دراسات

الإسلام «المعتدل» في الممارسات العملية الغربية لمكافحة الإرهاب: مكافحة التطرف أم إكراه على التفريط؟

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

لا يزال الإسلام المعتدل يشكّل مناط تركيز الممارسات الغربية في مكافحة الإرهاب في واقعه العملي. فكيف يندرج المنظور الإسلامي للوسطية ضمن هذا التطبيق العملي؟ ولدراسة هذه المسألة، تتبنّى هذه الورقة نهج تفكيك الاستعمار باعتباره إطارها التحليلي، وتوظّف نهجًا متعدد الاختصاصات يجمع بين الدراسات الأمنية النقدية والدراسات الإسلامية. وبالاستناد إلى التحليلات النقدية لأشكال الخطاب والممارسات الثانوية التي تتناول مكافحة الإرهاب، والمصادر الإسلامية الرئيسية، تدرس الورقة المفهوم الإسلامي للوسطية (الاعتدال)، الذي يشكّل الأساس الذي يقوم عليه نشر «الإسلام المعتدل». فالوسطية في الإسلام تتبوأ، في جوهرها، موقعًا وسطًا بين قطبيْ نقيض، هما الغلو (التطرف) والغفلة (التفريط). ومع أن الوسطية حسب فهمها من خلال المنظور الإسلامي تستدعي المحافظة على توازن لا تشوبه شائبة بين كلا القطبين، فإن التطبيق العملي لمكافحة الإرهاب في الغرب يقيم وزنًا أكبر للتطرف (الغلو). ويضر تصوُّر الوسطية في الإسلام وتطبيقها، على هذا الوجه المجتزأ، أيما ضرر بنجاعته في الحد من الإرهاب والغلو المقترن بالعنف.

مقدمة

بات الإرهاب (والتطرف المصحوب بالعنف) ظاهرة عالمية، لا سيما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.[1] ومع ذلك، فليس ثمة تعريف مقبول عالميًا للإرهاب، إذ تُعتمد طائفة واسعة من التعريفات على سياقات يتمايز بعضها عن بعض، وعلى الجهات الفاعلة المعنية. فتأطير تعريف يحظى بالقبول العام تعوقه الصعوبة التي تكتنف الغوص في شبكة معقدة من أعمال الإرهاب التي ترتكبها الجهات الفاعلة من الدول، والجهات الفاعلة من غير الدول والتي تحرّكها أيديولوجيات دينية أو سياسية، أو التفوق العرقي والخلفية الإثنية والقومية. فعلى سبيل المثال، يُعرّف نعوم تشومسكي الإرهاب (وإن كان تعريفه ضيقًا) على أنه يعني «استخدام محسوب للعنف (أو التهديد بأعمال العنف) بحق المدنيين بغية تحقيق أهداف تُعَدّ سياسية أو دينية أو أيديولوجية في طابعها. ويتم ذلك من خلال الترويع أو الإكراه أو بث الخوف في النفوس».[2] بينما عرّفت الأمم المتحدة الإرهاب تعريفًا عامًا بأنه «أي عمل يهدف إلى التسبّب في موت شخص مدني أو أي شخص آخر، أو إصابته بجروح بدنية جسيمة، عندما يكون هذا الشخص غير مشترك في أعمال عدائية في حالة نشوب نزاع مسلح، عندما يكون غرض هذا العمل، بحكم طبيعته أو في سياقه، موجهًا لترويع السكان، أو لإرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عن القيام به».[3] وتسير هذه الورقة على خُطى هذه التعريفات للإرهاب، مدركةً في الوقت ذاته أن تعريفاته الدقيقة لا تزال بعيدة المنال وموضع خلاف.

وفي خضمّ تعريفات الإرهاب وتأطيراته التي يثور الخلاف بشأنها، تبرُز أشكال الخطاب والممارسات المرتبطة بمكافحة الإرهاب ومجابهة التطرف، بما تستحضره من مفاهيم التحول إلى الراديكالية (أو نزع الراديكالية واجتثاثها) وفك الارتباط، بغية استئصال شأفة الإرهاب أو أعمال التطرف القائم على العنف.[4] فرغم غياب تعريف يحظى بقبول الجميع أو يتّسم بالموضوعية للإرهاب، تُفهم أشكال الخطاب والممارسات المتصلة بمكافحة الإرهاب في عمومها على أنها تُعنى بالحدّ من الإرهاب «الغاشم» والتطرف المقترن بالعنف. وقد نشأت مكافحة الإرهاب في تطبيقاتها العملية في الغرب، وبرزت بوضوح في السياسات الحكومية والسياسات المشتركة بين الحكومات وسياسات المنظمات غير الحكومية المكرّسة لمكافحة الإرهاب والتطرف المصحوب بالعنف بأشكاله وصوره المختلفة في جميع أنحاء العالم.[5] كما خضعت مكافحة الإرهاب لقدر كبير من الاستقصاء وغدت تتبوأ موقع الصدارة في برامج أبحاث العديد من المؤسسات وبيوت الخبرة.[6] ومع ذلك، لم تستقطب الممارسات وأشكال الخطاب المرتبطة بمكافحة الإرهاب ما تستحقه من الدراسة النقدية بسبب الافتراض بإنها تقف إلى الجانب القويم في الكفاح ضد الإرهاب.

تركّز هذه الورقة على «الإسلام المعتدل» وتنقُد تطبيقه وتوظيفه، كأداة في طائفة متنوعة من السياقات ضمن الممارسات الغربية العملية لمكافحة الإرهاب.[7] فثمة انفصام بين النظرة الإسلامية للاعتدال وأشكال الخطاب والممارسات الراهنة التي تتمحور حول ما يُنظر إليه على أنه «الإسلام المعتدل» في التطبيق العملي الغربي لمكافحة الإرهاب. وتفترض الورقة بأن ما تتناساه هذه الممارسة من مفاهيم تتصل بالمنظور الإسلامي الأصيل للاعتدال يفرز عواقب عملية وخيمة على محاربة التطرف والإرهاب القائمين على العنف. وتسلّط الورقة الضوء على الفهم المجتزأ لما هو «معتدل» و«للاعتدال» إلى جانب توظيفه ضمن عقدة مكافحة الإرهاب في الغرب.

وينبغي أن يحتل المنظور الإسلامي بشأن الاعتدال مكان الصدارة في التحليل؛ بغية الاستفادة الكاملةً من الدور الذي يضطلع به الإسلام الوسطي في كبح التطرف العنيف والإرهاب. فكيف يَرِد تفسير المنظور الإسلامي للاعتدال ضمن أوجه التطبيق العملي لمكافحة الإرهاب في الغرب؟ فمن خلال نهج متعدد الاختصاصات يجمع ما بين الدراسات الأمنية النقدية والدراسات الإسلامية، تتبنى هذه الورقة نهج تفكيك الاستعمار باعتباره إطارها التحليلي في دراسة هذه المسألة، وتستند إلى التحليلات النقدية التي تقف على أشكال الخطاب والممارسات المتصلة بمكافحة الإرهاب، إلى جانب المصادر (وصور الخطاب) الإسلامية الرئيسية، لا سيما القرآن الكريم والحديث الشريف.[8]

وتتبنى الورقة الدراسات الأمنية النقدية بسبب تركيزها على ضرورة تجاوز الانشغال التقليدي بأمن الدولة، باعتباره الأساس الذي يرتكز الأمن الإنساني عليه.[9] وثمة حاجة ماسّة إلى هذا ضمن الممارسات العملية لمكافحة الإرهاب في الغرب، بالنظر إلى السلطة التي تملكها الدولة في ملاحقة مواطنيها باسم أمن الدولة على حساب الأمن الفردي لهؤلاء المواطنين، الذين تلتزم الدولة بتأمين الحماية لهم. ويحتل هذا الأمر أهمية خاصة عندما ينظر المرء بعين ناقدة في ممارسات مكافحة الإرهاب في الواقع العملي في معظم البلدان الغربية.[10] وتقتضي الضرورة التركيز على خوف الناس العاديين من التهديدات التي تعتري سبل عيشهم.[11]

فبادئ ذي بدء، تسبُر الورقة أغوار المنظور الإسلامي للاعتدال من خلال المصادر الإسلامية الرئيسية، كما ترجع إلى المصادر الثانوية في حقل الدراسات الإسلامية في هذا المضمار؛ لإلقاء الضوء على الإمكانية البناءة التي ييسرها اعتماد نهج متعدد الاختصاصات لا غنى عنه لإتاحة فهم الاعتدال من منظور إسلامي، وليس من زاوية الافتراضات التي تقوم في أساسها على منظور يصطبغ بصبغة غربية أو أوروبية التوجه. وتدعو الورقة إلى «إنهاء استعمار» (decolonising) الوسطي من أجل فهم الإسلام المعتدل، بمعنى النظر إلى الإسلام من منظور إسلامي. فلتفكيك الاستعمار بوصفه أداة تحليلية فائدته في هذا المقام لأنه يضع نصب عينيه «عالم متعدد» (pluriversality).[12] ورغم تقديرنا للإسهامات الغربية في المساعي البشرية، يهدف تفكيك الاستعمار إلى إقصاء التوجه الزمني الأحادي الذي صمّمه الغرب من أجل السماح، من خلال العالم المتعدد، للتواريخ المحلية والنزعات الذاتية والمعارف والروايات وأشكال مواجهة الحداثة بالطفو على السطح، ويكون لها حضور وأن تُتاح رؤيتها وتنال الاعتراف بها.[13] وفي هذا المضمار، تدرس الورقة منظورًا مركزيًا يعتنقه الإسلام للاعتدال، دون الاستناد للفهم الذي يراه الغرب «للاعتدال».

في المقام الثاني، تؤكد الورقة وتوضح فهم الاعتدال وتوظيفه على نحو يخالجه الاجتزاء والنقص في أشكال الخطاب والممارسات التي يتوخاها الغرب في مكافحة الإرهاب. فثمة مسألتان على الأقل تتعلقان بالطريقة التي تجري من خلالها مقاربة «الوسطية» في الممارسات العملية الغربية على صعيد مكافحة الإرهاب، فيما خلا تطبيقها المحدود أو المنحرف. فأولًا، يستهدف تطبيق مفهوم الاعتدال الإسلام والمسلمين تحديدًا. وفي هذا الخصوص، ظهرت معادلة تثير الخلاف للتمييز بين المسلمين «المعتدلين» و«المتطرفين» في صورة تأطير ثنائي.[14] فكما سيتبين فيما يلي، تضع الحكومات معايير تبيّن من هو «المعتدل» ومن هو ليس كذلك في بعض السياقات.

واستنادًا إلى هذه الثنائية، فإن المسلمين المعتدلين أو «الشرعيين» هم أولئك الذين يُعتبرون أنهم يسلّمون بالقيم الغربية ويندمجون اندماجًا تامًا في المجتمع، بينما يلقى المتطرفون الرفض الباتّ، ويُعَدّون منبوذين (دون إقامة الدليل على اقترافهم أية جريمة في معظم الحالات). وغالبًا ما يشعر المسلمون في البلدان الغربية، كهولندا والنرويج على سبيل المثال، بضغوط تدفعهم إلى إثبات مدى اعتدالهم لكي يتسنّى لهم الاندماج.[15] ويُبرِز تأطير الاعتدال على هذا النحو مسألة مهمة بشأن «الحقوق الاجتماعية والحرية المركّبة»[16] وضرورة إعادة التفكير في الاعتدال ضمن ممارسات مكافحة الإرهاب في الواقع العملي وداخل المجتمعات الغربية بوجه أعم.[17]

المنظور الإسلامي للاعتدال (الوسطية)

تُشتق كلمة الوسطية من الجذر الثلاثي الذي يتألف من حروف الواو والسين والطاء (وَسَطَ). ووسط الشيء المعتدل من كل شيء، أو ما اتسم بالإنصاف، أو الشيء ما بين طَرَفَيْهِ وهو منه أو ما كان العدل صفته.[18] وتَرِد الإشارة إلى هذه الكلمة في القران في سياقات شتى. فقد ورد ذكرها صراحةً في خمسة مواضع من القرآن الكريم في صيغ مختلفة.[19] وتُعَدّ أكثر العبارات التي تغلب الإحالة إليها العبارة الواردة في الآية 143 من سورة البقرة، حيث ترد فيها عبارة «أُمَّةً وَسَطًا»، التي تشير في مضمون معناها إلى «أمة وسيطة أو مجتمع وسط»، أو «مجتمع سِمته العدل» أو «مجتمع وسطي النهج»، حسبما فسّرها معظم علماء التفسير.[20] ويشار إلى أمة النبي محمد هنا بصفات الحق والعدل، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه هذه الصفات في قيام مجتمع متوازن لا يتعدى حدود الله ولا يفرط كل التفريط فيغفل عن تعاليم الله. وفضلًا عن ذلك، تتصل هذه الآية بالدور الذي تضطلع به أمة النبي محمد في الشهادة على أقوام الأنبياء الآخرين، حتى أنها تشهد على أن هؤلاء الرسل قد بلغوا رسالاتهم لأقوامهم يوم القيامة. ويجد هذا ما يؤيده في حديث أشار فيه النبي محمد إلى أن أقوام الأنبياء الآخرين (كنوح) يُسألون يوم القيامة ما إذا كان رسلها قد أنذروها، ولكنها تنفي ذلك. فتقف أمة النبي محمد، بصفتها أمة تؤمن بجميع الأنبياء والرسل، شاهدًا عدلًا أو منصفًا وتقول إنهم بلغوا رسالاتهم بالفعل.[21]

وتفسّر غالبية التفاسير كلمة «وسطًا» بمعنى شهادة الحق أو شهادة العدل. ولكي يتّصف المرء بالإنصاف والعدل يُشترط له أن يتوخى موقفًا وسطًا ومحايدًا بين طرفيْ نقيض. ومع ذلك، نجد في تفسير البَغَوي إشارة إلى كلمة وسط، التي تعني «أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين».[22] ففي هذا التفسير نجد تأويلًا يتوافق مع الفهم العام للاعتدال باعتباره الصراط الذي يتوسط التطرف والتفريط. وعلى هدى من هذه التفسيرات، يتّضح بما لا يدع مجالًا للّبس أن مفهوم الوسطية لا يقوم بذاته ولا يؤدي عمله منفردًا بنفسه، وإنما يقع بين نقيضين. ويفضي الميل إلى أحد النقيضين إلى استخدام الوسطية وتطبيقها بوجه غير سوي. وبطريق الاستدلال وحسب الملاحظة التي أصاب فيها محمد هاشم كمالي،[23] يُشترط لتطبيق الوسطية تطبيقًا سليمًا توخّي العدل والإنصاف بين هذين النقيضين. وبعبارة أخرى، ينبغي للمرء تحرى الإنصاف والعدل لكي يكون معتدلًا.

ولا مندوحة من دراسة المفاهيم المنطقية للغلو (التطرف) والغفلة (التفريط). فمن الناحية اللغوية، يفسر ابن منظور الغلو على أنه يعني مجاوزة الحد والإفراط والتشدد فيه.[24] ويتفق معظم أهل اللغة، مع أنهم يعيدون تشكيل المعنى الذي يسبغونه على هذا المصطلح، بوجه عام على التعريف الذي يضعه ابن منظور للغلو.[25] وثمة مصطلحات متباينة تجدر الإشارة إليها لصلتها بالغلو. وتشمل التشدد، والتنطُّع والإفراط والتطرف والعنف.[26] ووفقًا لما يراه اللويحق، فقد تندرج هذه المصطلحات كلها ضمن مصطلح الغلو.[27]

ولا يختلج القرآن أي غموض في استخدامه لمصطلح الغلو، حسبما يتمثل ذلك في الآية 171 من سورة النساء والآية 77 من سورة المائدة. فكلتا الآيتين تحذر «أهل الكتاب» (وهم المسلمين والمسيحيين واليهود) من تعدي الحدود التي يقررها الإسلام، وهو عقيدتهم وشعيرتهم –فتجاوز هذه الحدود يُعَدّ غلوًا. ومن الواضح أن الإسلام يرفض الغلو على الوجه الذي يشير إليه ما جاء به علماء التفسير لهاتين الآيتين.

وثمة وجوه متباينة للغلو في الإسلام، ولكن لا تجمعها كلها صلة بالعنف بالضرورة. فبينما يرتبط بعضها بالعنف، فلا علاقة لبعضها الآخر به. ومن أبرز صور الغلو التي تجتمع مع التطرف العنيف إعلان الحرب على المسلمين الذين يرتكبون أفعالًا يبغضها الإسلام، حيث يُشار إلى هؤلاء المسلمين بوصفهم كفارًا. كما يمكن أن يُعزى إعلان هذه الحرب إلى الاختلاف في الآراء،[28] وهي ليست عدوانية بالضرورة. ومن أشكال الغلو الأخرى التي لا تتسم بالعنف في جوهرها، وإنما يرفضها الإسلام، حب النبي أكثر من حب الله أو الاعتقاد بأن النبي محمد هو الرسول الوحيد الذي أرسله الله، وتجاهل غيره من الرسل.[29]

ويعرّف معجم لاين الغفلة، وهي الاصطلاح الذي يمثل نقيض الغلو، على أنها النسيان أو السهو أو الإهمال،[30] ولا يبتعد هذا المصطلح في معظم مواضعه المذكورة في القرآن على العموم عن هذا الفهم المعجمي. ويتكرر ذكر الغفلة في سياقات وصور مختلفة ما يربو على ثلاثين مرة في القرآن، ولا ترد بلفظها الصريح إلا في خمسة مواضع.[31] وتشير هذه المواضع إلى الغفلة بمعنى السهو أو قلة التيقظ. ومع ظلال المعنى الوارد في القرآن ودلالاته، تُعَدّ الغفلة مستهجنة لدلالتها على السهو عن طاعة الله ورسوله، النبي محمد. ويُعَدّ من ضروب الإثم الغفلة عن أوامر الله أو أوامر النبي أو نسيانها أو إهمالها. وعلى وجه الإجمال، فإن الغلو/الغفلة اللذين يشكلان طرفيْ نقيض جديران بالإدانة بالدرجة نفسها؛ فلكي يكون المرء معتدلًا في الإسلام، عليه أن يتحاشى هذين النقيضين باعتماد نهج يتوسطهما.

ولا ينحصر الإسلام المعتدل (أو المسلم المعتدل)، حسب فهمه وتوظيفه في الممارسات العملية لمكافحة التطرف والإرهاب، في عقد مقارنة مع التصور الإسلامي الشمولي للوسطية حسبما تبيّن آنفًا، بل إنه ينطوي على آثار تنذر بالخطر إلى حد لا يستهان به. فالاعتدال يُطرح على نحو ينحاز لجانب دون آخر بصورة تثير الفضول، حيث لا يتجاوز الدور الذي يؤديه باعتباره عاملًا يحدّ من التطرف المقترن بالعنف، رغم أن معارضة هذا الضرب من ضروب العنف لا يشكل سوى جزء من المفهوم الإسلامي للوسطية. فالمسلمون يُدعَون إلى الاجتهاد في إعمال الوسطية بوصفها نهجًا يتوسّط الغلو (التطرف في العقيدة وممارسة الشعائر الدينية) والغفلة (التفريط في أداء الواجبات) حسبما بيّنّا أعلاه. فالغلو والغفلة غير جائزين بالقدر نفسه.

من جهة أخرى، يجري تضخيم رفض الغلو بصورة تتسم بانعدام الحساسية مقارنةً مع استنكار الغفلة في الخطاب الذي يتناول مكافحة الإرهاب –حيث يُعتبر أنه من غير المقبول أن يجنح المرء إلى الغلو في عقيدته وممارسة شعائر دينه بينما يُقبل منه أن يغفل عن دينه. ففي التفسير الإسلامي الصارم، تُرفض الغفلة بالقدر نفسه الذي يُرفض فيه الغلو. فكلاهما فعل ينمّ عن التطرف. ويكمن الفرق الوحيد في أن الغلو يقع على الطرف «الساخن شديد الحرارة» من المقياس، في حين توضع العفلة على الطرف «البارد الذي يلامس درجة التجمد». وتتقاطع السخونة شديدة الحرارة مع أعمال التطرف المقترن بالعنف في حين لا ينطوي محور البرودة الذي يلامس درجة التجمد على العنف بالضرورة، ولكنه يتقاطع مع عمل مرفوض من أعمال التطرف في الإسلام. وقد يَرِد التعبير عن هذا التطرف «البارد» على لسان المسلم أو في سياسة مكافحة الإرهاب التي تتبناها الدولة لاستهداف التطرف العنيف، في الوقت نفسه الذي تؤيد فيه –صراحة أو ضمنًا– التفريط بممارسة الشعائر الدينية.

وتوظف عقدة مكافحة الإرهاب في الغرب، والتي تصرف النظر عن ضرورة المحافظة على التوازن بين الغلو والغفلة اللذين يقفان على طرفي نقيض، مفهوم الاعتدال على نحو يعتريه قصر النظر إلى حد كبير. فبالنسبة لمعظم الجهات الفاعلة في ميدان مكافحة الإرهاب، وخاصةً الحكومات الغربية، لا يجسد الاعتدال سوى محاربة التطرف الذي يصاحبه العنف دون إيلاء أي اعتبار لما إذا كانت تدابير مكافحة الإرهاب قد تُكرِه المرء أو تجبره على التخلي عن جوانب مهمة من عقيدته أو إهمالها. وهذا يعني أن الدول والمؤسسات تنفذ، في سياق عملها على إعداد سياسات مكافحة التطرف والإرهاب، سياسات تنتهك –بقصد أو بغير قصد– حق مواطنيها في ممارسة شعائر دينهم الذي اختاروه بحرية. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الجانب الوحيد من الاعتدال الذي يستحوذ على انتباهها يكمن في التطرف العنيف، دون نقيضه الذي يتمثل في الغفلة. وتبحث الفقرات التالية في هذه المسألة باستفاضة.

الإسلام المعتدل في أشكال الخطاب والممارسات المتصلة بمكافحة الإرهاب

ثمة وفرة من أشكال الخطاب والدراسات والسياسات والممارسات المرتبطة بمكافحة الإرهاب، بما تتضمنه من اجتثاث للراديكالية وفك الارتباط ومكافحة التطرف، وخصوصًا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومن السمات الرئيسية التي تتكرر في معظم هذه الدراسات والسياسات، التي تجد طريقها إلى التنفيذ والتوصيات (بشقيها الحكومي وغير الحكومي)، التشديد على الدور المخفِّف الذي يؤديه ما بات يُنظر إليه في الغرب على أنه الإسلام المعتدل. وينبع الخطاب الذي يتناول الإسلام المعتدل من الإدراك بأن الإسلام دين ينطوي على أحكام الوسطية التي تضرب جذورها الراسخة فيه. وبينما تُعَدّ الفرضية، التي تؤكد أن الوسطية تشكل مفهومًا يعتمد على أسس متينة ضمن إطار أصول الفقه الإسلامي، فرضية دقيقة حسبما تبيّن لنا أعلاه، فإن تطويعها وتوظيفها في العقدة الغربية لمكافحة الإرهاب/التطرف لا ينعكسان في جانب كبير منهما الجوهر الحقيقي للوسطية على النحو الذي تُفهم به في عرف الإسلام. فالاعتدال يفسَّر بوجه تعوزه الدقة على أنه يتناسب مع مصالح الجهات الفاعلة المعنية بمكافحة الإرهاب. ويُنظر إلى الاعتدال ويُفهم في الغالب على أنه يعني تقديم التنازلات عن بعض الشعائر الأساسية في الإسلام إلى حد الغفلة (التفريط في أداء الواجبات). ويُنظر إلى المسلم المعتدل على أنه متراخٍ في عقيدته أو ممارسته لشعائر محورية من شعائر دينه.[32]

ولذلك، فكلما تراجع تشبّث المسلم بالمبادئ أو الواجبات الجوهرية التي يمليها الإسلام، عُدَّ هذا المسلم أكثر اعتدالًا. ومما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الجانب أن الاعتدال يوظَّف لغايات تصنيف المسلمين بوصفهم «شرعيين» و«غير شرعيين»[33] حيث يُعَدّ المعتدلون «شرعيين» وغير المعتدلين أو المتطرفين «غير شرعيين». وقد ينطوي الاعتدال كذلك على تكييف الدين أو توطينه في صورة «إسلام أوروبي» أو «إسلام فرنسي» أو «إسلام أمريكي» وهلم جرا.[34] وفي بعض الحالات، تُفضي هذه النظرة للاعتدال إلى تصنيف المسلمين إلى «علمانيين» أو «تقدميين» أو «معتدلين» بخلاف المسلمين «الآخرين».[35] وفضلًا عن ذلك، تصوّر بعض أنواع الخطاب الإسلام المعتدل على أنه يقف على طرفي نقيض مع التطرف المقترن بالعنف،[36] حيث ينصرف المعتدلون إلى العلمانية بينما ينكب «المستبدون» على الشريعة.[37] وبالمثل، يسوق آخرون افتراضًا مؤداه أن «الخط الفاصل بين المسلمين المعتدلين والمسلمين المتطرفين في بلدان تعتمد أنظمة قانونية تستند إلى تلك السائدة في الغرب (غالبية الدول في العالم الإسلامي) يتمثل فيما إذا كان من الواجب تطبيق الشريعة».[38]

وللتعريف المسبغ على مفهوم ما آثار بعيدة المدى على استخدامه؛ ولذلك تؤثر الطريقة المتوخاة في تعريف مفهوم «الإسلام المعتدل» أو «المسلم المعتدل» وتفعيله على ممارسات مكافحة الإرهاب في الواقع العملي. فرغم الاختلاف القائم بخصوص تحديد معنى الإسلام المعتدل على وجه الدقة، ثمة طائفة واسعة من التلميحات بشأن كيفية تمييز «المعتدلين» عن «غير المعتدلين»، مما يتيح معيارًا مفيدًا لاستيعاب طريقة فهم هذا المصطلح واستخدامه. وتعتور هذه التلميحات التي تشير إلى ما ينطوي عليه مصطلح الاعتدال، كتلك التي تقدمت مناقشتها، إشكاليات جوهرية، بمعنى أننا إذا سلمنا بمثل تلك الثنائية بين المعتدلين والمتطرفين، فما موضع المسلمين «الآخرين» ضمن هذه الثنائية؟ وتمسي الثنائية نفسها شكلًا من أشكال التطرف الذي لا يبدو أنه يشجع على إهمال الواجب بين بعض المسلمين وحسب، بل إنه يحرم المسلمين الذين لا يمكن موضعتهم ضمن تصنيف ثنائي من حقهم الأساسي في تحرير عقيدتهم وممارسة شعائر دينهم –من خلال رفض الاعتراف بهم.

ويشكل الوسم أو التصنيف إلى فئات خطوة أولى تفضي إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب في سياق العقدة التي تهيمن على الغرب في مكافحة الإرهاب. فقد يُنظر إلى التصور المنحرف وما يترتب عليه من سوء توظيف الاعتدال، والذي يؤدي إلى تصنيف المسلمين وإنفاذ تدابير واسعة النطاق بحقهم، على أنه تصور ازدرائي وصورة من صور التطرف «البارد». وقد يدفع هذا الأمر بعض المسلمين للاعتقاد بأن الخطاب والسياسات المتعلقة بمكافحة الإرهاب تمثل دعوة مبيّتة للغفلة عن جوانب أساسية من دين الإسلام، أو أن ذلك الخطاب والسياسات تتسم بطابع يغالي في التحويل والتبديل وتستهدف هذا الدين. وبناءً على ذلك، فقد يُدفع بعض المسلمين إلى الطرف النقيض «الساخن» من الدين الإسلامي وممارسة شعائره. وبعبارة أخرى، مما يؤسف له أن الخطاب والممارسات المتصلة بالاعتدال، والتي تتجسد في الصورة التي بسطناها آنفًا، تحدو ببعض المسلمين إلى التطرف العنيف، بدلًا من أن تنأى بهم عنه.

وتُعَدّ التعريفات الشائعة في الغرب للإسلام المعتدل، والتي تتمحور حول الافتراض القائل أن المسلمين المعتدلين يرفضون الشريعة، مضلِّلة وقصيرة النظر؛ لأنها لا تركز إلا على الجوانب الجزائية التي تنص عليها الشريعة أو على الشريعة باعتبارها القانون العام. ومن شأن الفهم الشامل للشريعة (ليس باعتبارها مجرد قوانين جزائية أو قانونًا عامًا) أن يفضي إلى الإقرار بأن رفض الشريعة قد يصل حد رفض معظم تعاليم القرآن والسنة. ويعني ذلك أن معظم المسلمين يطبقون الشريعة بالفعل في حياتهم اليومية وفي أُسرهم (أو مجتمعاتهم) باتباع أحكام القرآن والسنة، حتى لو لم تكن الشريعة تمثل القانون العام في بلدانهم.

إن هذا الميل إلى المساواة الخاطئة بين الشريعة بمجملها وأحكامها الجزائية دون غيرها مسألة جديرة بمزيد من المناقشة.[39] وربما يكون الاحتكام إلى تأييد اعتماد الشريعة كما لو كانت مقياسًا لغربلة المعتدلين وفصلهم عن المتطرفين مضللًا إلى حد بعيد. فقد أجرى مركز بيو للبحوث مسحًا لتقييم مستوى تأييد الشريعة في تسعة وثلاثين بلدًا في العالم، حيث خلص إلى أن ما نسبته خمسون إلى تسعة وتسعين في المائة ممن شملهم المسح في خمسة وعشرين بلدًا يؤيدون تطبيق الشريعة.[40] ولو كان تأييد الشريعة يُعَدّ مؤشرًا قويًا على من يكون معتدلًا ومن لا يكون كذلك، لكان معظم المسلمين على وجه البسيطة متطرفين يدينون بالعنف على خلاف المعتدلين –وفقًا لبيانات مركز بيو. ومن نافلة القول أن هذا غير دقيق البتة. ومع ذلك، فمن سوء الحظ أن المعتدلين يُصوَّرون في الممارسات العملية لمكافحة الإرهاب في صورة أولئك الذين لا يؤيدون الشريعة وغيرها من المعتقدات والشعائر الإسلامية الأساسية، في حين يُعَدّ المتطرفون هم من يؤيدونها. ولكن حسبما تظهره البيانات الواردة في البحث الذي أجراه مركز بيو، يؤيد أغلب المسلمين العاديين –أولئك الذين يحجمون عن تأييد التطرف المصحوب بالعنف– تطبيق الشريعة. ومع ذلك، يسلط وسم هؤلاء بوسم «المتطرفين»، بسبب تأييدهم للشريعة، الضوء على ضعفهم وعرضتهم للانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان في ظل ممارسات مكافحة الإرهاب في الواقع العملي.

وفي سياق إعداد نموذج يهدف إلى تمييز المعتدلين عن المتطرفين، زاد أليكس شميد الأمر تعقيدًا بخروجه بوسوم إضافية. فقد صنّف المسلمين باعتبارهم «جهاديين» أو «إسلاميين» أو «محافظين» أو «تعدُّديين» ضمن نموذج دائري. فكلما كان المسلم أقرب في موقعه إلى الدائرة الخارجية، كان يتسم بقدر أكبر من الاعتدال. وفي المقابل، كلما كان موقع المسلم أقرب إلى الدائرة الداخلية، كان على درجة أكبر من التطرف والعنف. ويؤلف الجهاديون الدائرة الداخلية، ويتبعهم الإسلاميون ثم المحافظون، وينتهي المطاف بالتعدديين في الدائرة الخارجية. ووفقًا لما يراه شميد، فالمسلمون التعدديون هم الذين يمكن تصنيفهم باعتبارهم «مسلمين معتدلين، ومسلمين ثقافيين، ومسلمين اجتماعيين، ومسلمين ليبراليين، ومسلمين إصلاحيين، ومسلمين تقدميين، ومسلمين غربيين، ومسلمين ديموقراطيين ومسلمين يساريين».[41]

ومع أن هذه التصنيفات تشرح نفسها بنفسها، فهي لا تخلو من تعقيدات. فمثلًا، تُعدّ الفرضية التي ترى أن المسلمين «التعدديين» الموضوعين في دائرته الخارجية يجسدون الصورة الفضلى للإسلام المعتدل منافية للتاريخ وتثير الجدل. فهذا التصنيف يوحي بشكل يجانب الدقة بأن المسلمين عن بكرة أبيهم ليسوا تعديين من ناحية قبول الناس الذين يدينون بأديان شتى وينحدرون من خلفيات متباينة والتعايش معهم. فالتاريخ يشهد بأن النبي محمد تعايش مع اليهود في المدينة المنورة ودمجهم في دستورها أو ميثاقها. كما عُرف عن الإمبراطوريات الإسلامية تسامحها وتقبّلها لتعايش رعاياها المسلمين مع الناس الذين ينتسبون لأديان مختلفة.

وقد تستهوي الوسوم والتصنيفات، إلى حد كبير، المسلمين الذين يبدون الاهتمام فيما تمثله هذه التصنيفات في ظاهرها. وفي الوقت نفسه، فقد ينتهي المطاف بإقصاء المسلمين الذين لا يعيرون انتباهًا لتصنيفهم، بحيث يسعون إلى تأكيد هويتهم بمعنى إسلامي عام، ما يفضي إلى النظر إليهم كما لو كانوا متطرفين. وهذا «التطرف»، الذي لا ينطوي على أي ميل للعنف، معرض لإساءة تفسيره باعتباره تطرفًا عنيفًا يتعين تحييده، مما يؤدي إلى المسّ بحقوق المسلمين الذين يُنظر إليهم نظرة المتطرفين. وهذه صورة واضحة من صور «التطرف البارد» الذي ينبثق من مفهوم أُسيءَ فهمه وتطبيقه للاعتدال أو الوسطية.

ويُعَدّ وسم الإسلام أو المسلمين بوسم «الاعتدال» موضع خلاف شديد ويرفضه معظم المسلمين، الذين يستنكرون ما يوحيه هذا الوسم من أنهم أقل ورعًا –في عقيدتهم وممارسة شعائر دينهم– من المسلمين «غير المعتدلين». ففي البحث الذي أجرته كريستينا مورفي وأدريان تشيرني وجولي باركوورث عن كيفية تفادي قمع المجتمعات في سياق محاربة الإرهاب، استشهد هؤلاء الباحثون بمشاعر المشاركين المسلمين وردود أفعالهم عندما يُشار إليهم بوصفهم مسلمين معتدلين،[42] فقال أحد الرجال إنه «يفكر في المسلمين الكسالى» عندما يسمع عن المسلمين المعتدلين. وأشار مشارك آخر إلى أنه يشعر بدرجة أكبر من الراحة عندما يُعرف بأنه مسلم ببساطة، دون أي وسم.[43]

علاوةً على ما تقدم، فقد يستثني هذا الوسم المسلمين ذوي النيات الحسنة ممن يبدون الاستعداد للمساعدة في محاربة الإرهاب أو التطرف عن الحضور والعمل مع الهيئات الحكومية وغير الحكومية المعنية بمكافحة الإرهاب. ويرجع السبب وراء ذلك إلى أن العمل مع هذه المؤسسات قد يفضي إلى اعتبارهم مسلمين «معتدلين»، أي كما لو أنهم باعوا دينهم بدنياهم. وفي الواقع، لاحظت باسيا سباليك وعلياء إمطوال، في الحالات الواضحة التي عاينتاها في المملكة المتحدة وأستراليا، كيف أن تأطير المسلمين في ثنائية الشرعيين وغير الشرعيين يعوق المشاركة الشاملة مع الجاليات المسلمة عند مكافحة الإرهاب. والسبب في ذلك أن المسلمين «المعتدلين» يُعتبرون شرعيين ويستحقون المشاركة، بينما يُنظر إلى المسلمين «غير المعتدلين» (وهم ليسوا متطرفين معرّضين للعنف أو الإرهاب بالضرورة) بوصفهم غير شرعيين، ويُقصَوْن تلقائيًا من برامج المشاركة المجتمعية، أو تستهدفهم السياسات التي تضعها الحكومات لمكافحة الإرهاب، أو كلا الأمرين معًا.[44]

ويكمن الخطر هنا في أن الممارسات الغربية التي تستهدف مكافحة الإرهاب في الواقع العملي، وبينما تظهر في هذا المظهر، تتسبب في حقيقة الأمر في تفاقم الظروف المُفضية إلى الإرهاب. فعلماء المسلمين وأتباعهم الذين يُعَدّون مقربين من الدولة أو الهيئات المعنية بمكافحة الإرهاب يُنظر إليهم بوصفهم مسلمين غير شرعيين من جانب مسلمين آخرين أقصتهم في الأصل سياسات الحكومات التي تعتبرهم غير شرعيين كذلك. ومن هذا المنطلق نفسه، ينظر المسلمون المقربون من الدولة أو يبدون تأييدهم لممارسات مكافحة الإرهاب إلى المسلمين خارج الحيز الموالي للدولة على أنهم غير شرعيين. وتفرز هذه الحلقة المفرغة «معسكرًا غير شرعيًا» من المسلمين الذين لا ينصاعون للقانون أو السياسة المنبثقة عن مثل هذه المشاركة.[45] وفي هذا المقام، يُحرم من يعدون مسلمون غير شرعيين من حقهم المدني في المشاركة في الشئون التي تمس عقيدتهم وبلدهم وأمنهم، ويقعون بالتالي ضحية لشكل من أشكال التطرف البارد.

ولهذه التعريفات التي توضع للاعتدال أو الوسطية واستخداماتها آثار وخيمة على مسائل تتعلق بحقوق الإنسان الدولية وسيادة القانون ضمن الممارسات العملية التي ينفذها الغرب على صعيد مكافحة الإرهاب.[46] فالركن الرابع من أركان استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب يشدد على أنه لا غنى عن «ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون»[47] في أية استراتيجية مجدية لمكافحة الإرهاب. وفي الواقع العملي، غالبًا ما تغضّ الجهات الفاعلة في ميدان مكافحة الإرهاب الطرف عن هذه الركيزة، وتنتهك حقوق الآخرين في الحرب على الإرهاب.[48]

وقد يعتبر المسلمون المتدينون، الذين ينضوون تحت راية العنف الأيديولوجي، تأطير أولئك الذين يتحالفون مع محاربة الإرهاب بوصفهم معتدلين، دعوة إلى الغفلة، أي دعوة إلى التخلي عن عقيدتهم أو بعض محاورها الأساسية أو إهمالها. وهذا يرسخ بدوره خطاب المتطرفين والجماعات المتطرفة التي يُحتمل أن تميل إلى العنف، حيث يصبح اعتبار مكافحة الإرهاب مشروعًا مقصودًا يعتمد على الملاحقة الدينية ورفض عقيدة الإسلام.

وبذلك، فمن الممكن أن ما عمدت إليه مكافحة الإرهاب من تأطير للاعتدال الديني قد زاد من التطرف الديني بدلاً من التخفيف من وطأته. فمثلًا، ثمة أدلة موثقة من هولندا بشأن الطريقة التي أُضفي فيها طابع أمني على المسلمين إلى درجة أن الهولنديين من غير المسلمين باتوا ينظرون إلى المسلمين كما لو كانوا «تهديدًا». وزيادةً على ذلك، مُنح جهاز المخابرات التابع للدولة صلاحيات واسعة تسمح له بتوقيف أي مسلم يراه مشتبهًا به واستجوابه دون أي دليل ملموس على ضلوعه في فعل جنائي.[49]

وفي سياق مشروع مكافحة الإرهاب المشترك بين الحكومة والمجتمع في المملكة المتحدة، لجأ بعض الأهالي إلى التجسس على أبنائهم للكشف عن ميول راديكالية أو متطرفة لديهم، وبدا أن هؤلاء كانوا يتصرفون على هدي من التعريف الذي وضعته الحكومة للاعتدال مقابل التطرف في محاولة لإثبات مدى اعتدالهم. وقد وثقت مادلين-صوفي عباس الجزع الذي انتاب الأهالي في ليدز وبرادفورد إزاء ما ظهر على أبنائهم من علامات اعتُبرت مؤشرات على التطرف، كإطلاق اللّحى، وارتداء الحجاب والانتظام في أداء صلاة الجمعة.[50]

ووثقت إيفون يزبك حداد وتايلر غولسون سياسات عامة أثارت الجدل وضعتها عدة دول في أوروبا الغربية، خاصةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لمأسسة «إسلام معتدل» أو «صديق للأوروبيين».[51] فقد اعتبرت هذه الدول نفسها جهات تحمل صفة مشروعة تخول لها بناء نموذج للإسلام يحظى بدرجة أكبر من القبول في إطار المحاولات التي بذلتها لمكافحة الإرهاب أو «التهديد الإسلامي». وقد سُنت ثلاث سياسات حكومية رئيسية لاحتضان هذا النموذج المقبول للإسلام المعتدل: «الاعتراف بالمنظمات الإسلامية أو دمجها»، و«وبناء المساجد أو المدارس الإسلامية» و«معاملة الأئمة المسلمين».[52] وهنا، يفسَّر الإسلام المعتدل (أو يساء تفسيره) على أنه يشير لأي مظهر من مظاهر الإسلام الذي يُعدّ «أوروبيًا» أو «مدجَّنًا» بصرف النظر عن مدى التحولات التي قد يأتي بها.

وفي سياق تنفيذ هذه السياسات، كانت الحكومات الأوروبية الغربية تحاول اختيار المنظمات الإسلامية وإقامة مراكز تدريب الأئمة في سعيها إلى مأسسة الإسلام أو تحويله إلى دين «معتدل». وهذا الأمر يثير الفضول، خاصةً بالنظر إلى المبدأ الغربي الأساسي الذي يتأسس على الفصل بين الدين والسياسة، أو بين الكنيسة والدولة. ومع ذلك، فعندما يتعلق الأمر بالإسلام، فثمة محاولة مدبرة –تحت شعار الاعتدال– ترعاها دول غربية كألمانيا وفرنسا لتشكيل إسلام رسمي أو إسلام تابع للدولة بوصفه أكثر النماذج المقبولة من هذا الدين.[53] ففي ألمانيا، جاءت محاولة لتدريب المعلمين المسلمين من خلال توجيه المدرِّبين «المعتدلين» الذين عيّنتهم الدولة بنتائج عكسية عندما أنكر محمد سفين كاليش، وهو أستاذ الدراسات الإسلامية الذي عُيِّن لتنسيق هذا التدريب، وجود النبي محمد، مما حدا بمجلس التنسيق الإسلامي في ألمانيا إلى رفضه رفضًا قاطعًا.[54] وفي فرنسا، أُنشئ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في العام 2002 في عهد وزير الداخلية نيكولاي ساركوزي في حينه، في محاولة «لتدجين» الإسلام[55]  –وكان هذا إخفاقًا واضحًا حسبما دل على ذلك تصاعد التطرف العنيف في فرنسا منذ تشكيل هذا المجلس. وأيًا كان الأمر، تقلل هذه السياسات من شأن مبدأ «الدولة العلمانية» والأهداف المعلنة لتلك السياسات برمتها.

وفضلًا عن ذلك، باتت سياسات الاندماج التي تُنفَّذ في إطار إصلاح الإسلام برعاية الدولة تفرز تحولات، حيث يُتوقع من المهاجرين المسلمين التغاضي عن قيمهم الدينية بصرف النظر عن مدى ملاءمة هذه القيم أو خلوها من أي تهديد. وبذلك، يُكرِه سن هذه السياسات والقوانين المهاجرين المسلمين على صبغ أنفسهم بصبغة أوروبية. ووقفت كريستين أرتشيك وبول بيلكين وكريستوفر إم. بلانشارد وآخرون[56] على مساعي الاندماج ومكافحة التطرف التي تبذلها خمسة بلدان أوروبية مع جاليات كبيرة من المسلمين، وهي فرنسا، وألمانيا، وهولندا، والمملكة المتحدة وإسبانيا.[57] فقد سنّت هذه البلدان (وجيرانها)، في سياق مساعيها الرامية إلى مكافحة التطرف، قوانينًا أثارت الجدل، من قبيل حظر النقاب في فرنسا وفي بقاع من إيطاليا وألمانيا وسويسرا. فحظرت سويسرا بناء المآذن من خلال استفتاء عام.[58] وكان المنطق الذي يسوّغ سن هذه القوانين يكمن في أن المسلمين المعتدلين ليسوا في حاجة إلى ارتداء نسائهم للنقاب أو تشييد المآذن لممارسة شعائرهم الدينية. وتنبع من هذا المنطق سياسات وممارسات مضلِّلة تحضّ على الرفض والتعصب والحرمان من الحقوق.

زِد على ذلك أن هذه البلدان الغربية لم تكن على يقين من نوع المنظمات الإسلامية التي ينبغي لها عقد الشراكات معها، أو إشراكها في مشاريع الإصلاح التي رعتها. فهل يتعين عليها العمل مع المنظمات «المحافظة» أم «المعتدلة»؟ ومما يثير الانتباه أن المنظمات المعتدلة في هذا المقام تشير إلى تلك التي «تبدي الاستعداد لجمع الديانة والثقافة الإسلاميتين مع القيم السياسية التي يتحلى النسيج العام للمجتمع الأوروبي بها».[59] وتنظر الحكومات الأوروبية إلى المعتدلين على أنهم أولئك الأفراد أو المنظمات التي ترغب في التنازل عن بعض جوانب دينها بغية العمل المشترك مع الدول أو المجتمع. ويتسم هذا التوجه بالتحيز؛ لأنه يطالب المسلمين بالانسجام مع القيم الأوروبية –وهي قيم يبدو أنها عاجزة عن استيعاب بعض الشعائر الدينية التي يمارسها المسلمون والتسامح معها، بصرف النظر عن مدى اتسامها بطابع سلمي وخلوها من أي تهديد كان. وهذا الافتقار إلى التسامح يجعل المهاجرين المسلمين يشعرون بأنهم غير مرحب بهم، ويعمدون بسبب ذلك إلى التشبث بدينهم باعتباره المصدر الوحيد لهويتهم، ما قد يفضي إلى انتهاج ممارسة يشوبها التطرف أو النزوع إلى الراديكالية.[60] وهذه بالفعل هي الطريقة التي يستطيع التطرف «البارد» من خلالها شحذ التطرف «الساخن»، عندما توجَّه المطالب إلى المهاجرين المسلمين بالتخلي عن جوانب أساسية من هويتهم للاندماج في المجتمع، دون منحهم شيئًا ذا بال في المقابل.

ولتقييم مدى فعالية نزع الراديكالية، درست أنجيلا راباسا وآخرون[61] برامج أعدّتها عدة دول وحددت فيها مسألتين محوريتين، الاختيار بين اجتثاث الراديكالية وفك الارتباط. أما الأول فينطوي على قدر أكبر بكثير من التحديات لأنه يستدعي تغيير النظرة إلى العالم أو منظومة الاعتقاد لدى الفرد الذي قد ينخرط في التطرف المقترن بالعنف، وأما الثاني فيضع نصب عينيه على الفرد بهدف شجب العنف، دونما يعمد بالضرورة لتغيير نظرته إلى العالم أو منظومة اعتقاده، وهو ما يُحتمل أن ينتهي به إلى معاودة ممارسة العنف حسب الملاحظة التي يسوقها الباحثون. وفي حين لا يمكن استبعاد هذه الملاحظة الحذرة، فإن الواقع يقول إن برنامجًا يُعنى بمكافحة التطرف ويُرجَّح أن يكتب له النجاح يُستهلّ بفك الارتباط.[62] فبالنسبة لمعظم الحكومات، تسعى سياسات مكافحة التطرف التي تضعها إلى استئصال الراديكالية بصورة مباشرة دون اعتماد نهج متدرج يُستهلّ بفك الارتباط. وتسترشد هذه البرامج، الساعية لنزع الراديكالية، وتضع نصب عينيها على «الثقافة» و«الحقوق»، على غير هدى بالافتراض الذي يقضي بأن الدولة الغربية في وسعها أن تحول مهاجرًا مسلمًا كان يعيش وفق نموذج الإسلام الذي مارس شعائره في بلده الأم إلى شيء آخر تراه معتدلًا. ومع ذلك، ففي نظر معظم المهاجرين المسلمين، وخصوصًا أولئك الذين ينحدرون من الشرق الأوسط والبلدان ذات الأغلبية المسلمة، يُعدّ الإسلام جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من حياتهم وثقافتهم، مع أن شطرًا كبيرًا من برامج نزع الراديكالية لا تراعي هذا الجانب المراعاة الواجبة. وحتى بالنسبة لأولئك الذين لا يحتكمون إلى الإسلام بوصفه الوسيلة الرئيسية للتعريف بهويتهم ويسعون إلى الاندماج في المجتمعات الأوروبية الغربية، فما انفك هؤلاء مقصيّين، مثلما يتجسد ذلك في حالة المسلمين الهولنديين الذين يُنظر إليهم على أنهم «قادمين جدد» بصرف النظر عن مدى سعيهم إلى إثبات خصالهم «الهولندية».[63]

ويعود الفهم الشمولي للاعتدال، بما يشمل المنظور الإسلامي، بالعديد من المنافع المحتملة على ممارسات مكافحة الإرهاب على أرض الواقع. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك. ففي البداية، عندما يُستخدم مفهوم الاعتدال أو الوسطية في الممارسات الغربية التي تُعنى بمكافحة الإرهاب في الواقع العملي، فهو يوظف ثنائية جامدة بين الإقصاء والإدماج. فمن تدمج هذه الممارسات ومن تقصيه عندما تضع مفهوم الاعتدال موضع التطبيق؟ فتطبيقات مفهوم الاعتدال ينبغي أن تتسم بالتعددية، بمعنى ألا تستهدف المسلمين وحدهم، وإنما تطبَّق على نطاق أوسع أو ضمن سياقات أعم بحيث تضم «الآخرين». ولهذا الأمر أهميته لأن التطرف العنيف أو الراديكالية تُلحق الضرر بالمسلمين بالقدر ذاته الذي تُسبّبه لغيرهم.

ولذلك، فلا مناص من توسيع أمد النظرة العامة التي يراها الغرب للاعتدال في التطبيق العملي الذي يسلكه في مكافحة الإرهاب. وليس من باب المصادفة أن المفسرين يفسرون «أُمَّةً وَسَطًا» (الآية 143 من سورة البقرة) بمعنى المجتمعات المتوازنة القائمة على العدل، وليس المسلمين المتوازنين كأفراد يتحرّون العدل. وهذا يشير إلى أن الانتساب إلى مجتمع متوازن يتوخى العدل لا ينبغي أن ينحصر في المسلمين وحدهم.[64] فعند تنفيذ السياسات التي تركز على الاعتدال أو الإسلام المعتدل لغايات محاربة التطرف المصحوب بالعنف، يتعين أن تتوخى الممارسات العملية الغربية لمكافحة الإرهاب الإنصاف والعدل فيمن تدمجه أو تقصيه من الجماعات التي تستهدفها. وقد جرى التسليم على نطاق واسع بأن دور المجتمع بالغ الأهمية في محاربة الإرهاب. ولذلك، يجب أن تركز السياسات على المجتمع، وليس على انقسامه.[65] ففيما بين المسلمين، يتعين تجنب الفصل بين «المعتدلين» و«المتطرفين» قدر الإمكان لضمان وئام المجتمع وتلاحُمه لكي تبلغ أي سياسة معتمدة النتيجة التي تنشدها. وينبغي ألا تُقصى المجتمعات المسلمة ويُنظر إليها كما لو كانت تهديدًا، مما يبثّ الكراهية في أوساط المجتمعات الأخرى وتحامُلها على مجتمع المسلمين برمته.

كما يجب أن يعقد تطبيق الاعتدال على الوجه المناسب في سياسات مكافحة الإرهاب التوازن بين «الحداثة» و«التقاليد أو الثقافة»، من ناحية الاعتراف بتقاليد الشعوب وعاداتها ووجهات نظرها ومعتقداتها، دون تشويهها والتشكيك فيها لصالح الحداثة. وتقتضي الضرورة إقامة توازن دقيق عند بذل المحاولة –مثلًا– لتنظيم قواعد الملبس والطعام (كصناعة الطعام الحلال) والهندسة المعمارية لأماكن العبادة وإدارتها. ومن بين الحالات العديدة التي تستدعي إعادة تقييمها، بسبب الإخفاق الذريع الذي واكب إقامة هذا التوازن، المساعي المتواصلة التي تبذلها فرنسا في سبيل تشكيل إسلام رسمي تابع للدولة ويتسم بطابعه «الفرنسي»، ومحاولة ألمانيا تدريس الإسلام من خلال العلماء الذين تعيّنهم الدولة، وليس علماء الدين التقليديين.

ففي حالة ألمانيا، لا يستبعد هذا التقييم حقيقة وجود علماء مسلمين متطرفين. ومع ذلك، فهو يشدد على أنه ثمة علماء مسلمين تقليديين ممن يمكن استشارتهم والطلب منهم تدريس الإسلام بكليته وشموليته. فقد لوحظ أن الشباب الذين يملكون معرفة محدودة عن الإسلام يتيسر تحولهم إلى توجه راديكالي نتيجةً لذلك.[66] والنية المتوخاة من تدريس الإسلام الصحيح والشمولي –وليس الإسلام «المعتدل» بالضرورة– جديرة بالثناء والاحترام. وقد ينضوي أي توجه ملائم لتدريس الإسلام ضمن المعايير التي يُرسيها مفهوم الوسطية، مما يجعله «إسلامًا يتوخى التبسيط دون التعقيد، والدعوة دون الإقصاء، والعطف دون العنف، والتعارف دون الازدراء، والتسامح دون التعصب، والمضمون دون الشكل، والإنجاز دون الاختلاف، والعطاء دون الرياء، والاجتهاد دون التقليد، والتجديد دون الجمود، ومراعاة الدقة دون الإهمال، والوسطية دون التطرف أو الغفلة».[67]

ومن المسائل المهمة الأخرى التي يتعين ملاحظتها ضرورة إقامة التوازن فيما يتصل بالإكراه في القوانين والسياسات. ففي حالات ليست بالقليلة، تُعتمد قوانين قسرية تفتقر إلى قدر وافٍ من التوازن، وتتسم بالتطرف في طابعها وواقعها العملي. وتُعدّ معظم قوانين مكافحة الإرهاب قسرية في سياق المحاولة التي تبذلها لتعديل الإسلام أو تدجينه وإجبار المسلمين، الذين تشملهم في نطاق اختصاصها، على التقيد بنموذج الإسلام المعتدل الذي شكلته الدولة. وثمة حاجة إلى تبني تشريعات وسياسات متوازنة تراعي الاعتبارات الأمنية، دونما تحتكم إلى القسر والإكراه. فعوضًا عن تعديل الإسلام أو تدجينه، من شأن الاستثمار في التعليم الإسلامي العام أن يكون أجدى وأكثر نفعًا. وينبغي ألا تستفرد التشريعات التي تنفَّذ لدواعٍ أمنية مجتمعًا بعينه وتستهدفه.

وأخيرًا، تكمن مسألة مهمة لها صلتها بهذا الجانب في ضرورة إقامة التوازن بين تنظيم الدين وضمان الحرية اللازمة لممارسة شعائره. فمع أن الحق في حرية الدين مكفول في القانون الدولي والاتفاقيات والمعايير الدولية ودساتير معظم البلدان وتشريعاتها الوطنية، فإن الممارسات الغربية لمكافحة الإرهاب في الواقع العملي تغض الطرف عن هذا الحق الأساسي. ولذلك، يتفوق التنظيم والقيود الأمنية في أهميتهما على الحق الواجب للفرد في حرية ممارسة شعائره الدينية أو اختيار دينه، وخاصةً فيما له علاقة بالإسلام.

خاتمة

تسلط هذه الورقة الضوء على التناقض الذي يشوب تطبيق الإسلام المعتدل في الممارسات العملية التي يعتمدها الغرب في مكافحة الإرهاب. فلا يزال تطبيق هذا الإسلام يتسم بانحياز مغالٍ إلى جانب دون آخر، وذلك يستدعي تبنّي أو إدراج المنظور الإسلامي للوسطية من أجل مضاعفة المكاسب التي يؤتيها الاعتدال الأصيل في الإسلام. ولهذه الغاية، عمدت الورقة إلى تقييم الطرق التي يجري من خلالها تصور الإسلام المعتدل وتطبيقه ضمن الممارسات العملية الغربية على صعيد مكافحة الإرهاب، ودرست الطرق التي يمكن من خلالها الارتقاء بهذا التصور والتطبيق عبر إدراج منظور الإسلام للاعتدال. إن الإرهاب والتطرف القائم على العنف لن ينفكّا عن مدى المستقبل المنظور؛ لذا فلا غنى عن اتخاذ التدابير التي تفضي إلى الحد من التطرف المصحوب بالعنف واستئصال شأفته إن أمكن ذلك في نهاية المطاف.

ورغم أن توظيف الاعتدال في محاربة الأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة لا يخلو كله من الوجاهة أو نياته الحسنة، ينبغي لعقدة مكافحة الإرهاب في الغرب فعل المزيد من أجل تطبيق الإسلام المعتدل تطبيقًا ملائمًا إن كان لتحييد الإرهاب أن يصيب النجاح. ويستدعي تطبيق الاعتدال على الوجه السليم منظورًا شموليًا يجمع بين طياته دقائق أيديولوجية الإسلام، وليس أقلها فهم الوسطية والغفلة. فمن خلال هذا النهج، يمكن النهوض بالتصدي للإرهاب والتطرف العنيف على مستوييْ الأيديولوجيات والسياسات في آن واحد.

ويركز توظيف الاعتدال في صورته الراهنة في الممارسات العملية التي يعتمدها الغرب في مكافحة الإرهاب، في جانب كبير منه، على محاربة التطرف دون مراعاة الآثار التي يفرزها هذا التركيز المنحاز، أي إكراه المهاجرين المسلمين –بصورة مباشرة وغير مباشرة وعلى نحو ضمني أو صريح– على إهمال ممارسة شعائرهم الدينية. وفي الواقع، فقد تتسبب المحاولات التي ترمي إلى تعديل الإسلام أو إصلاحه وتصنيف المسلمين إلى فئات في الوقت نفسه –وتميل إلى إقصاء هؤلاء المسلمين بنفي الصفة الشرعية عن معتقداتهم وشعائرهم– بتفاقم التطرف، ناهيك عن لجمه. كما يؤدي ذلك إلى استهداف أفراد أبرياء لا دخل لهم في ارتكاب أعمال العنف أو إضمار ميول عنيفة وملاحقتهم دونما مسوّغ. فالجماعات المتطرفة التي تسلك سلوك العنف تستغل هذا الاستهداف لإضفاء المصداقية على رواياتها الدعائية، ومن ثم توسيع نطاق دعايتها وقدرتها على التشجيع على أعمال الإرهاب. ومما يؤسف له أن تطبيق الإسلام المعتدل في سبيل مكافحة الإرهاب والتطرف المقترن بممارسة العنف يستهدف أساسًا إكراه المسلمين على الغفلة عن دينهم، دون أن يتخذ هذا التطبيق سبيلًا وسطًا بين التطرف والغفلة.

ولم يكن في الإمكان أن يتسع هذا البحث، الذي يركز على توظيف «الإسلام المعتدل» في الممارسات العملية التي يرعاها الغرب في مكافحة الإرهاب، ليدرس مدى انسجام ممارسات البلدان غير الغربية من منظور إسلامي. ومن المفيد دراسة تطبيق الوسطية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة نفسها. وقد تشكل هذه الورقة أساسًا أو نقطة ننطلق منها لإجراء المزيد من الأبحاث في هذا المضمار.

هذا المقال كتب في الأصل باللغة الانجليزية لرواق عربي

[1] أوتلي، راشيل إي. (2012). بعد عشر سنوات من الحادي عشر من سبتمبر: وجهات نظر ومشكلات (9/11 Ten Years After: Perspectives and Problems). أشغيت، تاريخ الاطلاع 18 يوليو 2021،
http://ezproxy.ug.edu.gh:2048/login?url=http://search.ebscohost.com/login.aspx?direct=true&db=cat08004a&AN=ebl.b1120113&site=eds-live
[2] تشومسكي، نعوم (2003). تعقيب: الحقائق الأخلاقية، والأدلة المُستقاة من واقع التجربة والسياسة الخارجية (Commentary: moral truisms, empirical evidence, and foreign policy ). مجلة استعراض الدراسات الدولية (Review of International Studies)، 29(4)، 605-620.
[3] انظر الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب (1999). «الإعلانات والاتفاقيات المتضمنة في قرارات الجمعية العامة»، 9 ديسمبر، تاريخ الاطلاع 10 مايو 2021، http://hrlibrary.umn.edu/arabic/ICSFT.html
[4] لا يُستخدم هذان المفهومان بمعنى واحد.
[5] تعني هذه التطبيقات العملية في هذه الورقة التوليفة المعقدة التي تجمع ما بين نظرية مكافحة الإرهاب وممارستها على أرض الواقع.
[6] هوارد، راسيل دي. وريد إل. سوير (2004). الإرهاب ومكافحة الإرهاب: فهم البيئة الأمنية الجديدة: قراءات وتفسيرات (Terrorism and Counterterrorism: Understanding The New Security Environment : Readings & Interpretations). ماكغرو-هيل/دوشكين. تاريخ الاطلاع 5 يونيو 2021،
http://ezproxy.ug.edu.gh:2048/login?url=http://search.ebscohost.com/login.aspx?direct=true&db=cat08004a&AN=ebl.b1136820&site=eds-live
[7] يشير «الغرب» في هذا المقام إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.
[8] يشير الحديث الشريف في الدراسات الإسلامية إلى الأقوال المسندة التي تُنسب للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
[9] فان مونستر، رينز (2007). مقال استعراضي: الأمن بموارد محدودة: دليل المسافر إلى المدارس النقدية للأمن في أوروبا (Review Essay: Security on a Shoestring: A Hitchhiker’s Guide to Critical Schools of Security in Europe)، مجلة التعاون والصراع (Cooperation and Conflict) 42(2)، 235-243.
[10] كانافار، ريهان، وفيليز كاتمان (2020). ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: الخطاب المناهض للإسلام بشأن الإرهاب وآثاره على مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان والأمن القومي في هولندا (Post 9/11: Anti-Islam Discourse on Terrorism and Its Implications on Counter-Terrorism, Human Rights and National Security in the Netherlands)، مجلة الباحث الأوروبي (European Researcher)، 11(3)، سبتمبر، 135-149، تاريخ الاطلاع 7 يونيو 2021،
https://doi.org/10.13187/er.2020.3.135
[11] هاتشفول، إي. (2008). من الأمن العسكري إلى الأمن الإنساني. في جي. أكوكباري، وإي نيدينغا-موفومبا وتي. موريثي (محررون)، الاتحاد الإفريقي ومؤسساته (The African Union and Its Institutions). سانيسايد: جاكانا ميديا، 63-84.
[12] للاستزادة عن هذا المصطلح، انظر ميغنولو، والتر دي. وكاثرين إي. وولش (2008). عن تفكيك الاستعمار: المفاهيم والتحليلات (On Decoloniality: Concepts, Analytics). مجلة العولمة (Globalizations) 18(5)، 4 يوليو، 720-737، تاريخ الاطلاع 2 يوليو 2021، https://doi.org/10.1080/14747731.2020.1842094
[13] ميغنولو، والتر دي. (2021). الاستعمار والعولمة: حصيلة تفكيك الاستعمار (Coloniality and Globalization: A Decolonial Take’). مجلة العولمة (Globalizations) 18(5)، 4 يوليو، 720-737، تاريخ الاطلاع 2 يوليو 2021،
https://doi.org/10.1080/14747731.2020.1842094
[14] (2017). في بينكين، ريتشارد إل. (محرر). ما هو الإسلام المعتدل؟ (What Is Moderate Islam?) واشنطن العاصمة: مكتبة ليكسينغتون، تاريخ الاطلاع 10 يوليو 2021،
http://ezproxy.ug.edu.gh:2048/login?url=http://search.ebscohost.com/login.aspx?direct=true&db=edswao&AN=edswao.502219696&site=eds-live
[15] إيس، مارغريثا إي. (2019). وعد العقد الاجتماعي: وجهات نظر المسلمين بشأن إضفاء طابع ثقافي على المواطنة ومطالبتهم بشجب العنف المصحوب بالعنف (The Promise of the Social Contract: Muslim Perspectives on the Culturalization of Citizenship and the Demand to Denounce Violent Extremism). مجلة الدراسات الإثنية والعرقية (Ethnic and Racial Studies) 42(6)، 10 ديسمبر، 141-158، تاريخ الاطلاع 27 يونيو 2021،
https://doi.org/10.1080/01419870.2019.1600710؛ إيس، مارغريثا إي. (2021). المسلمون النرويجيون يشجبون الإرهاب: ما بعد «المعتدلين» مقابل «الراديكاليين»؟ (Norwegian Muslims Denouncing Terrorism: Beyond “Moderate” versus “Radical”?’). مجلة الدين (Religion)، 51(2)، 3 أبريل، 169-189، تاريخ الاطلاع 8 يوليو 2021،
https://doi.org/10.1080/0048721X.2021.1865600
[16] هولموود، جون (2015). الحقوق الاجتماعية والحرية المركبة: تعقيب على فرناندو أتريا (Social Rights and Complex Freedom: A Comment on Fernando Atria). مجلة الدراسات الاجتماعية والقانونية (Social & Legal Studies) 24، 614.
[17] هولموود، جون (2013). إعادة التفكير في الاعتدال في إطار براغماتي (Rethinking Moderation in a Pragmatist Frame). مجلة علم الاجتماع (The Sociological Review) 61(S2)، 1 ديسمبر 2013، 180-195، تاريخ الاطلاع 20 يونيو 2021،
https://doi.org/10.1111/1467-954X.12106
[18] ديفيدز، نورآن (2017). الإسلام والاعتدال والراديكالية والمجتمعات المتوازنة على أساس العدل (Islam, Moderation, Radicalism, and Justly Balanced Communities). مجلة شئون الأقليات المسلمة (Journal of Muslim Minority Affairs) 37(3)، سبتمبر، 309-320.
[19] انظر السور والآيات التالية في القرآن: البقرة، الآيتان 143 و238؛ والمائدة، الآية 89؛ والقلم، الآية 28؛ والعاديات، الآية 5.
[20] ابن كثير (2000). تفسير ابن كثير. مطبوعات دار السلام، ط. 2. وانظر أيضًا تفسير البغوي (2012). بيروت: دار الكتب العلمية، 14.
[21] صحيح البخاري (3339)، الكتاب الستون، الحديث الرابع عشر، تاريخ الاطلاع 15 يوليو 2021،
https://sunnah.com/bukhari:3339
[22] تفسير البغوي، مصدر سابق، 14.
[23] كمالي، محمد هاشم (2015). النهج الوسط للاعتدال في الإسلام: مبدأ الوسطية في القرآن (The Middle Path of Moderation in Islam: The Qur’anic Principle of Wasatiyyah). أوكسفورد، نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد.
[24] يبحي بن محمد يوسف، محمد يسري، وثميم أشامة وأديبة عبد الرحيم (2020). مفهوم الغلو في الإسلام: تحليل لمظاهره وأسبابه في العالم الحديث (The Concept of Ghulūw in Islam: An Analysis on Its Manifestations and Causes in The Modern World). مجلة الخطاب الفكري (Intellectual Discourse) 28(2)، يوليو، 433-457.
[25] انظر الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد (2009). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. القاهرة: دار الحديث؛ اللويحق، عبد الرحمن بن معلا المطيري (1999). مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر. بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع؛ ابن فارس، أبو حسين أحمد (1999)، معجم مقاييس اللغة. بيروت: دار الجيل.
[26] ابن معلا، اللويحق، مصدر سابق.
[27] ابن معلا، اللويحق، مصدر سابق.
[28] الحقيل، سليمان بن عبد الرحمن (1996). الإسلام ينهى عن الغلو في الدين ويدعو للوسطية. المملكة العربية السعودية.
[29] الفرفور، محمد عبد اللطيف (1993). الوسطية في الإسلام. دار النفائس.
[30] لاين، إدوارد ويليام (2003). معجم عربي إنجليزي (Arabic English Lexicon) – ثماني مجلدات. نيودلهي تشيناي: الكتب التعليمية.
[31] انظر سورة مريم، الآية 39؛ سورة الأنبياء، الآيتان 1 و97؛ سورة القصص، الآية 15؛ سورة ق، الآية 22.
[32] تشيرني، أدريان، وكريستينا مورفي (2016). ما الذي يعنيه أن تكون مسلمًا معتدلًا في الحرب على الإرهاب؟ تفسيرات المسلمين وردود أفعالهم (What Does It Mean to Be a Moderate Muslim in the War on Terror? Muslim Interpretations and Reactions). مجلة دراسات نقدية عن الإرهاب (Critical Studies on Terrorism) 9(2)، 3 مايو، 159-181، تاريخ الاطلاع 5 يونيو 2019، https://doi.org/10.1080/17539153.2015.1120105
[33] سباليك، باسيا، وعلياء إمطوال (2007). المجتمعات المسلمة والردود على مكافحة الإرهاب: النُّهُج «القاسية» للمشاركة المجتمعية في المملكة المتحدة وأستراليا (Muslim Communities and Counter-Terror Responses: “Hard” Approaches to Community Engagement in the UK and Australia). مجلة شئون الأقليات المسلمة (Journal of Muslim Minority Affairs) 27(2)، 1 أغسطس، 185-202، تاريخ الاطلاع 10 أغسطس 2018، https://doi.org/10.1080/13602000701536117
[34] حداد، إيفون يزبك، وتايلر غولسون (2007). تعديل الإسلام: تمثيل «الإسلام المعتدل» وبناؤه والتعاون معه في أوروبا الغربية (Overhauling Islam: Representation, Construction, and Cooption of “Moderate Islam” in Western Europe). مجلة الكنيسة والدولة (Journal of Church and State) 49(3)، 487-515.
[35] شميد، أليكس بي. (2017). المسلمون المعتدلون والإرهاب الإسلامي: بين الرفض والمقاومة (Moderate Muslims and Islamist Terrorism: Between Denial and Resistance). مجلة المركز الدولي لمكافحة الإرهاب – لاهاي، 8(9)، 5 ديسمبر 2018، 8 https://icct.nl/publication/moderate-muslims-and-islamist-terrorism-betweedenial-and-resistance/.
[36] شميد، أليكس بي.، مصدر سابق، 17.
[37] أحمد، شهاب (2020). ما هو الإسلام؟ في مغزى أن تكون منتميًا إلى الإسلام. الرباط: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 33.
[38] راباسا، أنجيل، وشيريل برنارد وآخرون (2007). بناء شبكات من المسلمين المعتدلين (Building Moderate Muslim Networks). موجز بحث صادر عن مؤسسة راند، تاريخ الاطلاع 10 نوفمبر 2018، 67،
https://www.rand.org/pubs/monographs/MG574.html
[39] يكاد يستحيل الوفاء بالشروط اللازمة لتطبيق بعض الأحكام الجزائية الشرعية.
[40] مركز بيو للبحوث (2013). اعتقادات المسلمين بشأن الشريعة (Muslim Beliefs About Sharia). مدونة مشروع الدين والحياة العامة التابع لمركز بيو للبحوث، 30 أبريل، تاريخ الاطلاع 10 فبراير 2019،
https://www.pewforum.org/2013/04/30/the-worlds-muslims-religion-politics-society-beliefs-about-sharia/
[41] شميد، أليكس بي.، مصدر سابق، 8.
[42] مورفي وتشيرني، مصدر سابق.
[43] مورفي وتشيرني، مصدر سابق، 16.
[44] سباليك وإمطوال، مصدر سابق.
[45] مورفي وتشيرني، مصدر سابق.
[46] انظر ووكر، كلايف (2021). مكافحة الإرهاب ضمن سيادة القانون؟ الخطاب والواقع مع إشارة خاصة إلى المملكة المتحدة (Counterterrorism within the Rule of Law? Rhetoric and Reality with Special Reference to the United Kingdom). مجلة الإرهاب والعنف السياسي (Terrorism & Political Violence) 33(2)، مارس، 338-352، تاريخ الاطلاع 15 يوليو 2021، https://doi.org/10.1080/09546553.2021.1880233؛ سعيد، وديع إي. (2021). تأثير الإرهاب المزعزع للاستقرار في منظومة حقوق الإنسان الدولية (The Destabilizing Effect of Terrorism in the International Human Rights Regime). مجلة جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس لاستعراض القوانين (UCLA Law Review) 67(6)، أبريل 2021، 1800-1819.
[47] الأمم المتحدة (2020). استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، مكتب مكافحة الإرهاب، تاريخ الاطلاع 11 مايو 2021، https://undocs.org/ar/A/RES/60/288
[48] ديل فيلار، إيريكا لورينزانا، ودافيتا سيلفين غلاسبيرغ (2015). ضحايا الإرهاب والحق في الانتصاف (Victims of Terrorism and the Right to Redress). مجلة الإنسانية والمجتمع (Humanity & Society)، 39(3)، أغسطس، 321-338.
[49] كانفار وكاتمان، مصدر سابق، 141.
[50] عباس، مادلين-صوفي (2019). «أطلقت لحيتي ووالدي جن جنونه!» اختيار الآباء البريطانيين المسلمين في محاربة «الإرهاب» في أسرهم في برادفورد وليدز (“I Grew a Beard and My Dad Flipped out!” Co-Option of British Muslim Parents in Countering “Extremism” within Their Families in Bradford and Leeds). مجلة دراسات الإثنية والهجرة (Journal of Ethnic & Migration Studies)، 45(9)، يوليو، 550-566، تاريخ الاطلاع 15 مارس 2019،
https://doi.org/10.3390/rel4040550
[51] حداد وغولسون، مصدر سابق؛ وانظر أيضًا جونز، ستيفن إتش. (2013). العمل الجديد وإعادة صناعة الإسلام البريطاني: حالة النهج الوسطي الراديكالي و«استصلاح» تقاليد الإسلام الكلاسيكي (New Labour and the Re-Making of British Islam: The Case of the Radical Middle Way and the “Reclamation” of the Classical Islamic Tradition). مجلة الأديان (Religions)، 4(4)، ديسمبر، 550-566، تاريخ الاطلاع 15 مارس 2019، https://doi.org/10.3390/rel4040550
[52] حداد، إيفون يزبك، ومايكل جي. بالز (2008). ترويض الأئمة: الحكومات الأوروبية والوعاظ المسلمون منذ الحادي عشر من سبتمبر (Taming the Imams: European Governments and Islamic Preachers since 9/11). مجلة الإسلام والعلاقات بين المسيحيين والمسلمين (Islam and Christian–Muslim Relations)، 19(2)، 1 أبريل، 215-235، تاريخ الاطلاع، 13 نوفمبر 2018، https://doi.org/10.1080/09596410801923980
[53] راسكوف، صامويل جي. (2012). إنشاء إسلام رسمي؟ قانون واستراتيجية مكافحة التحول إلى الراديكالية (Establishing Official Islam? The Law and Strategy of Counter-Radicalization). مجلة ستانفورد لاستعراض القوانين (Stanford Law Review)، 64، 66.
[54] برايسون، جنيفر (2008). هل يفضي الإسلام في ألمانيا إلى المفتية ميركل؟ (Will Islam in Germany Lead to Mufti Merkel?). مدونة الخطاب العام، 12 ديسمبر، تاريخ الاطلاع 13 يوليو 2021،
https://www.thepublicdiscourse.com/2008/12/104/
[55] تيترولت، شانتال (2014). هل يمكن أن يكون الإسلام فرنسيًا: التعددية والبراغماتية في دولة علمانية (Can Islam Be French: Pluralism and Pragmatism in a Secularist State’). جون آر. بووين، مجلة استعراض الأنثروبولوجيا السياسية والقانونية (PoLAR: The Political and Legal Anthropology Review)، 37(1)، 181-183.
[56] أرتشيك، كريستين، وبول بيلكين وآخرون (2011). المسلمون في أوروبا: ترويج الاندماج ومكافحة الإرهاب (Muslims in Europe: Promoting Integration and Countering Extremism). تقرير مقدم للكونغرس من خدمات الأبحاث التابع للكونغرس، 13.
[57] أرتشيك، كريستين وآخرون، مصدر سابق.
[58] أرتشيك، كريستين وآخرون، مصدر سابق، 17.
[59] أرتشيك، كريستين وآخرون، مصدر سابق، 12.
[60] أرتشيك، كريستين وآخرون، مصدر سابق، 12. وانظر أيضًا روي، أوليفير (2004). الإسلام المعولم: البحث عن أمة جديدة (Globalized Islam: The Search for a New Ummah). سلسلة مركز الدراسات والأبحاث الدولية في الدراسات السياسية والدولية المقارنة. نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا.
[61] راباسا، مصدر سابق.
[62] تجدر الإشارة إلى أن مكافحة الإرهاب واجتثاث الراديكالية مصطلحان غير مترادفين.
[63] إيس، مارغريثا إي.، مصدر سابق؛ وانظر أيضًا إيس، مارغريثا إي.، ونينا تير لان وإيريك ماينيما (2021). ما بعد «المعتدلين» مقابل «الراديكاليين»؟ وجهات نظر جديدة بشأن سياسة الاعتدال في السياقات ذات الأغلبية المسلمة والأقلية المسلمة (Beyond ‘radical’ versus ‘moderate’? New perspectives on the politics of moderation in Muslim majority and Muslim minority settings). مجلة الدين (Religion)، 51(2)، 2 أبريل 2021، 161-168، تاريخ الاطلاع 9 يوليو 2021،
https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/0048721X.2021.1865616
[64] ديفيدز، نورآن، مصدر سابق.
[65] مورفي وتشيرني، مصدر سابق.
[66] القرضاوي، يوسف (2009)، فقه الوسطية الإسلامية والتجديد: معالم ومنارات. مركز القرضاوي للوسطية الإسلامية والتجديد، 197.
[67] يبحي، أشامة وعبد الرحيم، مصدر سابق.

Read this post in: English

اظهر المزيد

أحمد بدوي مصطفى

زميل باحث بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة غانا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى