تبون بدأ يتحول بالفعل إلى خطاب أكثر إرضاءً للجماهير، إذ نأى بنفسه عن نهج النظام العنيد تجاه «الحراك». وأعلن عن نظام شبه رئاسي عبر التعديلات الدستورية، بموجبه تنتقل بعض سلطة الرئاسة إلى البرلمان. وقدم وعدًا بأن «المجلس الوطني سوف يقترح مشروعات قوانين بنفسه للمرة الأولى»، والمفترض بهذا المجلس «الإشراف على الإدارة الحكومية».[38] بينما تبدو التعديلات الدستورية مناورة أخرى لتقسيم «الحراك» وإرضاء شريحة بعينها من المجتمع والحفاظ على «الانتقال» السياسي تحت إشراف النظام. الكثير من الناس أصبحوا منزعجين من «الحراك» ومن الاحتجاجات الدائمة في الشوارع، والخلاف الذي يبدو بلا نهاية بين السلطة و«الحراك». وبسبب الأزمة الاقتصادية التي ضاعفت التحديات الاجتماعية/الاقتصادية لقطاع كبير في المجتمع، يحبذ الكثيرون حاليًا الاستقرار السياسي قبل وصول الكساد الاقتصادي لمرحلة أصعب. فالفترة المقبلة، في مرحلة ما بعد كوفيد–19، تعد أساسية ومحورية للحراك وللطبقة الحاكمة، حيث سيواجه الجزائر موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية أو سيشهد نهاية للمقاومة الشعبية ضد النظام.

خاتمة

لا يزال المواطنون في السودان والجزائر يواجهون مشقة في الوصول لحلول لتغيير بنى السلطة المتجذرة التي سمحت للنخب المتصلة بالنظام القديم بالاستمرار في السلطة، وفاقمت الجائحة الجديدة من صعوبة الانتقال السياسي في السودان، ومن الخلاف المستمر في الجزائر بين السلطة و«الحراك».

المصاعب الاقتصادية لا تزال تحدٍ ضاغط يواجه البلدين، في السودان كانت سببًا لانطلاق التظاهرات ضد البشير في ديسمبر 2018، ومع ارتفاع معدل التضخم متجاوزًا عتبة 200 بالمائة في نوفمبر 2020، وبرغم رفع السلطات الأمريكية للسودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب في أواخر أكتوبر؛ إلا أنه هذا لا يساعد، على الأقل على المدى القصير،  في تخفيف الآلام الاقتصادية.
في الجزائر، استمرت الأزمة الاقتصادية مشكلة رئيسية تنتظر الحل، وإن كانت لم تؤد بعد إلى الانهيار الصريح. فاستمرار التراجع المقلق لاحتياطي النقد الأجنبي للجزائر يثير مخاوف بشأن انهيار ميزانية الدولة خلال العامين المقبلين. على هذه الخلفية، من المتوقع اتساع الفجوة الاجتماعية وتزايد المصاعب الاجتماعية/الاقتصادية.

من المتوقع استمرار الحركات الاحتجاجية في كلتا البلدين في النضال من أجل عدالة اجتماعية مترافقة مع عملية انتقال سياسية متكاملة، إلا إذا تمكنت الأنظمة من تنفيذ أو بدء إصلاحات اقتصادية هيكلية تهدف إلى التوزيع العادل لموارد الدولة، وتحسين الظروف المعيشية لشرائح المجتمع المهمشة.

تظهر الجائحة بوضوح أن سلطات وفلول النخب القديمة في كلتا البلدين لا تنوي تسليم ونقل السلطة السياسية إلى المدنيين غير المرتبطين بالنظامين السابقين؛ فالسلطات تتعمد استغلال أزمة كوفيد–19 في تحقيق مكاسب سياسية، بغية تهميش أو حتى إنهاء تواجد الخصوم المدنيين. إن السياسات والتحركات التي تكرس لها الأطراف الفاعلة بالنظام في الجزائر والسودان، وأجهزة الأمن والقوى المدنية الموالية للنظام، تُنذر بما قد يستجد من آليات للثورة المضادة، ويبدو أن هذه الثورة المضادة مستمرة على المدى القريب.

في الجزائر، أدت حملة القمع الممنهجة ضد المعارضين والحريات الأساسية إلى خنق «الحراك» وقوى المعارضة منذ أواخر 2019، وبشكل متصاعد منذ وصول جائحة كوفيد-19 إلى البلاد. وبينما انفتح المجال المدني والديمقراطي جزئيًا في السودان، لا تزال العديد من القوانين التي بها مشكلات كبيرة سارية، كما قوبلت المظاهرات الأخيرة بالعنف، بما يشمل القوة المميتة. توقفت الرقابة وتكميم أفواه الصحافة بشكل جزئي لا أكثر،[39] وتم إلغاء قانون النظام العام التقييدي الذي كان مفروضًا على النساء، وإن بقي قانون الجرائم الإلكترونية – وهو قانون فضفاض استغله النظام السابق في استهداف المعارضين على الإنترنت – وقد استغله الجيش مؤخرًا.[40] وقد قال أحد الصحفيين معلقًا «إن تهديدات الجيش وقوات الأمن مستمرة»، وطبقًا لنقابة الصحفيين السودانية، تم تهديد الصحفيين مرارًا.[41] كما تم القبض على الصحفيتين لانا عوض وعايدة أحمد عبد القادر بعد نشر تقارير حول أعداد وفيات كوفيد–19 في دارفور.[42]

منذ بدايتها في أواخر 2018 ومطلع 2019، واجهت حركات المقاومة الشعبية في السودان والجزائر تحديات كبيرة ودفعت بقوة من أجل عمليات انتقالية نحو الديمقراطية والمدنية، رغم المخاطر والمعوقات الكبرى. هذه النضالات تبرز أيضًا مدى ما يمكن تحقيقه عبر الحملات غير العنيفة ضد النظم القمعية والعسكرية. لقد كسر النشطاء الجزائريون والسودانيون حاجز الخوف، ورفعوا مستوى الوعي السياسي والمشاركة السياسية، إلا أن هذا ترافق مع القلق والخوف العميق من حدوث «انتقال» سياسي بقيادة النظام في السودان، وإعادة ترتيب للنخبة الحاكمة في الجزائر. لقد رحل كل من بوتفليقة والبشير، ولكن لا تزال ظلال النظام باقية على الأرض، والترتيبات السياسية الهشة قيد التجربة، وزاد من تعقد الوضع جائحة كوفيد–19. لا يزال البلدان –بغض النظر عن الإصلاحات التجميلية السطحية– ينتظران العدالة في سياق مرحلة انتقالية هشة، وحتى ترحل «السلطة» في الجزائر و«الكيزان» في السودان، أو حتى تضطر هذه القوى إلى الإذعان لانتقال حقيقي، ستستمر الاستراتيجيات والتكتيكات التي تستعين بها النظم العسكرية والسلطوية للسيطرة على الشقاق والمعارضة، وتغذيها وتقوي منها ظروف الجائحة.

شكر وتقدير

هذا المشروع البحثي تم تمويله جزئيا من خلال منحة للكاتبة سارة كريتا من مشروع الاتحاد الأوروبي هورايزون 2020، برنامج البحث والإبداع (رقم المنحة: 765140).

[1] برايمان، آلان (2016)، «مناهج البحث الاجتماعي»، أوكسفورد: مطبعة جامعة أوكسفورد.
[2] كرايسيس غروب (2019)، «تحسين فرص الانتقال السلمي في السودان»، 14 يناير، تاريخ الاطلاع في 20 نوفمبر 2020، https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan/b143-improving-prospects-peaceful-transition-sudan
[3] الأفندي، عبد الوهاب (2012) «التشريح الثوري: دروس الثورة السودانية في أكتوبر 1964 وأبريل 1985»، الشئون العربية المعاصرة، 5:2 ص ص 292-306.
[4] العفو الدولية (2020)، «السودان: نزلوا علينا كالمطر: العدالة لضحايا قمع المظاهرات في السودان»، العفو الدولية، 10 مارس، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.amnesty.org/ar/documents/afr54/1893/2020/ar/
[5] الغزولي، مجدي (2019)، «اتفاق تقاسم السلطة في السودان: نحو الانتقال أم هي لعبة تاجليتي؟» مبادرة الإصلاح العربي، 19 يوليو، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، cleanuri.com/dwoGDv
[6] أكرام-بوشار، شيرين، براين بين (2019)، «الربيع العربي حي في الجزائر – مقابلة مع حمزة حموشان»، مجلة جاكوبين، 13 أغسطس، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://jacobinmag.com/2019/08/algeria-revolution-abdelkader-bensalah-uprising
[7] بن طاهر، زياد (2020)، «يتنحاو قاع!: ثورة الجزائر الثقافية ودور اللغة في المراحل الأولى من حراك ربيع 2019»، دورية الدراسات الثقافية الأفريقية، 10 أغسطس، تم الاطلاع 24 نوفمبر 2020، https://www.tandfonline.com/eprint/5DVBXFGSTBEIDPNDTTPA/full?target=10.1080%2F13696815.2020.1788517&
[8] فيرنفيلز، إيزابيل (2007)، «إدارة الاضطراب في الجزائر» (أوكسفورد: روتليدج)، ص ص 55 – 68.
[9] ناسور، سفيان فيليب (2019)، «الانتخابات الرئاسية الجزائرية: موكب انتخابي واحتجاجات جماهيرية وعنف شرطي» مؤسسة روزا لوكسمبرغ، ديسمبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.rosalux.de/en/publication/id/41451/the-presidential-elections-in-algeria
[10] ليبرتى (2020)، «الحراك يخرج من النظريات الكلاسيكية للحركات الاجتماعية»، 27 فبراير، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، http://www.liberte-algerie.com/contribution/le-hirak-echappe-aux-theories-classiques-des-mouvements-sociaux-334025 (
[11] عبد العزيز، خالد (2020)، «وزير الصحة السوداني يقول إن السودان يحتاج 120 مليون دولار لمكافحة فيروس كورونا»، رويترز، 11 أبريل، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.reuters.com/article/us-health-coronavirus-sudan-idUSKCN21T0SY
[12] UNOCHA (2020)، «الدولة مستمرة في مواجهة العواقب الصحية والإنسانية لكوفيد-19»، تم الاطلاع 20 نوفمبر 2020، https://reports.unocha.org/en/country/sudan/card/48inqdseoY/
[13] مقابلة أجريت عن بُعد، في سبتمبر 2020.
[14] العفو الدولية (2020)، «السودان: اتفاق السلام يجب أن يلبي احتياجات الناس إلى الكرامة والعدالة»، العفو الدولية، 31 أغسطس، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.amnesty.org/en/latest/news/2020/08/sudan-peace-agreement-must-deliver-on-peoples-quest-for-dignity-and-justice
[15] اللاحوم، رامي (2020)، «كورونا تختبر حركة التظاهر الجزائرية» الجزيرة، 14 مايو، تم الاطلاع 7 سبتمبر 2020، https://www.aljazeera.com/news/2020/03/coronavirus-tests-algeria-protest-movement-200314102839379.html
[16] سعيد، جعفر (2020) «إيقاف المظاهرات ضروري: على الحراك مساعدتنا في تجاوز غضبنا» راديو م، 14 مارس، تم الاطلاع 7 سبتمبر 2020، https://www.radiom.info/arreter-les-marches-est-imperieux-le-hirak-doit-nous-aider-a-vaincre-nos-coleres-editorial/
[17] فرانس24 (2020)، «كورونا: الحراك في الجزائر يعلق مظاهراته»، 18 مارس، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.france24.com/fr/20200318-coronavirus-en-alg%C3%A9rie-les-manifestants-du-hirak-contraints-de-suspendre-leur-mobilisation
[18] راديو الجزائر (2020)، «الكورونا: 1088 حالة جديدة، وشفاء 611 مصابا ووفاة 17»، 22 نوفمبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.radioalgerie.dz/news/fr/article/20201122/202803.html
[19] حمادي، رياض (2020)، «كورونا: تقييم الاتحاد سلبي للغاية حول نقص المستلزمات في المستشفيات»، تي إس أيه الجزائر، 21 مارس، تم الاطلاع 7 سبتمبر 2020، https://www.tsa-algerie.com/coronavirus-le-terrible-constat-dun-syndicat-sur-le-manque-de-moyens-dans-les-hopitaux/
[20] فرانس24 (2020)، «العاملون الصحيون المتعبون في الجزائر يطلقون جرس الإنذار حول التعامل مع الفيروس»، 9 يوليو، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.france24.com/en/20200709-exhausted-algeria-medics-sound-alarm-over-virus-response
[21] العفو الدولية (2020)، «الجزائر: الحكم على صحفيين بأحكام سجن مشددة مع تصاعد القمع»، 27 أغسطس، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.amnesty.org/en/latest/news/2020/08/algeria-journalists-sentenced-to-harsh-prison-terms-amid-growing-crackdown
[22] لجنة حماية الصحفيين (2020)، “”الجزائر يحجب 3 مواقع إخبارية جديدة ويجرم الأخبار الكاذبة»، 22 أبريل، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://cpj.org/2020/04/algeria-blocks-3-news-websites-and-criminalizes-fa/
[23] غالوبين، جان بابتيست (2020)، «لعبة الإمارات والسعودية الكبرى في السودان»، “مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط POMEPS، 16 يوليو، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://pomeps.org/the-great-game-of-the-uae-and-saudi-arabia-in-sudan
[24] مقابلة تمت عن بُعد في سبتمبر 2020.
[25] إزان، كونا (2020)، «السودان: إدارة جائحة كوفيد-19 أثناء المرحلة الانتقالية»، مبادرة الإصلاح العربي، 29 مايو، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.arab-reform.net/publication/sudan-managing-covid-19-pandemic-during-a-time-of-transition/
[26] مقابلة عن بُعد تمت في سبتمبر 2020.
[27] مقابلة عن بُعد تمت في سبتمبر 2020.
[28] نيت علي، ميليسا (2020)، «إدانة كريم طابو: موجة سخط على ضوء الفضيحة القضائية»، إنتر لين، 24 مارس، تم الاطلاع 7 سبتمبر 2020، https://www.inter-lignes.com/condamnation-de-karim-tabbou-vague-dindignation-face-a-un-scandale-judiciaire/
[29] وكالة أنباء الجزائر (2020)، «تعديل القانون الجنائي: تجريم نشر الأخبار الكاذبة»، 19 أبريل، تم الاطلاع 10 سبتمبر 2020، http://www.aps.dz/algerie/104200-amendement-du-code-penal-criminalisation-de-la-diffusion-des-fakenews-portant-atteinte-a-l-ordre-et-a-la-securite-publics
[30] العفو الدولية (2020)، «يجب إنهاء القمع بحق نشطاء الحراك والصحفيين في سياق أزمة كوفيد-19»، 27 أبريل، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.amnesty.org/en/latest/news/2020/04/algeria-end-repression-against-hirak-activists-and-journalists-amid-covid19
[31] مقابلة عن بُعد أجريت في سبتمبر 2020.
[32] حموشين، حمزة/عماري، سلمى (2020) «التحضير للنضال المطول الذي ينتظرنا»، أفريقيا دولة، 13 نوفمبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://africasacountry.com/2020/11/preparing-for-the-long-struggle-ahead
[33] مقابلة عن بُعد أجريت في أغسطس 2020.
[34] مقابلة عن بُعد أجريت في سبتمبر 2020.
[35] دويتش فيلله (2020)، «الجزائر يمر بتغييرات دستورية بعد نسبة تصويت ضئيلة غير مسبوقة»، 2 نوفمبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://www.dw.com/en/algeria-passes-constitutional-changes-after-historically-low-turnout/a-55473708
[36] عبد الغني، عيشون (2020)، «حراك 22 فبراير الشعبي: نداء22 يهدف إلى أن يكون مؤتمر جامع» الوطن، 24 أكتوبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://algeria-watch.org/?p=74892
[37] علي، ميليسا (2020)، «مراجعة الدستور: رسالة النظام القوية»، إنتر لين، 29 أغسطس، تم الاطلاع 5 سبتمبر 2020، https://www.inter-lignes.com/revision-de-la-constitution-un-passage-en-force-du-pouvoir-selon-le-ffs/
[38] بيريلمان، مارك (2020)، «الرئيس تبون يقول إن ثمة فرصة قائمة لعلاقات مقربة مع فرنسا»، فرانس24، 4 يوليو، تم الاطلاع 6 سبتمبر 2020، https://www.france24.com/en/africa/20200704-exclusive-algerian-president-tebboune-says-opportunity-exists-for-calmer-relations-with-france
[39] الفدرالية الدولية للصحفيين (2020)، «السودان: الحملة ضد الصحافة تتصاعد في سياق جائحة كوفيد-19»، 10 يونيو، تم الاطلاع 6 سبتمبر 2020، https://www.ifj.org/media-centre/news/detail/category/press-releases/article/sudan-media-crackdown-escalates-amid-covid-19-pandemic.html
[40] ناشد، مات (2020)، “السودان يغالي في تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية مع مطاردة الجيش للأخبار الكاذبة”، 23 نوفمبر، تم الاطلاع 23 نوفمبر 2020، https://cpj.org/2020/11/sudan-tightens-cybercrime-law-as-army-pursues-fake-news/
[41] مقابلة عن بُعد تمت في سبتمبر 2020.
[42] آي بي آي (2020)، «القلق إزاء تدهور الحريات الصحفية في السودان»، 15 يونيو، تم الاطلاع 20 نوفمبر 2020، https://ipi.media/ipi-concerned-over-deteriorating-press-freedom-in-sudan/

Read this post in: English

اظهر المزيد

سفيان فيليب ناكورا

صحفي وباحث مختص بشؤون شمال أفريقيا وإقليم الساحل، وهو يركز ابحاثه على قضايا الهجرة مثل السيطرة على حدود الاتحاد الأوروبي.

سارة كريتا

صحفية وزميلة باحثة ببرنامج ماري كوري بجامعة مدينة دبلن، متخصصة بالتحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان بالعديد من الدول، ومشروعها البحثي الحالي يركز على كيفية استخدام المعارضة لتكنولوجيا الإنترنت للتأثير على السياسة في إقليم القرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى