دراسات

تراتبيات متشابكة: تقاطعية الدين والجندر في قوانين الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس في مصر

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تطرح هذه الورقة بعض الأسئلة المتعلقة بمدى تفهم مطلب «قانون مدني موحد للأحوال الشخصية»، الذي ترفعه القوى التقدمية في مصر، لسياق الاضطهاد الديني. من خلال تقديم عرض تاريخي لأهم المحطات التي مرت بها التشريعات المنظمة للأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس في مصر، من منظور نسوي تقاطعي، يحاول رؤية توازنات القوة للأطراف المتحكمة في هذه التشريعات. فتتناول الورقة عرضًا موجزًا للسياق التاريخي لنشأة قانون الأحوال الشخصية في مصر، ثم تاريخ نشأة المجلس الملي العام للأقباط الأورثوذكس، الذي أصدر لائحة ثمانية وثلاثين، وهي اللائحة المنظمة للأحوال الشخصية للمسيحيين منذ سنة 1938. ثم تستعرض الورقة أهم اللوائح والتشريعات والقرارات البابوية والمحطات الخلافية فيما يتعلق بتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين بين الكنيسة والدولة بخصوص الطلاق والزواج الثاني. يلي ذلك شرحًا للتراتبيات المتشابكة التي تشكل الوضع الحالي وهي: التراتبية بين الطوائف المعترف بها والطوائف غير المعترف به، التراتبية بين الكنيسة القبطية الأورثوذكسية باعتبارها «الكنيسة الأم» والكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية، والتراتبية داخل الكنيسة الأورثوذكسية بين الإكليروس والعلمانيين،[1] وأخيرًا التراتبية المجتمعية المبنية على أساس الهوية الدينية بين المسلمين وغير المسلمين، وعلى أساس الجندر بين النساء والرجال.

مقدمة: قانون مدني «موحد» للأحوال الشخصية

ساهمت ثورة يناير 2011 في إبراز الإنترنت كمساحة جديدة للتنظيم السياسي، تستطيع القوى الساعية للتغيير استخدامها لطرح خطاباتها والوصول لقواعد جماهيرية أوسع، وهو ما كان له صدى في التنظيم النسوي على مدار السنوات العشرة الأخيرة، وقد وصل لذروته في عامي 2020 و2021. فبعد تسريب مسودة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في فبراير 2021، صدرت ردود أفعال نسائية ونسوية رافضة للمسودة. انطلقت ردود الأفعال تحت وسمين أساسيين: #الولايةحقي و #منأجلقانونمدنيموحدللأحوال_الشخصية. لاقى الوسم الأول، الذي أطلقته مؤسسة المرأة والذاكرة،[2] تفاعل جماهيري واسع على منصات التواصل الاجتماعي. وشاركت فيه العديد من النساء قصص وشهادات من واقع حيواتهن الشخصية. تحت الوسم الثاني صدرت عريضة[3] لجمع التوقيعات، وجمعت 12,900 توقيع حتى تاريخ كتابة هذه الورقة (نوفمبر 2021). من خلال قراءة العريضة يمكننا رؤية حرص مطلقيها على إعلاء مبدأ المواطنة، ومساواة الجميع أمام القانون والدستور، سواءً على مستوى المساواة الجندرية أو المساواة الدينية. ترفض العريضة مبدأ الاحتكام للشرائع الدينية في قوانين الأحوال الشخصية المنظمة للزواج والطلاق والعلاقات الأسرية في مصر. كما تطالب بالالتزام بالمواد الدستورية «التي نصت على المساواة بين الرجال والنساء، وحظرت التمييز على أي أساس بين المواطنين والمواطنات». لكن، ورغم مشروعية هذا المطلب، بموجب المواد التاسعة والحادية عشر والخامسة والستون من الدستور المصري الصادر سنة 2014، والمعدل سنة 2019، فإنها لم تشتبك بشكل واضح، سواء سلبًا أو إيجابًا، مع المادة الثالثة من الدستور والتي تنص على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية»، بالإضافة لتجاهلها المادة العاشرة من الدستور التي تفيد بأن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها». لا أذكر هذه المواد باعتبارها موضوعًا للرفض أو الاحتفاء من قِبَلي، بل باعتبارها انعكاسًا لما استقر عليه التوازن الحالي للقوى السياسية والاجتماعية، والذي يجب علينا الاشتباك معه كقوى سياسية، ليس برؤيته توازنًا غير قابل للخلخلة، بل باعتباره تجسيدًا للتصورات السائدة عن الأسرة وتنظيم العلاقات بداخلها والقيم التي تحكمها، وبرؤية هيمنة هذه التصورات باعتبارها ما سمح بحدوث هذا التوازن من الأصل.

المادة الثالثة أُدرِجَت في الدستور المصري لأول مرة في دستور سنة 2012، المكتوب بعد انتخاب برلمان كانت أغلبيته من تيار الإسلام السياسي، كما كانت لجنة كتابة الدستور هي الأخرى مكونة من غالبية إسلامية. وظلت المادة الثالثة من الدستور، المتعلقة بتنظيم الأحوال الشخصية لغير المسلمين موجودة في دستور 2014، الذي عُدِل بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين. استنكر بعض النشطاء في المجموعات المسيحية إدراج هذه المادة في الدستور، ورأوا أن بوجودها تنصب الكنيسة نفسها «حاكمة على رقاب العباد من المسيحيين، وهي من تعطي الحق في الزواج والطلاق».[4]

في المادة الثالثة من الدستور يمكننا رؤية الاستجابة للمطلب التاريخي للكنائس المصرية،[5] على اختلافاتها، بترك أمور الأحوال الشخصية للمسيحيين لإدارة الكنيسة. وهو ما يعد في وجهة نظري، استجابة طرف سياسي لمطلب معلق منذ عقود، لطرف سياسي آخر، وهي لا تحمل قيمة إيجابية أو سلبية في حد ذاتها، ولكن يمكننا اعتبارها تنازل من الدولة، باعتبارها الطرف الأقوى، في إحدى لحظات خلخلة التوازن الاجتماعي والسياسي القائم، لاكتساب طرف آخر قوي في المعادلة الاجتماعية والسياسية، بهدف الرجوع لحالة التوازن مرة أخرى، حتى ولو كانت شروط التوازن الجديد مختلفة؛ بمعنى أنها تعيد ترسيم العلاقة بين أطراف القوة، ولكنها لا تغيرها بشكل جذري. من هذا المنطلق، من المهم فهم كيف تكونت قوة هذه الأطراف تاريخيًا، وماهي المكونات الداخلية لكل منها، وعلى أي أسس تشكل المطلب باعتباره كارتًا للتفاوض.

كذا يمكننا أن نرى في مطلب القانون المدني الموحد طموح سياسي يرغب في تخطي الدين كأحد عوامل تنظيم العلاقات الاجتماعية، ما يُعد استراتيجية سياسية جذرية بالنظر لمجتمعنا المصري، الذي يشكل فيه الدين أحد أسس التكوين الاجتماعي والسياسي لوعي المواطنين بأنفسهم، وبعلاقاتهم بعضهم ببعض، وبعلاقتهم بالدولة. ورغم جذرية هذه الاستراتيجية وطرحها التقدمي، فإنها في الكثير من الأحيان تعجز عن تناول الأوضاع المركبة التي أنتجتها السياسات الطائفية على مدار التاريخ، فضلًا عن تقديم حلول في الحاضر لا تتعارض مع الهدف بعيد المدى، وفي الوقت نفسه لا تتجاهل علاقات القوة الاجتماعية القائمة على أسس متنوعة من ضمنها الهوية الدينية. فتنتج بدلًا من ذلك شعارات مساواتية بدون وضع تصور مفصل لطريقة تحقيق هذه الشعارات انطلاقًا من واقع تحكمه اللامساواة الهيكلية، الأمر الذي يجعل هذه الشعارات غير قادرة على اكتساب شعبية نابعة من الالتفاف الجماهيري حولها، إذ قد يشعر الكثيرون بعدم قدرتهم/ن على التواصل مع الشعار الذي لا يعبأ بتقديم حلول لهمومهم/ن الحاضرة. وهنا يشغلني كثيرًا ما الذي تعنيه المجموعات النسوية عند الحديث عن التقاطعية في السياق المصري. فمن خلال انخراطي في مجموعات ونقاشات نسوية مختلفة، لاحظت أنه بدلًا من التعامل مع نظرية التقاطعية باعتبارها إطار تحليلي عام يمكن تطويعه ليتناسب مع البني الاجتماعية التي تشكلت تاريخيًا في سياقنا المحلي، نميل أحيانًا لاستنساخ بُنى اجتماعية أخرى تشكلت في سياقات بعيدة كل البعد عن سياقنا. فعلى سبيل المثال إدراج العرق في الأطر التحليلية للعلاقات الاجتماعية في مصر، وعدم إدراج الهوية الدينية والموقع الجغرافي يُعد واحدًا من أبرز تجليات هذا الاستنساخ. فإلى جانب الدين، يعتبر الموقع الجغرافي للمواطن/ة المصري/ة أحد أهم محددات التجارب الحياتية التي يخوضها الفرد بما يشمل أشكال الاضطهاد والقهر الذي يتعرض لها، وأيضًا الفرص المتاحة أمامه. فالفرص والخدمات والموارد المتاحة لمن يعيشون في العاصمة مختلفة عمن يعيشون خارجها، وبالمثل تختلف بين من يقطنون المدن ومن يقطنون الريف.

بالإضافة لذلك، تلعب الطبقة دورًا محوريًا في أنواع الفرص المتاحة أمام الأفراد وأشكال القهر التي يتعرضون لها، والأهم من ذلك إنها عامل مساهم في اختبار باقي أوجه التكوين الاجتماعي للفرد، فالمسيحي الغني لا يتعامل مع هويته المسيحية بالطريقة نفسها كالمسيحي الفقير. فمن خلال ملاحظات شخصية -تستلزم البحث والدراسة في المستقبل- يُعبِّر المسيحيون من الطبقات الأفقر عن هويتهم المسيحية باحتفاء، ويأخذون من أجسادهم/ن مساحة لإثبات وجود الهوية المتمايزة عن الأغلبية المسلمة من خلال دق وشوم القديسين والقديسات على أذرعهم ودق الصلبان على سواعدهم.[6] هذه المظاهر ليست مبنية على أي معتقد ديني مسيحي، بمعنى أنه لا توجد أي ضرورة عقائدية لدق الوشوم، بل يمكننا رؤيتها باعتبارها مظاهر للتمايز الاجتماعي. لا يتوقف إثبات وجود الهوية على الأجساد فقط، بل إنه يمتد ليشمل العمارة، فكما لاحظت أثناء تواجدي في قريتين، باثنتين من محافظات الصعيد ذات التوترات الطائفية المتكررة، يسهل تمييز البيوت المسيحية في الشوارع التي سرت فيها، من خلال رؤية الصلبان المستخدمة في بناء العمارة، أو رؤية مقولة «الله محبة» على أوجه البنايات. لم أرَ لذلك مثيلًا بين المسيحيين/ات من الطبقات الأغنى. لا أذكر هذه الأمثلة من أجل إضفاء الطابع الرومانسي على هذا النوع من «الاحتفاء» بالهوية المسيحية؛ فحتى لو كان هذا الاحتفاء هو أحد مظاهر مقاومة الاضطهاد الممنهج الذي يتعرض له المسيحيون في مصر، من خلال استدعاء رموز للتمايز الاجتماعي، فقد يكون أحد مظاهر الشعور بالقهر أيضًا، فلماذا قد يشعر المسيحي/ة بأن عليه إثبات وجوده لو لم يشعر من الأصل بأنه غير مرئي أو بأنه مهدد بالمحو على أساس الهوية التي يستدعي رموزها؟

من المهم رؤية قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر من هذا المنطلق أيضًا، فالزواج بالنسبة للمسيحيين تحول مع الوقت باعتباره أحد مظاهر التمايز الاجتماعي والديني، وقد ساهمت الكنيسة كمؤسسة دينية وسياسية واجتماعية في إبراز الزواج المسيحي باعتباره أحد أسس الهوية والعقيدة المسيحية. إلا أن ممارسات الكنيسة كانت تحدث في سياق هي أحد الفاعلين فيه، وليست الفاعل الوحيد أو الأقوى.

من الضروري أيضًا، وقبل أخذ المزيد من الخطوات في وضع تصورات عن التكتيكات التي قد تتخذها المجموعات النسوية واليسارية بخصوص مطلب قانون الأحوال الشخصية المدني الموحد، إعادة تقييم هذا المطلب باعتباره شعارًا استراتيجيًا، يرسي لمبدأ المواطنة، ولكنه لا يتعامل مع تعقيدات الوضع الحالي التي أنتجتها السياسات الطائفية في مصر. فالكنيسة حاليًا بالنسبة للمسيحيين لا تقتصر فقط على كونها مكان للعبادة، بل إنها مساحة لتكوين علاقات اجتماعية، يُشبع فيها الفرد احتياجه الأساسي بالشعور بالأمان الاجتماعي والمادي أحيانًا؛ خاصةً إذا كان قادمًا من طبقة أفقر. ففي الكنيسة هناك الأنشطة الرياضية، الرحلات، المعسكرات، المهرجان، الكورال، كورسات رفع المهارات، مجموعات الدراسة، وخدمات إخوة الرب (التي توفر دعمًا للأفقر من بين صفوف الأقباط). وهنا علينا طرح بعض الأسئلة في ضوء مركزية قدسية الزواج في العقيدة المسيحية: هل تستطيع النساء المسيحيات التماهي مع شعار «قانون مدني موحد للأحوال الشخصية»؟ كيف قد يُترجم هذا الشعار في ظل سياق الاضطهاد الديني الذي يعاني منه المسيحيون/ات في مصر؟ هل قد يعتبره البعض دعوة للتخلي عن عقيدة إيمانية تعتبر أساسًا لانتمائهم الديني لأقلية مضطهدة؟ لو شُرع غدًا قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، ماهي الكلفة الاجتماعية التي قد يتحملها من يستخدمه من المسيحيين/ات، في سياق تلعب فيه الكنيسة دورًا اجتماعيًا وخدميًا وليس دورًا روحيًا فقط؟ ومن هم/ن القادرين/ات على دفع هذه التكلفة الاجتماعية؟ وهل رفع هذا المطلب، الذي عند تحققه ستُحل مشكلة الزواج والطلاق لدى المسيحيين، قد يكون على حساب حقوق أخرى للنساء المسيحيات مثل الحق في الميراث المتساوي مع الذكور؟

منهجية البحث

تتبع هذه الورقة البحثية منهج البحث التاريخي بالاعتماد على قراءات دينية مسيحية، سواء كتابات عن تاريخ الكنيسة بوجه عام، أو كتابات حول قوانين الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس بوجه خاص. وكذا كتابات حول موضوعات ذات صلة مثل الزواج في العقيدة القبطية الأورثوذكسية والكهنوت واللاهوت المقارن. كما استعنت أيضًا بأبحاث أكاديمية وكتب غير دينية ناقشت تاريخ قانون الأحوال الشخصية، وسياق نشأته وتاريخ علاقة الدولة المصرية بالكنيسة القبطية الأورثوذكسية، ونشأة المجلس الملي العام للأقباط الأورثوذكس.

ولمحاولة فهم توازنات القوة المرتبطة بتاريخ قانون الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس، تستخدم الورقة عدسة تحليلية تقاطعية. وتتخذ الورقة الأقباط الأورثوذكس مثالًا لتوضيح التعقيدات السياسية والاجتماعية المحيطة بقانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، ولكن من المهم الإقرار بأن الأقليات الدينية المسيحية وغير المسيحية في مصر متعددة، ولا يسري عليها بالضرورة تحليل واحد شامل. تُركز هذه الورقة على تغطية أهم الأحداث التي ساهمت في تشكيل قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين بدايةً من نهايات القرن التاسع عشر وحتى عام 2010. وتم اختيار هذه الفترة نظرًا للتغيرات البنيوية التي شهدها المجتمع المصري فيها، على المستوى السياسي والاجتماعي والتشريعي، كما كانت حقبة محورية في تشكيل الخطاب الكنسي فيما يتعلق بموضوع الزواج في العقيدة المسيحية، وقد لعب البابا شنودة الثالث دورًا أساسيًا في ذلك. لم تُغطِ الورقة العشر سنوات الأواخر، وذلك لأنها في وجهة نظري تستلزم دراسة منفصلة، فإلى جانب قيام الثورة المصرية في يناير 2011، حدث تغير جوهري في الكنيسة القبطية الأورثوذكسية نتيجة وفاة البابا شنودة الثالث، وتولي البابا تواضروس الثاني الكرسي البابوي في لحظة سياسية حرجة. ولقد وُصِف البابا تواضروس الثاني بنهج «اصلاحي» في تعامله مع مسألة الطلاق، وقد واجه مقاومة من التيار المحافظ داخل الكنيسة، والهدف من هذه الورقة هو إبراز الأسباب التاريخية التي ساهمت في تشكيل هذه المقاومة للـ «إصلاح».

تشتبك الورقة مع عدة مفاهيم رئيسية في البحث النسوي مثل التضامن النسوي والنظرية التقاطعية كإطار تحليلي للعلاقات الاجتماعية. وباعتبار تموضع الباحثة وعلاقتها بموضوع بحثها يمثل إحدى سمات منهجيات البحث النسوي، سأفرد مساحة لسرد موقعي من موضوع البحث، والذي أثر على طريقة تناولي للموضوع واختياري للمصادر السابق ذكرها وتحليلي لما ورد بها.

أنطلق في هذا البحث من أسئلة راودتني عند متابعة الحملات النسوية المنظمة في بداية عام 2021 بخصوص قانون الأحوال الشخصية. فلقد شعرت بأنه مازال هناك جوانب غير مرئية في الوضع المركب الذي يعاني منه المسيحيون في العموم، والنساء المسيحيات على وجه الخصوص، برغم الصورة المفصلة التي ساهمت هذه الحملات في رسمها، حول تأثير قوانين الأحوال الشخصية على النساء. أدرك جيدًا أن ما حفز ملاحظتي لهذا الجانب غير المرئي هو خلفيتي الدينية، ونشأتي في محيط مسيحي، واختباري الشخصي لأوجه المسيحية باعتبارها تمتد لتشمل ما هو أبعد من الاعتقاد الديني، فهي جزء أصيل من تكويني الاجتماعي. ولكن دفعني هذا الإدراك لاستدعاء التفكير في «الإخفاء» الممنهج كأحد ميكانيزمات القهر الأساسية، التي تعمل بأشكال مستترة في أغلب الأحيان. فلا يعلم الشخص أن هناك شيء ما مخفي، إلا إذا كان على علم بوجوده من الأصل، ولكن كيف يعلم أنه موجود إذا ما كان مخفيًا؟ أعتقد أن هذه واحدة من الدوائر المفرغة التي غالبًا ما تقع فيها المجموعات السياسية التقدمية عند محاولاتها لشمول فئات مهمشة اجتماعيًا. الوقوف عند شرح ميكانيزم الإخفاء بهذه الطريقة قد يحمل بداخله تبسيطًا مخلًا، فالإخفاء لا يأخذ بالضرورة شكلًا مطلقًا، فعلى سبيل المثال قد يُعتَرَف بوجود جماعة معينة، مع استمرار طمس ثقافتها، وقد لا تطمس ثقافتها ولكن قد تظل تجارب أفرادها غير متداولة أو غير مألوفة للأغلبية، وقد تُرى هذه التجارب الحياتية ولكن قد لا تُفهم محركاتها وتمثُلات القوة فيها. وفي بعض الأحيان يلعب الاعتراف بالهوية الشاملة والموحدة في حد ذاته دورًا في إخفاء تنوع التجارب الحياتية لمكوناتها المختلفة، فتحجب الهوية التباينات الموجودة في قلب الجماعة والصراعات الكامنة بها، ويتم التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة لديها المصالح والتوجهات نفسها، ويسري عليها تحليل وفهم أحادي الأبعاد.

أؤمن بأن كسر هذه الدائرة المفرغة يبدأ بالاعتراف بالجهل. والذي قد يكون شرطًا ضروريًا لكسر الدائرة ولكنه ليس كافيًا؛ فينبغي أن تُلحق به رغبةً حقيقيةً في البحث والتعلم، وممارسة للإصغاء الصادق وبذل مجهود للفهم، وإبداء استعداد لمساءلة كل ما قد نعتقده بديهيًا أو مُسلَّم به. مع العلم أن هذه العملية لا تنتهي بمجرد الوصول لقدر معين من المعرفة أو الاطلاع، ولكنها عملية مستمرة ودائمة التجدد. أرى أن هذه هي أسس التضامن النسوي كما أعرفه.

أعترف أنني كنت أجهل عدة جوانب مرتبطة بوضع قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين بوجه عام، وللأقباط الأورثوذكس -موضوع البحث- بوجه خاص. ولذلك خضت رحلة البحث في محاولة لاختبار مدى رجاحة الأسئلة السابق ذكرها من الأصل؛ بهدف رسم الخطوط العريضة التي قد تساعدنا في رسم خريطة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها في المستقبل.

تتضمن هذه الورقة البحثية أهم المحطات التاريخية التي ساهمت في وصولنا للحظة الحالية، في تاريخ قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، بدون تغطية كل التفاصيل التاريخية المرتبطة بمحاور البحث، والذي يتضمن نبذة عن سياق نشأة قانون الأحوال الشخصية في مصر، ونبذة عن الصراع بين الإكليروس والعلمانيين والمرتبط بنشأة المجلس الملي، ومحاولة لإعادة سرد الخط الزمني لأبرز الأزمات المحتدمة بين الكنيسة والدولة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية للمصريين، في ضوء ما صاحبها من أحداث اضطهاد ضد المسيحيين. اعتبر هذه الورقة البحثية دعوة للوقوف والتساؤل ومراجعة الاستراتيجيات المتبعة من جانب القوى السياسية النسوية واليسارية التي أنتمي إليها. وأرى أنها قد تكون نقطة بداية لطرح هذه التساؤلات، والتي يجب أن يُبنى عليها في المستقبل من خلال الحديث مع نساء مسيحيات من خلفيات اجتماعية ومهنية ومن مواقع طبقية وجغرافية مختلفة.

سياق نشأة قانون الأحوال الشخصية في مصر

كُتِبَ قانون الأحوال الشخصية في مصر في عشرينيات القرن العشرين، كنتيجة للكثير من التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت في القرن السابق عليه. ووفقًا للمؤرخ كينيث م. كونو في كتابه «تحديث الزواج»، فلقد تمت أول محاولة لتقنين (Codification) الأحوال الشخصية للمسلمين على مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان على يد محمد قدري باشا،[7] في كتابه المنشور سنة 1875 بالعربية والفرنسية والإيطالية، تحت عنوان «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية».[8] وكان يُستخدم كمرجع[9] في المحاكم المختلطة.[10] رسخ القانون الذي كتبه قدري باشا الاعتقاد بأن الأسرة والمجال المنزلي (domestic sphere) هي مجالات للدين.[11] واكتسب هذا القانون موقعًا مؤثرًا لأكثر من سبب يسردهم كونو، من ضمنهم التأخر في صياغة قانون للأحوال الشخصية، برغم بدء النقاشات في الدوائر الرسمية حول ضرورة صياغته منذ تسعينيات القرن التاسع عشر.[12] وكان قانون قدري باشا يُدرس في كلية الحقوق، باعتباره مرجعًا لقوانين الأسرة المسلمة، ونظرًا لكون الكثير من القيادات الوطنية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من خريجي كليات الحقوق؛ كان قانون قدري باشا هو مدخلهم الأساسي لقانون الأسرة المسلمة.[13] وذلك في سياق أخذت الأسرة فيه موقعًا مركزيًا في تكوين الهوية المصرية «الحديثة»، وبدأ تعريف الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية لبناء المجتمع وتتمثل مهمتها الأساسية في تنشئة الأطفال.[14]

بالتوازي طلبت نظارة الحقانية [المعادل لوزارة العدل حاليًا] من البطريركية المرقسية، ومن باقي الطوائف المسيحية، الإجابة على بعض المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسيحيين، وتضمنت هذه المسائل الزواج والوصية والميراث والولاية والنسب والحجر والهبة والوقف. وأولت البطريركية المرقسية مهمة صياغة القواعد المنظمة لهذه المسائل، بما يتطابق مع القوانين الكنسية، للقمص فيلوثاؤس ابراهيم،[15] وطُبِعت للمرة الأولى سنة 1896 في كتاب «الخلاصة القانونية للأحوال الشخصية لكنيسة الأقباط الأورثوذكسيين».[16] وبعدما كانت تشتمل «الأحوال الشخصية» التي يُحال الفصل فيها للمجالس الملية لغير المسلمين وللمحاكم الشرعية للمسلمين على هذا النطاق الواسع من الاختصاصات، بدأ هذا النطاق في الانحسار، في أربعينيات القرن العشرين، مع التشريعات الوضعية الجديدة، فأصبح جزءً من هذه الاختصاصات يُحال لقوانين تسري على جميع المصريين، وقد كانت بعض هذه القوانين تحتكم للشريعة الإسلامية وغير قائمة على أساس علماني.[17] احتكام بعض القوانين في مسائل كانت تعتبر في صميم الأحوال الشخصية، مثل الميراث والوصايا، للشريعة الإسلامية يحمل في حد ذاته ترسيخًا لمبدأ أن العقيدة المرجعية للتشريع هي العقيدة الإسلامية، وهو ما يؤسس بدوره لديناميكية قوة، تُرى فيها الجماعة المسيحية باعتبارها جماعة ثانوية في التكوين الاجتماعي المصري، لا تمتلك حق تنظيم العلاقات بداخلها وفقًا لشريعتها، أو حتى وفقًا لتشريعات غير قائمة على أسس دينية.

في ذلك الوقت، كانت هذه اللحظة هي لحظة تأسيس مشروع الاستقلال الوطني الذي لم يكن متجاوزًا لفكرة الهوية الدينية أو الانتماء الطائفي، بل على العكس، لقد استند على أساس اتحاد طوائف المجتمع المصري المختلفة: «عنصري الأمة»، ويظهر ذلك في شعار حزب الوفد «يحيا الهلال مع الصليب».[18] ولكن، وبعد تاريخ طويل من عدم إدماج غير المسلمين في المؤسسات التي سيطرت عليها الدولة العثمانية، جاء تواجد الأقباط البارز في حزب الوفد باعتباره نقيض ما سبقه. ورغم ذلك، لم يعمل خطاب حزب الوفد على تقديم الثقافة القبطية باعتبارها جزءً من ثقافة الأمة.[19]

يمكننا رؤية العرض التاريخي السابق باعتباره السياق الذي تم التأسيس فيه للفصل الطائفي (Sectarian Segregation) في تنظيم الأحوال الشخصية للمصريين، في مرحلة التأسيس للدولة الوطنية المصرية الحديثة. هذا السياق يعطينا ثلاث عوامل أساسية ساهمت في وصولنا للوضع الحالي للأحوال الشخصية في مصر: أولًا، الأسرة هي أساس المجتمع، مصير «الأمة» من مصيرها، والقوى المتحكمة في تكوينها وفي إدارة العلاقات بداخلها تعكس بالأساس تكوين هذه «الأمة» وعلاقات القوة فيها، وبالتالي أصبحت الأسرة عنصرًا جوهريًا في خلق وإعادة إنتاج وتشكيل الهوية الوطنية. ثانيًا، الأسرة هي مجال لحكم الدين، وليست مجالًا للتشريع العلماني، وبالتالي فالأسرة في المشروع الوطني تبلورت كساحة للتمايز الديني، والقوى المحددة لتنظيم العلاقات فيها ليست متكافئة القوة، فهي أغلبية مسلمة وأقليات غير مسلمة. ثالثًا، المشروع الوطني لم يكن متخطيًا للهوية الدينية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، بل على العكس لقد اعتمد تقديم الاختلاف الديني باعتباره اتحاد لعنصري الأمة، ورغم استخدام خطاب يركز على ما هو مشترك سياسيًا ما بين المسلمين وغير المسلمين، فإنه لم يعطِ الانتباه نفسه للاستثمار في إبراز التراث القبطي باعتباره جزءً من الهوية المصرية.

سلطة التشريع الكنسي بين الإكليروس والعلمانيين

للقانون الكنسي نوعان من المصادر، المصادر الأساسية (وهي مشتركة عند جميع الكنائس التقليدية) وتتكون من الكتاب المقدس[20] أولًا، ثم قوانين الرسل،[21] ثم قرارات المجامع المسكونية ويلحق بهم تعاليم مشاهير آباء الكنيسة. وقد جمع الصفي بن العسال المجموعات العرفية للقانون الكنسي، والتي اشتملت على أحكامه من مختلف المصادر الأساسية، سنة 1239 ميلاديًا (سنة 955 للشهداء[22])، والمصادر الثانوية التي تعتمد بشكل أساسي على الأحكام الملية الصادرة عن القضاء الملي.[23]

وضع المجلس الملي العام لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس سنة 1938 (المعروفة بلائحة ثمانية وثلاثين)، وقد كانت بمثابة القانون المنظم للأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس منذ إقرارها وحتى يومنا هذا. وقد نص هذا القانون على تسعة أسباب[24] تبيح الطلاق، وهو ما يعارض الموقف الذي تبنته الكنيسة القبطية الأورثوذكسية لاحقًا بأنه «لا طلاق إلا لعلة الزنا». في تقديري، ينطلق اعتبار الأحكام الملية مصادر ثانوية للأحوال الشخصية، من سببين رئيسيين. الأول، هو التراتبية داخل الكنيسة القبطية الأورثوذكسية بين الإكليروس والعلمانيين، فسلطة الآباء الكهنة على شعب الكنيسة هي جزء أساسي في العقيدة القبطية الأورثوذكسية وفي العقيدة الكاثوليكية أيضًا. وتنبع هذه السلطة من حصرية بعض المهام الروحية على الإكليروس، فهم من يمتلكون سلطان الحل والربط والتعليم وتفسير الإيمان والعقيدة ومنح الروح القدس. أما بالنسبة لمهمة التقنين والتشريع الكنسي، فهي أيضًا مهمة حصرية على المجامع المقدسة، المكونة فقط من الإكليروس، كما كانت تعتبر الكثير من إجابات الآباء الأساقفة في شئون الدين بمثابة قوانين مقدسة أيضًا.[25]

السبب الثاني، والذي يمكننا رؤيته في ضوء السبب الأول، هو أن نشأة المجلس الملي العام لم تكن بالأمر اليسير، بل أن عملية تأسيسه حتى استقر وجوده حملت الكثير من المقاومة من جانب الإكليروس الكنسي. ويمكننا رؤية مقاومة تأسيس المجلس الملي العام باعتبارها صراع على امتلاك السلطة المطلقة في تنظيم الشئون الكنسية والعلاقات داخل المجتمع القبطي؛ إذ أُعيد رسم خريطة القوة داخل الإدارة الكنسية بوجود المجلس الملي العام. بدأت المطالبة بتأسيس المجلس الملي العام بشكل رسمي في 1874، ومعها بدأت التوترات في علاقة البابا كيرلس الخامس، بالمجلس الملي العام، منذ عام 1874، حتى استقر وجود المجلس في 1905.[26] ومرت هذه التوترات بلعبة قوة، استعان فيها المجلس بالخديوي في أكثر من مناسبة من أجل إرساء وجوده.[27] ووصل الصراع لذروته عندما نُفي البابا بقرار من الخديوي عباس حلمي الثاني في الأول من سبتمبر 1892.[28] وكان الصراع الدائر طوال هذه المدة حول نطاق اختصاصات المجلس الملي العام[29] وحول من سيتولى رئاسته.[30]

تقدم المؤرخة آيريس حبيب المصري الضغط الذي مارسه المجلس على البابا والمجمع المقدس من أجل تأسيسه باعتباره تمرد الأبناء على الآباء، أو بكلمات أخرى تحدِ للسلطة الأبوية للإكليروس من جانب العلمانيين، باستدعاء الدولة للتدخل في الأمور الكنسية. يبرز ذلك في وصفها للمجلس الملي باعتباره جاء «بأمرِ عالِ من الحاكم».[31] يمكننا، في ذلك الوصف، رؤية تجسيد لعلاقة أبوية كلاسيكية، حيثُ أنه في قلب الجماعة الواحدة لا يقف جميع الرجال على المسافة نفسها من القوة المتراكمة داخل الجماعة نفسها، فالقوة المتراكمة تاريخيًا في هذا الإطار كانت تضع الإكليروس باعتباره الأب الأكبر، أو السلطة الأعلى، ولكن الظرف التاريخي سمح بأن يزاحم بعض العلمانيين من أجل مشاركة هذه السلطة. وكان الوضع الطبقي لأعضاء المجلس الملي العام واللحظة السياسية التي نشب فيها هذا الصراع، وهي لحظة نشأة الحركة الوطنية المصرية، التي أخذت على عاتقها مهمة «تحديث» المجتمع المصري، عوامل مواتية وفرت الظروف المناسبة لتشكيل توازن جديد لإدارة الشئون الكنسية، لا يستأثر فيه الإكليروس بتنظيم شئون الكنيسة والعلاقات داخل المجتمع القبطي.

نبذة عن تاريخ قانون الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس

نصت اللائحة التنفيذية المعنية بتنظيم المجلس الملي واختصاصاته، والصادرة من مجلس النظار في مايو 1883، على تشكيل المجلس الإكليريكي، والذي يتكون من أربعة من الإكليروس. ومن ضمن اختصاصاته الفصل في الدعاوى التي تعرض عليه في مسائل الأحوال الشخصية المختصة بأبناء الملة بحسب قانون الكنيسة، والنظر في مسائل المواريث بشرط اتفاق جميع أولي الشأن؛ ما يعني أن الاحتكام للمجلس الإكليريكي في مسائل الميراث لم يكن إلزاميًا، بل يتوقف على وقوع هذا الاتفاق بين جميع أولي الشأن.

بدأ المجلس الإكليريكي متابعة المهام الموكلة إليه بداية من عام 1883، ثم بدأ في الفصل في مسائل الأحوال الشخصية وفقًا للائحة 38، بدايةً من سنة 1938، بعد إقرارها من جانب المجلس الملي العام. ونصت اللائحة في المادة التاسعة والستين على أنه «يجوز لكل من الزوجين بعد الحكم بالطلاق أن يتزوج من شخص آخر، إلا إذا نص الحكم [حكم الطلاق] على حرمان أحدهما أو كليهما من الزواج. وفي هذه الحالة لا يجوز لمن قضى بحرمانه أن يتزوج إلا بتصريح من المجلس».[32] واشتملت اللائحة في فصلها الـحادي عشر على أحكام الميراث وفقًا للشريعة المسيحية.[33]

لقد كانت مسألة النسب محركًا أساسيًا في اعتراض الكنيسة على تنظيم الميراث وفقًا للشريعة الإسلامية. وذلك وفقًا للمذكرة المقدمة من البابا الأنبا يوساب والمجلس الملي، سنة 1943 أثناء مناقشة تشريع قانون ينص على تطبيق الشريعة الإسلامية في المواريث.[34] أوضحت المذكرة في متنها أن سبب اعتراض الكنيسة القبطية الأورثوذكسية على تشريع هذا القانون، يأتي من أنه «يتجاوز مسألة التوزيع [أي توزيع الميراث] إلى مسائل أخرى هي من صميم الأحوال الشخصية ومن صميم النظام العائلي […] فإن الزوجية قائمة في كلا الشريعتين الإسلامية والمسيحية على قواعد مختلفة».[35] وعددت المذكرة مواطن الاختلاف بين الشريعتين، ومن ضمنها أن المسيحية لا تبيح تعدد الزوجات، ولا تبيح الطلاق إلا بشروط وقيود شديدة، ولابد أن يصدر به حكم قضائي من المحكمة الملِّية المختصة، وأن الزوجية في المسيحية لا تتم بمجرد إبرام العقد بل يلزمها إقامة الطقوس والمراسم الدينية على يد الكاهن حتى يكون لها وجود قانوني، وأن الشرائع المسيحية لا تعتبر الأبناء شرعيين إلا إذا تم الزواج بالطريقة الدينية [المسيحية] الصحيحة.[36] بَنَت المذكرة حُجتها على هذه الأسباب شارحة أنه لو طُبِقت الشريعة الإسلامية في المواريث سيكون هناك اعتراف بالبنوة الناتجة عن زيجات لم تُعقد وفقًا للشريعة والطقوس المسيحية، حتى لو أحد أو كلا طرفيها مسيحي، الامر الذي سيزعزع «دعائم نظام الأسرة لدى المسيحيين».[37] ولهذا طالب المجلس الملي العام للأقباط الأورثوذكس والبابا بـ«[وقوف] المشروع عند حد توزيع التركة طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. فإذا ثار أي خلاف على مسألة الزوجية. أو مسائل النسب أُحيل الفصل في هذا الخلاف أولًا إلى الجهة الملِّية المختصة».[38] ويمكننا هنا رؤية مقايضة ضمنية لواحد من الامتيازات القليلة التي تتمتع بها النساء المسيحيات في مصر، وهي أنهن إذا ورثن طبقًا للشريعة المسيحية سيرثن بالتساوي مع الذكور. ولكن التفريط الضمني في هذا الحق له منطق ديني أوضحه القمص صليب سوريال بوصفه لمسائل الميراث باعتبارها شأن عالمي ودنيوي، لا ينبغي للكنيسة التدخل في تنظيمه، أو في إدارته وفقًا لشريعتها،[39] معللًا بذلك التضاد في موقف الكنيسة في التمسك بتنظيم مسألتي الزواج والطلاق، حيثُ أن الزواج في المسيحية هو سر من أسرار الكنيسة السبعة (الأسرار السبعة هي ما يمكن أن يكون مقابله في الإسلام الأركان الخمسة للإسلام)، في مقابل عدم إظهار التمسك نفسه بتنظيم مسائل الميراث.

انتهى دور المجلس الإكليريكي في الفصل في مسألة الطلاق بعد صدور القانون رقم 462 لسنة 1955، ولكن استمر اختصاصه بإعطاء تصريح زواج لمن حكمت لهم المحاكم المدنية بالطلاق بناءً على مدى شرعية الحكم بالنسبة لأحكام الإنجيل.

نص القانون رقم 462 لسنة 1955 في مادته السادسة على أن «تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالمصريين غير المسلمين والمتحدي الطائفة والملة[40] والذين لهم محاكم منتظمة وقت العمل بهذا القانون، طبقًا لشريعتهم»،[41] ولكن لم يحدد القانون ما هو المصدر الذي ستعتمده الجهات القضائية في فهم وتفسير وتطبيق شرائع غير المسلمين، وكان ذلك أحد الأسباب الأساسية في عدم توحيد النصوص القانونية التي يُحكم طبقها في قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين، فحتى صدور حكم محكمة النقض في الطعن رقم أربعة لسنة 1942 قضية أحوال شخصية بأن أحكام لائحة ثمانية وثلاثين واجبة التطبيق دون غيرها، في جلسة السادس من يونيو 1973،[42] كانت بعض المحاكم تحكم وفقًا لنصوص الإنجيل المستخدمة من جانب الكنيسة، والتي تحظر الطلاق إلا لعلة الزنا،[43] بينما تحكم محاكم أخرى وفقًا للائحة ثمانية وثلاثين التي تبيح الطلاق لتسعة أسباب.

قوبل إصدار القانون رقم 462 لسنة 1955، باحتجاج رؤساء الطوائف الثلاثة (الأورثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية)، فتقدموا بمذكرة لجمال عبد الناصر،[44] في التاسع والعشرين من سبتمبر 1955.[45] جاء في متن المذكرة اعتراض الكنائس الثلاثة على عدم المساواة الضمنية، بين المسلمين وغير المسلمين، التي يكرس لها القانون. وذلك لأنه، ورغم أن القانون يلغي في نصوصه المحاكم الشرعية، المختصة بالفصل في مسائل الأحوال الشخصية للمسلمين، والمجالس الملية المختصة بالفصل في المسائل الشخصية لغير المسلمين، إلا أنه في تطبيقه العملي قد ألغى المجالس الملية فقط، وذلك لأن نصوصه اشتملت على إلحاق رئيس المحكمة العليا الشرعية كعضو في محكمة النقض، كما أجازت عضوية رجال القضاء الشرعي، وهم رجال دين مسلمين، في المحاكم الوطنية الجديدة على اختلاف درجاتها[46] بينما لم ينص على الشيء نفسه فيما يتعلق بأعضاء المجالس الملية. كما رأت الكنائس الثلاثة في المذكرة المقدمة، أن القانون يفتح باب تحول المسيحيين للإسلام، حيثُ أشار القانون لحالتين يمكن فيهما تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، الأولى هي عدم انتماء طرفي الدعوى للملة والطائفة نفسها قبل إقامة الدعوى، والثانية هي تغيير أحد طرفي الدعوى ديانته/ا من المسيحية للإسلام أثناء سير الدعوى.[47]

شكّل البابا كيرلس السادس لجنة برئاسة الأنبا شنودة، والذي كان أسقف التعليم ثم أصبح البابا شنودة الثالث فيما بعد،[48] وعضوية القمص صليب سوريال أستاذ الأحوال الشخصية بالكلية الإكليريكية وأشخاص آخرين.[49] أرسلت هذه اللجنة مذكرة لوزارة العدل في الثاني والعشرين من أكتوبر 1962، أثناء محاولة الوزارة صياغة مشروع قانون أحوال شخصية لغير المسلمين.[50] أرست المذكرة المبادئ الأساسية التي يجب أن يتم تضمينها، من وجهة نظر الكنيسة، في المشروع المُعد من جانب الوزارة، ومن ضمن هذه المبادئ: مبدأ وحدة الزيجة، وأسباب الانفصال، وأنه لا طلاق إلا لعلة الزنا.[51]  ويمثل مبدأ «وحدة الزيجة» أحد المبادئ الأساسية التي تعطي لعقد الزيجة شرعيته القانونية والروحية والاجتماعية في المسيحية. والمقصود به هو ألا يأخذ أي من طرفي الزواج أي شركاء آخرين، سواء تم ذلك في إطار قانوني أي بموجب عقد زواج مدني أو زواج ديني لا يتبع الطقوس الكنسية اللازمة لإتمام الزيجة، أو بالطبع إذا أخذ أحد الشركاء شريكًا آخر خارج إطار الزواج. وهنا يستوي «الزنا»، في المنظور الكنسي، وهو ممارسة الجنس مع شخص آخر غير «الشريكـ/ة الشرعيـ/ة»، مع الزواج المعترف به من الدولة والمجتمع، سواء كان مدنيًا أو دينيًا، ويُعتَبَر الاثنان في نظر الكنيسة «زنا». كما ناقشت مذكرة 1962 تدليلًا على وجوب اتباع شريعة العقد عند الفصل في قضايا الأحوال الشخصية ذات العقود المبرمة وفقًا لشريعة محددة، حتى لو غير أحد طرفي العقد مذهبه أو ديانته أثناء الزواج، على أن تكون حضانة الأولاد للطرف الباقي على الشريعة التي عُقد الزواج وفقًا لها.[52]

في السادس عشر من يونيو 1978، بدأت اجتماعات الطوائف المسيحية الثلاثة من أجل صياغة مشروع قانون الأسرة للطوائف المسيحية المصرية، وقُدِم المشروع لأول مرة في التاسع والعشرين من يونيو 1980، وعُدل المشروع المقترح فيما بعد وتمت صياغته النهائية من خلال اجتماعات[53] اللجنة المشكلة من ممثلي الطوائف المسيحية، وقُدِم للمرة الثانية سنة 1998. واقتصرت أسباب التطليق فيه على الخيانة أو الزنا أو ترك الدين.[54] وأغلق هذا المشروع فرصة استخدام المسيحيين للتحول من طائفة لطائفة أخرى داخل المسيحية، كأحد الثغرات القانونية التي يمكن من خلالها الحصول على الطلاق وفقًا للشريعة الإسلامية من المحكمة.[55]

في عام 2000، صدر القانون رقم واحد لسنة 2000 [56] والمعروف بقانون الخُلع. والذي ألغى القانون رقم 462 لسنة 1955 في مادته الرابعة، وأبقى رغم ذلك على المادة السادسة من قانون رقم 462 لسنة 1955 في مادته الثالثة. وهي المادة التي تحدد الشروط التي بموجبها تُطبق شرائع غير المسلمين في مسائل الأحوال الشخصية، فلا يكفي أن يكون الزوجان مسيحيين، ولكن لا بد أن يكونا من الملة والطائفة نفسها، ولا بد أن يكون لطائفتهما مجلسًا مليًا قبل سريان القانون رقم 462 لسنة 1955، بالإضافة لذلك لابد أن تكون اللوائح المنظمة لأحوالهم الشخصية غير متعارضة مع النظام العام في مصر، وفي حال عدم توافر أي من هذه الشروط تُطبق الشريعة الإسلامية.

البدء برسم الخريطة: تراتبيات متشابكة

عند الحديث عن قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين علينا الأخذ في الاعتبار أكثر من تراتبية اجتماعية وسياسية قائمة، كل واحدة من هذه التراتبيات قائمة في حد ذاتها، وكل واحدة منهم تغذي الأخرى. وهم في مجملهم يمثلون الوضع المركب الذي أنتجت معظمه السياسات الطائفية تاريخيًا في مصر. فعلى سبيل المثال ينبغي علينا الأخذ في الاعتبار أن هناك بعض الطوائف غير المعترف بها في مصر، وبالتالي أية طائفة غير معترف بها ولم يكن لها مجلسًا مليًا قبل صدور القانون رقم 462 لسنة 1955 وبعده القانون رقم واحد لسنة 2000، كان، ولا يزال، يُفصل في قضايا أحوالها الشخصية وفقًا للشريعة الإسلامية، وليس وفقًا لمعتقداتها ولا وفقًا لقانون قائم على أسس علمانية ويُحكم به جميع المصريين بغض النظر عن انتمائهم الديني.

نقطة أخرى ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار هي التراتبية بين الكنائس الثلاثة المعترف بها في مصر، الأورثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية. هذه التراتبية مبنية على أسس متنوعة ومتداخلة، فأولًا، يُمثل الأقباط الأورثوذكس غالبية المسيحيين في مصر من حيث العدد، كما أن الكنيسة القبطية الأورثوذكسية نشأت في مصر على يد مارمرقس الرسول، في القرن الأول الميلادي، ومستمرة حتى يومنا هذا. هذا التاريخ جعل الكنيسة القبطية الأورثوذكسية تُرى في مصر باعتبارها «الكنيسة الأم». كما كانت لمساهمة الأقباط الأورثوذكس في حركة الاستقلال الوطني، ورفضهم علانيةً لما ورد في إعلان الاستقلال الصادر في الثامن والعشرين من فبراير 1922، والذي اشتمل على حماية بريطانيا للأقليات في مصر، دورًا في تعريفهم باعتبارهم، مع اليهود، «الأقليات الوطنية»، على خلاف الأقليات ذات الأصول الأوروبية، والتي قبلت بالحماية والتمثيل البريطاني.[57] ومن الجدير بالذكر هنا، أنه عادةً ما يُشَدَد في الخطابات القبطية الأورثوذكسية على أن دخول الكاثوليكية والبروتستانتية مصر كان مصاحبًا لزيادة النفوذ الأوروبي، وأن انتشارهما كان مبنيًا على الإرساليات التبشيرية التي كانت تقدم خدمات تعليمية وطبية لاجتذاب الأقباط الأورثوذكس لهذه الطوائف.[58] أدى كل ما سبق مع الوقت لإرساء فروق ضخمة بين الكنائس. وفي ذلك الإطار من المهم الوعي بأن هناك اختلافات عقائدية ما بين الكنائس الثلاثة، وهي في مجملها خلافات لاهوتية وطقسية، فعلى سبيل المثال لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بالكهنوت مثلما تعترف به الكنيستين الكاثوليكية والأورثوذكسية. يساعد فهم علاقة القوة هذه، التي لا ترتبط بشكل مباشر بقانون الأحوال الشخصية بحد ذاته، على فهمنا وتحليلنا لعلاقة القوة الموجودة أصلًا في مشاريع قوانين الأحوال الشخصية «الموحدة» للمسيحين في مصر. بالإضافة لذلك، استُخدمت فكرة السيادة القومية كأحد الأسباب التي صدر على أساسها القانون رقم 462 لسنة 1955 في المذكرة الإيضاحية للقانون،[59] وهو ما يمكن اعتباره امتدادًا وتجسيدًا لرؤية الأسرة باعتبارها أحد الساحات التي تتجسد فيها السيادة الوطنية للدولة القومية المصرية.

تراتبية أخرى ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية لغير السلمين، وهي التراتبية التي تستند على أساس الهوية الدينية للمواطنين. فلا يمكننا تجاهل أن أخذ الكنيسة موقفًا يدافع عن تنظيمها لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، كان يحدث في كل مرة بالتوازي مع تغيرات بنيوية في المجتمع المصري. لم تتخط أي من هذه التغيرات في كل محطاتها -ما بين حركة الاستقلال الوطني وثورة 1952 والانفتاح الاقتصادي في السبعينيات- التركيبة الطائفية للمجتمع المصري، بل على العكس أبقت عليها. عدم تخطي الانتماء الطائفي للمواطنين منذ التأسيس لمشروع الدولة الوطنية، حمل بحد ذاته عنصر التمييز الديني، الأمر الذي عزز من الاضطهاد على أساس الهوية الدينية، والذي أصبح أكثر تجليًا في الحياة اليومية للمواطنين المصريين منذ السبعينيات. وعلى مدار هذه التغيرات أيضًا، لم تفقد الأسرة أهميتها باعتبارها «أساس المجتمع» وإحدى الساحات الأساسية لخلق الهوية الوطنية بما يشمل عناصرها الطائفية، لذلك علينا عدم عزل الصراع حول قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين عن سياق الاضطهاد الديني، وإليكم بعض الأمثلة التي تعيد مَوقعة قانون الأحوال الشخصية في هذا السياق. ففي نوفمبر 1971، صدر القرارين البابويين رقم سبعة وثمانية لسنة 1971،[60] بعد إصدار دستور 1971 والذي نصت مادته الثانية للمرة الأولى على أن «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» وبعدها شمل في تعديله سنة 1980 على أن «الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»، وقد مُرر هذا التعديل برغم انسحاب ثلاثة من الأعضاء المسيحيين بلجنة مجلس الشعب التي مرت عليها التعديلات الدستورية للموافقة عليها قبل طرحها للاستفتاء، اعتراضًا على إضافة «ال» التعريف على لفظ المصدر الرئيسي للتشريع.[61] وبوجه عام يصف الكثير من المسيحيين عهد أنور السادات باعتباره أسوأ المراحل التي عاشها المسيحيون في مصر الحديثة؛ بسبب تواتر أحداث الاضطهاد الديني الذي تعرض لها المسيحيون، ومن ضمنها على سبيل المثال أحداث الخانكة في سنة 1973.[62] وفي أواخر عقد السبعينيات تقدم الأزهر بمشروع قانون الردة سنة 1977 لإعدام المرتدين عن الإسلام وإقامة الحدود، وحينها دعت الكنيسة لإقامة مؤتمر ديني مسيحي في الإسكندرية في السابع عشر من يناير 1977، وناقش هذا المؤتمر موضوعات مختلفة تضمنت حرية العقيدة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وحماية الأسرة والزواج المسيحي، والمساواة وتكافؤ الفرص، وتمثيل المسيحيين في الهيئات النيابية.[63] يدل وضع النقاش حول الأسرة والزواج المسيحي مع باقي المواضيع الأخرى المرتبطة بوجه عام بمسألة المواطنة، في مؤتمر نُظِم للاعتراض على مقترح قانون به تمييز فج ضد المسيحيين، باعتبارها جميعها مسائل مترابطة في المنطق الكنسي والعقائدي وترتبط في جوهرها بشعور المسيحيين بالاضطهاد الديني. وهو ما أعقبه اجتماع الطوائف المسيحية الثلاثة وصياغة مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية للمسحيين بداية من سنة 1978 والذي قدم لوزارة العدل سنة 1981، وقُدم للمرة الثانية بعد تعديله سنة 1998 (أُشير له سابقًا). وانتهت السبعينيات بوضع البابا شنودة، وهو أهم رمز ديني معاصر لدى المسيحيين، تحت الإقامة الجبرية وعزله عن منصبه البابوي بقرار من أنور السادات. من المهم أيضًا رؤية اعتراض الكنيسة على أحكام المحكمة التي تلزمها باستخراج تصاريح زواج ثاني في العقد الأول من الألفية، في ضوء أكثر من حكم من محكمة القضاء الإداري الصادرة بعد أزمة وفاء قسطنطين (2004)، والتي نصت في مجملها على عدم إعطاء الحق للأشخاص الذين حولوا ديانتهم من المسيحية للإسلام ثم للمسيحية مرة أخرى باستخراج أوراقهم الرسمية بالديانة الجديدة.[64] وتلا ذلك واحد من أكبر التوترات[65] بين الكنيسة والدولة حينما حكمت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في الرابع عشر من مارس 2006 بإلزام الكنيسة القبطية الأورثوذكسية بإعطاء تصريح زواج ثاني لأشخاص حصلوا على حكم طلاق لسبب آخر غير الزنا.[66] كانت هذه أول مرة تتدخل فيها المحكمة بإلزام الكنيسة بإعطاء تصريح زواج ثاني، بناءً على المادة التاسعة والستين من لائحة ثمانية وثلاثين (سبق الإشارة لها). وفي سنة 2008، نشر البابا شنودة الثالث بعض التعديلات على لائحة ثمانية وثلاثين في الجريدة الرسمية، تضمنت إلغاء المواد من اثنين وخمسين وحتى ثمانية وخمسين، وهي المواد التي كانت تبيح الطلاق لأسباب أخرى غير الزنا، واستبدالهم بالمادة خمسين في اللائحة المعدلة، والتي نصت على أنه يجوز لكلا الزوجين طلب التطليق بسبب زنا الزوج الآخر، واشتمل تعريف «الزنا» في التعديلات على نطاق واسع من الأفعال، لا تقتصر بالضرورة على إثبات حدوث واقعة «الزنا» نفسها.[67] بالإضافة لتوازي أزمة 2010 [68] في قانون الأحوال الشخصية بأزمة كاميليا شحاتة (2010) وأحداث نجع حمادي (2010).

من المهم رؤية موقع النساء المسيحيات في ضوء التراتبيات السابقة، بالإضافة للتراتبية القائمة على أساس الجندر داخل المجتمع الكنسي وخارجه، أي في المجتمع المصري بوجه عام. فإلى جانب التراتبية بين العلمانيين والإكليروس داخل الكنيسة، التي أشرنا إليها في جزء سابق من الورقة، هناك أيضًا التراتبية بين الرجال والنساء. هاتان التراتبيتان لا تعملان بمعزل عن بعضهما البعض، فتساهم حصرية الكهنوت على الرجال في وضع النساء في مرتبة أدنى، هذا التفوق الرجولي يأتي من أن التمتع ببعض السلطات الروحية داخل الكنيسة ليس متاحًا للنساء، فالنساء المسيحيات لا يمكنهن أن يصبحن كاهنات، وبالتالي لا يمتلكن سلطة تفسير الدين، وذلك استنادًا لبعض نصوص الإنجيل مثل «رأس المرأة هو الرجل» (1 كو 11: 3) و «أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح أيضًا رأس الكنيسة» (أف 5: 22- 23).[69] بالطبع مصالح النساء المسيحيات ليست موحدة، فقد تختلف على أسس مختلفة من ضمنها الطبقة والجغرافيا، مما يعني أن تمتعهن بالمناصب الكهنوتية لن يكون الحل لتغيير موقع النساء المسيحيات جميعًا داخل الكنيسة، ولكن عدم تمتع النساء بهذه المناصب يساهم بقوة في الترسيخ لتراتبية قوة جندرية داخل الكنيسة، ومن المتصور أيضًا أن تمتثل العلاقات داخل الأسرة المسيحية النموذجية لهذه التراتبية. تستدعي هذه التراتبية في شرحها أفضلية الرجال على النساء، وهي غير مكونة بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي نشأت فيه، والذي يُرسَخ فيه لأدوار اجتماعية تضع الرجال في موقع القيادة والنساء في موقع التبعية، وتربط الرجولة بصفات مثل الموضوعية والحكمة والتدبر، بينما تربط الأنوثة بالضعف والعاطفية والاندفاعية. هذه الثنائية تتوقع من الرجال لعب دور قيادي داخل أسرهم وجماعاتهم، إلى جانب دور حمائي وتأديبي لنساء جماعاتهم إن لزم الأمر. فجزء أساسي من تكوين الرجولة ينبع من قدرة الرجل على توفير ما هو متوقع منه من حماية. ومن الملفت للانتباه استدعاء الكنيسة لقيمة «التراضي» في إطار أخذت فيه الجانب الحمائي لدورها الأبوي مع النساء المسيحيات، عندما تطلب الأمر ذلك، وهو ما ورد في المذكرة التي أرسلها البابا كيرلس السادس لوزارة العدل سنة 1962 (أشير لها سابقًا)، والتي رفضت فيها الكنيسة تطبيق بيت الطاعة على النساء المسيحيات، مهما كانت الظروف وحتى لو كانت بسبب تغيير ديانة أو ملة أو مذهب الزوج وذلك لأن «الحياة الزوجية في المسيحية مبنية على الاتفاق والتراضي والمحبة ولا يمكن أن يدخل الإرغام فيها بحال من الأحوال» -كما جاء في متن المذكرة. ولكن لا تُستَدعى القيمة نفسها (التراضي) عند الحديث عن النساء اللاتي يرغبن في الطلاق، واللاتي يلجأن للكنيسة في هذه الحالة. كيف لا ترى الكنيسة أن البقاء في زيجة بدون إرادة طرفيها، فقط لأنهما لن يتمكنان من الحصول على حكم بالطلاق والزواج الثاني، به شكل من أشكال الإرغام، وهو ما يتنافى مع القيم التي تنبني عليها الحياة الزوجية في المسيحية؟

خاتمة

لقد رُسِخ تاريخيًا للأسرة باعتبارها أحد ساحات الحكم الديني، وبالتبعية فهي ساحة للتمايز الديني في مجتمع لم يتخطَ بعد تركيبته الطائفية في إدارة شئون العلاقات الاجتماعية بداخله. أدى ذلك لاعتبار المبادئ المُنظمة للعلاقات في الأسر المسيحية المصرية باعتبارها مبادئ عقائدية مستمدة من الإيمان المسيحي، ومن المهم عدم رؤية ذلك باعتباره مقتصرًا على الرؤية الرسمية للكنيسة كمؤسسة، ولكنه أيضًا جزء من العقيدة التي يتمسك بها غالبية المسيحيين. وقد ساهمت الكثير من العوامل والكثير من الفاعلين في الترسيخ لذلك، من ضمنهم الدولة والكنيسة وجماعات الإسلام السياسي والمجتمع نفسه. السؤال هنا هو هل سيشعر المواطن/ة المسيحي/ة بالأريحية تجاه استخدام قانون مدني في سياق شديد الطائفية، وهو ما يتنافى مع اعتقادهم؟ هل يمكن أن يشعر أحدهم بأن استخدام قانون كهذا سيُعتبر «خيانة» لجماعته المضطهدة، أو «تفريط» فيها وفي الانتماء إليها؟ هذه الجماعة ليست مقتصرة فقط على مؤسسة الكنيسة، ولكنها تشمل أسرته وعائلته وأصدقائه وكل دوائر دعمه الاجتماعي.

أعتقد أن في سياق الاضطهاد، عادةً ما تميل المجتمعات المُضطَهَدَة للتمسك ببعضها البعض، في مواجهة العنف الذي يمارس عليها، حتى لو كانت القواعد التي تحكم هذه المجتمعات داخليًا هي قواعد ظالمة للموجودين في مواقع أكثر هشاشة بداخلها. ولا تتكون هذه القواعد بمعزل عن المجتمع الأكبر الذي تتواجد الجماعة فيه. في هذه المعادلة، يُضاف للنساء المسيحيات عبء جديد مرتبط بجندرهن، فالنساء في سياقنا الأبوي والمحافظ هن من يجسدن «شرف» الجماعة. و«الشرف» هو مفهوم اجتماعي فضفاض، له تمثُلات مادية مرتبطة بالسلوك الأخلاقي العام للشخص بما يشمل تصرفه في جسده ونمط حياته وله أيضًا تمثلات اجتماعية، تتمحور حول «السمعة» التي تُبنى من خلال أحكام المحيطين بالشخص. وهنا تُجرد النساء من حقهن في التصرف في حيواتهن خارج الأنماط المقبولة للسلوك الاجتماعي داخل جماعتهن وخارجها؛ لأنه عادةً ما تكون تبعات اختيارات النساء غير واقعة عليهن بشكل فردي، وإنما تمتد لتشمل الجماعة التي ينتمين إليها. فأي خروج للنساء عن قواعد الجماعة أو المجتمع الأوسع الذي يتواجدن فيه، خاصةً لو كن ينتمين لجماعة مضطهدة، قد يُعتبر انتصارًا مضاعفًا للجماعة التي تمارس الاضطهاد. وفي التعبير عن الانتصار، يُستخدم السلوك غير المقبول الصادر من النساء في التنكيل بالجماعة المضطهدة ورجالها، الذين لم يمارسوا دورهم المزعوم في السيطرة على نساء جماعتهم. تلعب هذه الديناميكية دورًا في تشكيل الضغط على النساء المسيحيات بطريقتين، الأولى هي تزويدهم بمسئولية «تمثيل» الجماعة في المجتمع الأوسع، باعتبارهن انعكاس لمظهر جماعتهن. والثانية أنها تجعلهن أكثر عرضة للرقابة داخل جماعتهن.

وكما تلعب الأسرة دورًا محوريًا، باعتبارها إحدى أدوات إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، فهي مساحة لتمرير ليس فقط الجينات أو الثروة المادية من خلال الميراث، ولكن أيضًا الهويات الاجتماعية، ومن بينها الهوية الدينية. ويُعد الحفاظ على الأسرة حفاظًا على قوام الجماعة عدديًا واجتماعيًا. وفي سياق سُلطوي لا توجد فيه نماذج مرئية لدوائر دعم اجتماعي خارج نطاق العلاقات الأسرية، يصبح الاستثمار في الأسرة في حد ذاته هدفًا يؤمن مستقبل أفرادها، خاصةً لو كانوا من طبقات اجتماعية أفقر. كل ما سبق يعطي للأسرة أهمية مركزية كأحد ركائز بناء الجماعة. وبالإضافة لدورها في التنشئة الدينية، فالأسرة إحدى الساحات الأساسية لتشكيل جندر الفرد وللسيطرة على جنسانيته. ولا أعني بالجنسانية هنا الميل الجنسي، وإنما ممارسة الحياة الجنسية بوجه عام. وفي مجتمعنا، حيثُ الزواج هو الإطار الوحيد المقبول اجتماعيًا لممارسة الحياة الجنسية، وحيثُ يتمحور مفهوم الشرف حول جنسانية النساء بالأخص، فإذا مارست امرأة الجنس خارج إطار الزواج توصم بفقدان شرفها، ويمتد الوصم ليشمل محيطها. تصبح التكلفة الاجتماعية لـ«زنا» النساء أكبر من «زنا» الرجال، حتى لو كان هناك مساواة في إطلاق صفة «الزنا» على الفعل نفسه الصادر من النساء والرجال، ففي المجتمع المسيحي تضاف طبقة جديدة لهذه الديناميكية، والتي ترتبط بتعريف الزواج المسيحي من جانب الكنيسة، فحتى يستمد الزواج شرعيته الاجتماعية ينبغي أن يمتثل للشروط الكنسية، ولذلك يُعتبر الزواج المدني في المجتمع الكنسي «زنا»، سواء قام به رجل أو امرأة. وهنا ينبغي أن نكون على وعي بالحسابات التي ستقوم بها أي امرأة مسيحية عند اللجوء للمحكمة، ومن المهم إدراك أن ليس جميع النساء المسيحيات سيتمكن من تحمل هذه التكلفة الاجتماعية المرتبطة بالطعن في «شرفهن» و«شرف» عائلاتهن وأبنائهن، والتي قد يكون ثمنها خسارة كل دوائر دعمهن الاجتماعي، في سياق يشعرن فيه بالاضطهاد الديني. وينبغي أيضًا الانتباه للظروف غير العادلة التي تحملتها الكثيرات حينما لجأن للمحكمة في الماضي، كما يعد ضروريًا صياغة خطابنا ومطالبنا النسوية بطريقة تعكس فهمًا لموقع النساء المسيحيات متعدد الطبقات.

بالإضافة لما سبق، يتعارض مطلب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية بشكل واضح مع المادة الثالثة من الدستور المصري الحالي. ولا توجد مشكلة في ذلك إذا كنا واعيات بكل جوانب هذه المادة، فبموجبها أصبح من الممكن للنساء المسيحيات أن يرثن بالتساوي مع الرجال المسيحيين وفقًا للشريعة المسيحية،[70] وهو الحق الذي قايضته الكنيسة ضمنيًا، في مقابل إحكام قبضتها على مسائل البنوة والنسب منذ أربعينيات القرن السابق. وفي ضوء ذلك، علينا التفكير مليًا في منطق معارضتنا للمادة الثالثة من الدستور، والتي قد تتضمن عدم الالتفات لواحد من حقوق النساء المسيحيات الاقتصادية المهدرة سابقًا والمنتزعة حاليًا. ينقصنا الكثير من المعرفة حول أولويات صاحبات المصلحة بهذا الشأن؛ ما يتطلب أبحاث ميدانية وخلق مساحات نسوية تكون النساء المسيحيات طرفًا فاعلًا أساسيًا فيها. في تقديري، هذه الطريقة المُثلى التي يمكننا من خلالها التوفيق بين أهدافنا بعيدة المدى، وشعاراتنا القائمة على أسس المواطنة والمساواة وبين الوضع الراهن.

[1] في الأدبيات المسيحية، يُقصد بالعلمانيين من هم من شعب الكنيسة ولكنهم ليسوا من ضمن الإكليروس، والإكليروس هو مصطلح يضم كل الرتب الكهنوتية داخل الكنيسة بدءً من الشماس، مرورًا بالقسيس والأسقف والقمص والبابا.
[2] مؤسسة المرأة والذاكرة، منشور بتاريخ 8 مارس 2021، تاريخ الاطلاع 15 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3xxi3Tq
[3] من أجل قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، عريضة على موقع change.org، تاريخ الاطلاع 15 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3cYbrnG
[4] إبراهيم، إسحق (2015). أزمة الحركات القبطية بين تسلط الدولة وأبوية الكنيسة. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 1 أكتوبر، تاريخ الاطلاع 26 سبتمبر 2021. https://bit.ly/3pagsze
[5] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الاكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[6] وود، وينيفريد والسواح، نهى (2017). تاريخ الوشم عند طوائف الأقباط المسيحيين على مر العصور في مصر.
[7][7] درس قدري باشا في مدرسة اللغات وحضر دروسًا في الأزهر، وأصبح خبيرًا في القانون الفرنسي المقارن والقانون الإسلامي. شارك في ترجمة القوانين الفرنسية، وعمل مرتين في حكومة الخديوي توفيق كوزير للعدل ووزيرا للتربية. م، كونو، كينيث (2015). تحديث الزواج: أيديولوجية الأسرة والقانون في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في مصر. (Modernizing Marriage: Family Ideology and Law in Nineteenth and Early Twenties in Egypt) مطبوعات جامعة سيراكوس.
[8] المصدر السابق.
[9] المصدر السابق.
[10] المحاكم المختلطة هي محاكم كان يلجأ إليها الأوروبيون، بدلًا من الاحتكام للقضاء المحلي المصري. أُلغيت في 1949.
[11] م، كونو، كينيث (2015). تحديث الزواج: أيديولوجية الأسرة والقانون في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في مصر. (Modernizing Marriage: Family Ideology and Law in Nineteenth and Early Twenties in Egypt) مطبوعات جامعة سيراكوس.
[12] المصدر السابق.
[13] المصدر السابق.
[14] المصدر السابق.
[15] إبراهيم، فيلوثاؤس (المقدمة). الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكسيين. مطبعة التوفيق.
[16] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الاكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس
[17] المصدر السابق.
[18] سليمان، سامر (2010). من المسئول فعلًا عن قيام نظام الملة المسيحي؟، الشروق، 4 نوفمبر، تاريخ الاطلاع 13 أكتوبر 2021. https://bit.ly/2ZwI7Sd
[19] حاتم، ميرفت. سقطات الخطابات الوطنية حول المواطنة والإثنية والجندر في مصر (The pitfalls of the National Discourses on Citizenship, Ethnicity and Gender in Egypt). نسخة ورقية، من أرشيف د. آمال عبد الهادي.
[20] الكتب المقدسة هي الإنجيل المقدس، وسفر أعمال الرسل (الإبركسيس) والرسائل العامة (الكاثوليكون)، ورسائل القديس بولس وأسفار التوراة. سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الاكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[21] «قوانين الرسل المرسلة على يد القديس أكليمندس تلميذ القديس بطرس وأخرجها الأقباط في كتابين، وتعاليم الإثنى عشر رسولًا والقديس بولس الرسول والقديس يعقوب أسقف أورشليم (الدسقولية)». المصدر السابق.
[22] وفقًا للتقويم القبطي.
[23] المصدر السابق.
[24] 1. علة الزنا، 2. خروج أحد الزوجين عن المسيحية وانقطاع الأمل في عودته، 3. غياب أحد الزوجين خمس سنوات متتالية بحيث لا يعلم مقره أو حياته من مماته وصدور حكم بإثبات غيابه، 4. حكم على أحد الزوجين بالأشغال الشاقة أو السجن أربع سنوات أو أكثر، 5. الجنون أو مرض عضال لا يُرجى منه شفاء، 6. الاعتداء على أحد الطرفين من جانب الآخر، 7. إساءة السلوك من جانب أحدهما وفقدان الأمل في التصالح، 8. إساءة المعاشرة والإخلال بالواجبات الزوجية، 9. ترهبن أحدهما.
[25] البابا شنودة الثالث (1985). الكهنوت، الجزء الأول. الكلية الإكليريكية للأقباط الأورثوذكس
[26] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[27] المصدر السابق.
[28] المصدر السابق.
[29] المصدر السابق.
[30] المصدر السابق.
[31] حبيب، إيريس (1981). قصة الكنيسة القبطية، الجزء الخامس. مكتبة المحبة.
[32] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[33] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (2019). تاريخ تنظيم توزيع الإرث عند المسيحيين في القانون المصري حتى ثورة يناير. تاريخ الاطلاع 28 سبتمبر 2021.https://bit.ly/3xvqpuY
[34] للاطلاع على النص الكامل للمذكرة: المصري، إيريس (ص.100). قصة الكنيسة القبطية، الجزء السادس (أ)، مكتبة المحبة.
[35] المصدر السابق.
[36] المصدر السابق.
[37] المصدر السابق.
[38] المصدر السابق.
[39] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[40] أي الذين ينتمون للطائفة والملة نفسها.
[41] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[42] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[43] 1) حكم محكمة استئناف الإسكندرية بتاريخ 21 مايو 1956، في القضية رقم 49 لسنة 12 قضائية، والذي أتى فيه أن أحكام الشريعة المسيحية لم تجز الطلاق إلا لعلة الزنا كما هي مدونة في الإنجيل المقدس.
2) حكم محكمة استئناف أسيوط بتاريخ 4 مايو 1958، والذي جاء فيه أن «السبب الوحيد للتطليق في الشريعة المسيحية هو علة الزنا، وما قرره بعض المجتهدين من رجال الدين المسيحي ومسايرة بعض المجالس الملية من إباحة التطليق لأسباب أخرى كالنفور المستحكم أو الفرقة الدائمة، يتجافى مع صريح نص الشريعة السماوية التي لا تبيح الطلاق إلا لعلة الزنا».
3) حكم محكمة الإسكندرية الابتدائية بتاريخ 25 مارس سنة 1956، وجاء فيه أن «المستفاد من مصدر الشريعة [المسيحية] أن الطلاق ممنوع في الشريعة المسيحية».
4) حكم محكمة قنا الابتدائية بتاريخ 21 فبراير 1956، وجاء فيها أن المحكمة تتمسك بالمصادر الأساسية للقانون الكنسي دون سواها، وبالدرجة الأولى أحكام الشريعة المسيحية كما هي مدونة في الإنجيل المقدس وقالت عن المصادر الثانوية الأخيرة أن أصحابها «سايروا التطور الزمني فاستجابوا لرغبات ضعيفي الإيمان فأباحوا الطلاق لأسباب أخرى لا سند لها من الإنجيل (…) فطبقتها المحاكم الملية الملغاة ردحًا من الزمن متناسية أن أحكام الإنجيل تحرم التطليق فيها».
سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[44] المصدر السابق.
[45] المصدر السابق.
[46] المصدر السابق.
[47] المصدر السابق.
[48] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[49] البابا شنودة الثالث (1997). شريعة الزوجة الواحدة. مطبعة الأنبا رويس بالعباسية.
[50] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[51] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[52] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[53] عُقدت هذه الاجتماعات في 20 يناير و28 أكتوبر و15 نوفمبر من سنة 1998. لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[54] المصدر السابق.
[55] المصدر السابق.
[56] منشورات قانونية. قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000. https://manshurat.org/node/27318
[57] حاتم، ميرفت. سقطات الخطابات الوطنية حول المواطنة والإثنية والجندر في مصر (The pitfalls of the National Discourses on Citizenship, Ethnicity and Gender in Egypt). نسخة ورقية، من أرشيف د. آمال عبد الهادي.
[58] موقع الأنبا تكلا هيمانوت. اللاطائفية: مقالات من عظات الأنبا بولس جورج، تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021. https://bit.ly/311e8Cl. أنظر أيضا: نسيم، عصام (2019). ملخص تاريخ دخول الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية لمصر. تاريخ الاطلاع 17 أكتوبر 2021. https://bit.ly/3cWeUmN
[59] سوريال، صليب (1990). قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه. الكلية الإكليريكية واللاهوتية للقبط الأورثوذكس.
[60] أصدر البابا شنودة الثالث القرارين البابوىين رقم 7 و8 لسنة 1971، في 18 نوفمبر 1971. وقد نص القرار الأول على أنه لا طلاق إلا لعلة الزنا، وألا تعترف الكنيسة بأي طلاق يحدث لغير هذه العلة، وبالتالي تستمر الزيجة في نظر الكنيسة حتى لو حكمت المحكمة بعكس ذلك. وفي اليوم نفسه أصدر القرار البابوي رقم 8 لسنة 1971، والذي ناقش زواج المطلقين، ونص على أنه وفقًا لتعاليم الإنجيل فإنه لا يجوز زواج المطلق/ة، لو طُلِق/ت بسبب زناها، حيثُ لا يمكن ائتمانه/ا على زواج جديد. أما إذا طُلِق/ت لعلة أخرى [بموجب القانون على سبيل المثال]، وتزوج/ت للمرة الثانية، فهذا الزواج الثاني يُعتبر زنا، وذلك لأن الكنيسة لم تعترف بالطلاق في الزيجة الأولى من الأصل؛ لأنه لم يتم وفقًا لتعاليم الإنجيل. وبذلك أصبح لدينا قرار بابوي يلزم المجمع الإكليريكي بعدم الاعتراف بالطلاق وعدم إعطاء تصريح زواج ثاني إلا لعلة الزنا، بينما تفصل المحكمة في قضايا الأحوال الشخصية بناءً على لائحة 38 التي تبيح الطلاق لتسعة أسباب.
[61] لبيب، هاني (2012). الكنيسة المصرية- توازنات الدين والدولة. دار النهضة المصرية للنشر.
[62] المصدر السابق.
[63] المصدر السابق.
[64] المصدر السابق.
[65] عظة البابا شنودة بتاريخ 15 مارس 2006، قناة كنوز قبطية على يوتيوب، نُشِر بتاريخ 3 مايو 2016، تاريخ الاطلاع 8 أكتوبر 2021. https://bit.ly/3HWNFa2
[66] سعد، جاكلين (2006). دائرة مفرغة: الطلاق القبطي بين القانون الوضعي والقانون الديني. (Vicious Circle: Coptic divorce between positive law and canon law)، الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
[67] بيومي، عمرو (2008). الجريدة الرسمية تنشر نص قرار تعديل لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأورثوذكس، المصري اليوم، 5 يونيو، تاريخ الاطلاع 8 أكتوبر 2021. https://bit.ly/322nQoo
[68] في عام 2010، أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمين في قضيتين مختلفتين تلزم فيهما الكنيسة بإعطاء تصريح زواج ثاني لأشخاص مطلقين، ورفض البابا شنودة تنفيذ الحكم وأعلن أن الكنيسة ستلجأ للمحكمة الدستورية العليا.
[69] البابا شنودة الثالث (1985). الكهنوت، الجزء الأول. الكلية الإكليريكية للأقباط الأورثوذكس.
[70] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (2019). نص مذكرة المحامية هدى نصر الله، المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في الدعوى ببطلان إشهاد الوفاة والوراثة الخاص بوفاة والدها. https://bit.ly/2ZutxKX

Read this post in: English

اظهر المزيد

مارينا سمير

باحثة نسوية ومترجمة من مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى