دراسات

نقد النزعات التبريرية في سياسات مكافحة الإرهاب: العراق كحالة تجريبية

حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

تهتم هذه الورقة، التي تندرج أبستمولوجيًا ضمن حقل الدراسات النقدية للإرهاب، بكشف الكيفية التي تعمل بها سرديات مكافحة الإرهاب لشرعنة الخطاب والإجراءات المناهضة له. وتحاول في ضوء ذلك الجواب عن التساؤل حول كيفية إساءة استخدام السياسات العسكرية والأمنية لمكافحة الإرهاب فيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، بشكل مؤثر على حقوق وحريات الأفراد إلى جانب استقرار الدول كما في الحالة العراقية. تنطلق الورقة من نظريتي الحرب العادلة والأمننة، وتعتمد منهجية تحليلية نقدية لمراجعتهما من الناحية التجريبية، ومساءلة الوضع الذي ترتب عن تطبيقهما في سياق مكافحة الإرهاب بالدولة عيّنة الدراسة. وقد اهتدت الدراسة إلى أن ردة الفعل تجاه التهديدات الإرهابية كانت غير مبررة وجاءت آثارها عكسية تمامًا، وبيّنت طبيعة هذه المبالغة ومداها وعواقبها على حقوق وحريات الأفراد، وتداعياتها على الدولة العراقية.

مقدمة

في الغالب، دأبت الدول على تسويغ سياساتها الموجهة لملاحقة الإرهابيين بتطور وتنامي التهديدات الإرهابية، وانعكست التحولات التي شهدتها الظاهرة الإرهابية على استراتيجيات مكافحة الإرهاب على المستوى العالمي، ففي ظل المرحلة الأولى وبالتوازي مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر برز نوع من الإرهاب التنظيمي الدولي الذي يتبنى شعار استهداف «العدو البعيد»، وركزت استراتيجية مكافحة الإرهاب على مطاردة المقاتلين متخذةً مظهر العسكرة مع اندلاع الحرب على الإرهاب، التي جرى وصفها بالعادلة. أما في المرحلة الثانية الموسومة بتنامي أشكال الإرهاب الجديد، والتي ترافقت مع تفجيرات 2004 في مدريد وهجمات 2005 في لندن وهجمات 2011 في النرويج وهجمات 2012 في تولوز بفرنسا وغيرها، برز الإرهاب المحلي بفاعليه المنفردين والذي يعتمد على شعار استهداف «العدو القريب»، وبذلك ركزت سياسات مكافحة الإرهاب على ملاحقة أصحاب الأيديولوجيات الفكرية المتطرفة وممولي الإرهاب في ظل حالة طوارئ مستدامة، على خلفية الخطاب السائد لتقديم الإرهاب باعتباره تهديد وجودي لأمن الدولة. وقد لوحظ توظيف الخطابات والممارسات التي رافقت سياق هاتين الاستراتيجيتين كمبرر لإجراءات وتدابير أدت إلى تقويض الحريات وانتهاك حقوق الإنسان؛ كنتيجة لتوسع صلاحيات الأجهزة المحتكرة لممارسة القوة والعنف المشروعين، وغياب التوازن بين مكافحة الإرهاب واحترام القوانين الدولية والوطنية.

لكل ما تقدم، وفي سياق تسليط الضوء على مأزق أساليب «الحديد والنار» أو «العصا الغليظة» في الاستجابة للمخاطر الإرهابية، تتبنى هذه الورقة البحثية منظورًا نقديًا في تقييم الآثار الجانبية غير المرغوبة في سياسات مكافحة الإرهاب. وبهذا تندرج هذه الورقة من الناحية الأبستمولوجية ضمن حقل الدراسات النقدية للإرهاب، حيث تسعى لكشف الكيفية التي تعمل بها سرديات مكافحة الإرهاب على شرعنة الخطاب والإجراءات المناهضة له، في سياق دحض المنطق التبريري لسياسات محاربة الإرهاب. وتحاول الورقة في ضوء ذلك الجواب عن سؤال كيف تمت إساءة استخدام السياسات العسكرية والأمنية لمكافحة الإرهاب فيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشكل مؤثر على حقوق وحريات الأفراد وكذا على استقرار دول كما في الحالة العراقية.

تنطلق الورقة من نظريتي الحرب العادلة والأمننة، وتعتمد منهجية تحليلية نقدية لمراجعتهما من الناحية التجريبية، ومساءلة الوضع الذي ترتب عن تطبيقهما في سياق مكافحة الإرهاب بالدولة عيّنة الدراسة. حيث سيتناول العمل، بشكل متواز، الرجوع إلى أصول فكرة عدالة الحرب العالمية على الإرهاب، وكذا البحث في الأساس الفلسفي للأمننة كخطاب، ليقترن ذلك ببيان عدم التوازن بين السياسات المضادة للإرهاب وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، من خلال توضيح انعكاس عسكرة وأمننة مكافحة الإرهاب على إحقاق الحقوق وكفالة الحريات. كما تشير الورقة وفق منهج دراسة الحالة إلى دولة العراق، التي جرى حشرها كذلك في مرمى نيران الحرب على الإرهاب، باعتبارها أساسًا إمبريقيًا لفشل عسكرة وأمننة الإرهاب، حيث كشف توظيفهما في هيمنة القوة أثناء الحرب وبعدها عن تداعيات ممتدة ومُكلِّفة أمنيًا على الدولة العراقية.

نقد الشرعنة الأخلاقية للحرب على الإرهاب

تم استحضار لغة الحرب العادلة في بداية القرن الحادي والعشرين في النقاش حول عقيدة الحرب الوقائية التي كانت أساس الغزو الأمريكي لأفغانستان في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعلى العراق عام 2003. إلا أن التوجه العالمي للحرب على الإرهاب خلط بين الاهتمامات الأخلاقية والأمنية؛ منتجًا ممارسةً مشوهة لنظرية الحرب العادلة التي تدعي تخليق وأنسنة العنف العسكري.

مدخل إلى مفهوم الحرب العادلة وشروطها

تعود جذور فكرة الحرب العادلة إلى الأفكار السياسية لفلاسفة الرومان، ولاحقًا تم دمجها وتطويرها في الفكر السياسي المسيحي. وقد تبلورت كمفهوم «جراء تقليد حول أخلاق الحرب والسلام، يؤطر للقواعد الأخلاقية التي ينبغي توافرها لكي تكون الحرب عادلة من المنظور الأخلاقي، كما كان يحاول إيجاد أساس وسط معقول بين «مذهب المسالمة»، الذي يرفض تبرير الحرب بشكل مطلق، و«مذهب العنف» الذي يبرر استخدام القوة واللجوء إلى الحرب بشكل مطلق».[1]

وتضع نظرية الحرب العادلة قوانين أخلاقية للحرب تحددها ثلاثة عوامل: «الأول هو قانون الذهاب للحرب، ويتعلق بالظروف التي تبرر استخدام القوة. بينما الثاني هو قانون إدارة الحرب، ويستجيب لحدود الاستخدام المبرر للقوة. أما الثالث فهو قانون ما بعد الحرب، ويهتم بكيفية إنهاء الحروب بشكل عادل، بحيث يركز على مسئوليات الأطراف المتحاربة في أعقاب الحرب مباشرة»،[2] على مستوى بناء السلام وعمليات الإعمار والاستقرار.

ويتطلب شنّ الحرب العادلة شروطًا، تعتبر في الوقت نفسه مبادئ، تحكم أساسًا اللجوء للحرب، وكذا السلوك في الحرب. وبحكم أن نظرية الحرب العادلة هي نظرية أخلاقية، فإن النظر إلى مبادئها يتم بهذه الصفة، حتى لو كانت مدمجة في قواعد القانون الدولي الإنساني:[3]

  • السلطة الشرعية: أي أن الحرب يخوضها جنود يقودهم قادة سياسيون لديهم سلطة إعلان الحرب، على عكس عناصر الميليشيات الذين قد يقاتلون في مجموعات كبيرة مسلحة جيدًا ولكن لا يتمتع قادتها بسلطة القادة السياسيين.[4]
  • القضية العادلة: حيث السبب التقليدي العادل للحرب هو الهجوم من جانب المعتدي، وهذا المفهوم الغائي للسبب يفرض أن يقابله هدف عادل محدد في الدفاع عن النفس في حالة العدوان الخارجي.[5]
  • الضرورة أو الملاذ الأخير: حيث يتطلب الفعل الدفاعي أن يكون أقل ضررًا من كل الأفعال البديلة الأخرى.[6] ولذلك ينبغي السعي للوسائل الأخرى لتحقيق قضية عادلة، وأنه لا يمكن اللجوء للحرب إلا إذا كانت ضرورية بعد استنفاد تلك الوسائل.
  • النية الصحيحة الرامية إلى تصحيح خطأ العدوان، وإحلال السلام. لذا، فإن دوافع الانتقام، أو الهيمنة، أو المصلحة الذاتية[7] مثل البحث عن الثروة، أو الاستيلاء على السلطة، لا تسوغ الحرب العادلة.
  • التناسب بين التهديد أو الضرر الحاصل والمكاسب المتوقعة: حيث التناسب المنشود ليس بين فعل الدفاع عن النفس وبعض الأعمال العدوانية السابقة، بل بين فعل الدفاع عن النفس وعدوان محتمل في المستقبل.[8] فقد يُسمح للدول بالرد على عدوان عليها بهجوم أقسى بكثير وأكثر تدميرًا من الذي واجهته هي نفسها، إذا كان لديها أساسًا معقولًا للاعتقاد بأن ذلك الرد ضروري لمنع الهجمات المستقبلية.[9] ويُستفاد من ذلك أن الحرب العادلة هي بالأساس حرب استباقية أو وقائية.
  • حصانة غير المقاتلين (أو تمييز المدنيين): حيث تدعم قواعد الاشتباك العادل الحظر الأخلاقي على مهاجمة الأفراد العزل والضعفاء، بغض النظر عن مسئولياتهم الأخلاقية أو التهديد غير المباشر الذي يشكلونه. علاوةً على ذلك، فهي تعكس هذا الالتزام الأخلاقي بشكل دقيق إلى حد ما من خلال توفير حصانة للمدنيين العزّل؛[10] ليس لأنهم لا يستطيعون القتال، وإنما لكونهم غير قادرين على حماية أنفسهم.

العدالة الضائعة في الحرب على الإرهاب: إشكالات عملية

نظريًا تهدف الحرب العادلة إلى التحقيق الأخلاقي للعدالة، حيث الأخلاق السياسية هي أخلاقيات المسئولية، وتمثل تقاليد الحرب العادلة وسيلة لممارسة تلك المسئولية مع مراعاة العدالة. غير أن تطبيق نظرية الحرب العادلة في سياق محاربة الإرهاب أظهر عدم إمكانية اقتران العدالة بالواقع المأساوي للحرب. وبينما قد يبدو ذلك نتيجة مشكلة عدم الامتثال للقوانين والمعايير الأخلاقية للحرب، إلا أنه يمكن إلقاء بعض اللوم كذلك على تقاليد الحرب، لأن مبادئها غير فعالة بل هي المذنبة عما تشهده الحرب باسمها من مآس.

ونظرًا لأن معايير الحرب العادلة لا تتعلق فقط ببدء حرب لأسباب عادلة ولكن أيضًا بخوضها بعدل، فإنه ينبغي مراجعة معايير الحرب على الإرهاب في ضوء ذلك، أي اختبار عدالة هذه الحرب في منطلقاتها وسريانها، بشكل مكثف يغني عن العودة لفحص كل معيار من المعايير المشار إليها سابقًا في شروط الحرب العادلة على حدة.

أزمة المنطلقات

تتمحور الحرب العادلة حول الدولة، الأمر الذي يعني أن الفواعل الأساسية التي تطبق مبادئ الحرب العادلة هي الدول (أو حكام الدول)، والأهداف الأساسية التي يطبق عليها هؤلاء العملاء مبادئ الحرب العادلة هي الدول (أو الأعمال العسكرية للدول). غير أن الحرب على الإرهاب غالبًا ما شُنّت ضد فواعل من غير الدول مهما كانت التنظيمات الإرهابية تتحصن بأراضي بعض الدول، فمثلًا الحرب على أفغانستان لم تكن عليها كدولة ولكن ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة اللذان ظلا يتحصنان بها.

وفضلًا عن ذلك جرت الحرب على الإرهاب في إطار تحالف دولي أو إقليمي، ولم يحصل عبر مختلف النماذج أن قادت دولة لوحدها مثل هذه الحرب، بمعنى أن السلطة التي تقود الحرب تتخذ مظهر الإرادة الجماعية، غير أنه غالبًا ما تُشن الحرب في ظل غياب الإجماع الدولي عليها، حتى وإن شُرعنت بغطاء الأمم المتحدة، وهو ما يجعلها في النهاية منقوصة إن لم تكن معدومة الشرعية الدولية الحقيقية. بل إن بعض الدول انخرطت في الحرب حتى في ظل معارضة المجتمع المدني المحلي، وذلك مثل قرار رئيس الوزراء السابق توني بلير باستخدام القوة ضد العراق رغم غياب أي دليل مادي على التهم الموجهة لنظام صدام حسين، وتجاهل تظاهرات ملايين الشعب البريطاني.

إن تحقق الشرعية المطلوبة في الحرب ليس كافيًا وحده، بل ينبغي كذلك «الحفاظ على الشرعية، حيث يجب ألا تبدأ الحرب للأسباب الصحيحة وأن تلتزم بقوانين الحرب فقط؛ بل، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يستمر الدعم الشعبي، ويجب ضمان التكامل المناسب للقيادة العسكرية والمدنية…فبهذه الطريقة يمارس القادة السياسيون مسئولياتهم تجاه جنودهم وأمتهم، وكذا الأبرياء المعرضين للخطر بسبب الحرب».[11] فالرقابة المدنية من الجمهور والسيطرة السياسية على الجيوش، في إطار نظرية العلاقات المدنية العسكرية، ضرورية لإبقاء الحرب في نطاق أهدافها المسطرة ووسائلها المشروعة.

غياب عدالة القضية

تختلف أشكال الحرب تبعًا لأسبابها النهائية بالمعنى الأرسطي الغائي بين دفاعية أو عقابية أو وقائية، حيث «تهدف الحرب الدفاعية إلى صد أعمال العدوان الجارية أو الوشيكة في الوقت الحاضر، في حين أن الحرب العقابية (بغض النظر عما إذا كانت تهدف إلى الردع أو الانتقام أو الإصلاح) تستجيب لأعمال العدوان أو «المخالفات» السابقة، والأفعال الوقائية بطبيعة الأمر تهدف لإحباط تهديدات العدوان في المستقبل».[12]

لكن ليس صحيحًا أن السبب العادل لاستخدام القوة المسلحة هو حدث سابق دفع إلى ذلك. بل السبب العادل ليس سببًا أخلاقيًا ليكون «رد فعل». فمسألة السبب العادل ليست مسألة «مجرد انتقام» أو «مجرد عقاب»، بل أنها بدلًا من ذلك مسألة «منع عادل». حيث السبب العادل هو سبب أخلاقي ليكون «استباقيًا».[13]

ومع ذلك، تتجلّى أهم إشكاليات «الحرب على الإرهاب» في عدم محدوديتها بالزمان والمكان وفي غموض ملامح العدو، وعدم تحديده. الأمر الذي ينسف الأساس لاستخدام مصطلح «الحرب». ولكن ربابنة الحرب على الإرهاب يستعيرونه، ولا يأخذونه بجدية في الوقت ذاته، فهم لا يُخضعون هذه «الحرب» لقوانين الحرب المعروفة مثل تحديد العدو الذي تحاربه والذي يناقض القصف العشوائي للمدن، ومعاملة المعتقلين كأسرى حرب، إذ يُعامل المعتقلون في سياق الحرب على الإرهاب باعتبارهم مرتبةً أدنى من المجرمين الجنائيين العاديين. ولا تقتصر إشكاليات هذه الحرب على ذلك، بل إنها تواجه معضلة حقيقية في كونها تُولّد نقيضها، أي الإرهاب، فهي تقضي على إرهابيين وتعيد تفريخُ غيرهم باستمرار، وكأنها بذلك تُوجِد بذاتها مبررات استمرارها،[14] حيث تصبح ساحة الحرب أرضًا خصبة لميلاد جماعات إرهابية، فيتم تجديد العدو، فتطول الحرب لتصير عملًا روتينيًا وتجسيدًا فعليًا لمقولة «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل القوة العسكرية».

ويعكس المدى اللانهائي لهذه الحرب نوعًا من الاقتصاد السياسي في شعار «مكافحة الإرهاب» من خلال تسييس الأداة الحربية، إذ تُتخذ كأيديولوجية في السياسة الخارجية لدولة ظلت تطلق وتقود معاركها، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية التي وظفت الحرب على الإرهاب إما بدافع نزعات الهيمنة، وهو ما أكده احتلالها لأفغانستان، أو للتخلص من أنظمة معارضة لها، مثلما أطاحت بنظام صدام حسين بعد شن حرب على العراق بدعوى أنها دولة راعية للإرهاب، انتهت باحتلاله، ثم حتى بعد انسحابها منه، استعادت لعب دورها في العراق عبر تدخل عسكري جديد فيه ضد تنظيم «داعش»، علمًا بأن هذا الأخير متواجد كذلك في الشام وأظهر ممارسات وحشية في حق السوريين والعراقيين على السواء، وهو ما يعكس إشكالية أخرى هي الانتقائية في الحرب على الإرهاب، إذ أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتدخل إلا بعد إعدام اثنين من رعاياها إلى جانب بريطاني، وهو ما يفيد كذلك بأن الحرب لا تكون خيارًا إلا حينما يكون ضحايا الإرهاب مواطنون غربيون. بل إنها بدت غير فعالة وكذلك غير جدية؛ إذ ربما يبدو أن الولايات المتحدة في تدخلها العسكري لم ترغب حقيقة بالقضاء على «داعش» وإنما فقط استنزافه أو احتوائه، بعدما أظهر هو الآخر طموحات توسعية في المنطقة التي يتمركز فيها.

وفي الوقت الذي ظلت القوى الغربية تبرر الحرب على الإرهاب بصعوبة تحديد مواقع التنظيمات الإرهابية، أعادت قضية العثور على أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد عشر سنوات من المطاردات المبهمة، طرح سؤال البدايات المتمحور حول مدى كون الحرب هي الخيار الوحيد لتحقيق العدالة في مواجهة الجرائم الإرهابية، ونبّهت في المقابل أن خيار إلقاء القبض على الإرهابيين ومحاكمتهم محاكمة عادلة لا يزال قائمًا. «على الرغم من زعم الولايات المتحدة في البداية أن بن لادن قُتل فيما كان يقاوم عملية الاعتقال، اتضح لاحقًا أنه كان أعزل. فإذا كانت هذه هي «العدالة» –كما أكد الرئيس أوباما– فقد كانت تفتقر جد الافتقار إلى الإجراءات القانونية اللازمة. لم يُقتل بن لادن بسبب عدم القدرة على اعتقاله، بل كان من المستحيل إدانته في المحكمة (مثلما هو الحال مع المعتقلين في جوانتانامو)».[15]

نزيف استهداف المدنيين

غالبًا ما تندلع الحرب على الإرهاب كرد فعل سريع، لدرجة أن الحملة العسكرية المضادة للإرهاب قد لا تختلف كثيرًا عن العمل الإرهابي نفسه من حيث عدم الدقة، إن لم نقل العشوائية، في استهداف عناصر التنظيمات الإرهابية، فتستحيل الحرب إلى انتقام من مجتمعات معينة بدعوى إيوائها للإرهابيين أو على خلفية «تجفيف المنابع» على أساس أنها تمثل «بيئة حاضنة للإرهاب». وهكذا تحاصر الأبرياء وتؤذيهم لأنها تجعل كل من يوجد داخل أسوار العدو مذنبًا. إذ يستهدف القصف الجوي للقوى الحربية المواقع التي تتحصن بها التنظيمات الإرهابية أو تتخذها معسكرات للتدريب داخل مدينة ما مثلًا، لكن تتخلل المجالات الفاصلة بينها في الوقت نفسه مناطق مأهولة بالمدنيين، وكأنها جميعًا هدف عسكري واحد.

ولهذا يعتبر التمييز بين المسلحين ومن دونَهم حاسمًا في مدى مشروعية القتال، ليس فقط من زاوية القانون الدولي ولكن كذلك من الزاوية الفلسفية الأخلاقية، على أساس أن «المقاتلين يشكلون تهديدًا يجبر خصومهم على التصرف دفاعًا عن النفس. ومن خلال هذا الرأي، فإن المقاتلين الذين يقاتلون بعضهم البعض بشكل متبادل يتنازلون عن حقهم في الحياة أثناء الحروب، وفي مقابل هذه التضحية يكتسبون القدرة على مهاجمة المقاتلين المعارضين بشكل عادل. أما أولئك الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية فيحتفظون بالحق في الحياة لأنهم لا يشكلون تهديدًا من شأنه إجبار الآخرين على التصرف دفاعًا عن النفس. وبذلك يظل الحق في الحياة قائمًا أثناء الحرب، ويسري على جميع الناس باستثناء من فقد الحق بتهديد الآخرين».[16]

وفضلًا عن العقاب الجماعي باعتباره ممارسة غير أخلاقية في الحرب على الإرهاب، هناك ممارسة أخرى، لا تقل فداحة، تتمثل في «القتل بالاستهداف» الذي يكون أحيانًا عشوائيًا كما في حالة غارات الطائرات الموجهة أو الطائرات بدون طيار، فهذه الآلات «تقوم ببث مقاطع فيديو حية ومباشرة لغرفة العمليات ليقوم الجندي بتحديد الهدف، وهو ما يؤدي إلى وجود فجوة زمنية، ولو للحظات قليلة، بسبب كمية البيانات التي يتم نقلها فوريًا»،[17] فيحدث تشويش قد يترتب عنه خطأ في الأحكام الشخصية التي تقود الجندي المشرف على إطلاق النار، فتحدث مآس بتصفية أشخاص مدنيين على أساس أنهم مسلحين. فالمسئول عن ذلك هو في مقام مرتكب لعمل إرهابي أسقط به ضحايا مدنيين عن سابق وعي وإدراك. وهكذا، «ما دام يعي ويدرك ما يفعل، فهذه جريمة، بل هي جريمة حرب، سواء سُمِّيَت إرهابًا أم لم تُسمَّ كذلك. وهذا في الحقيقة ليس إهمالًا، وإنما استهدافًا. فالاستهداف في القانون الجنائي يكتفي بوعي الفاعل بطبيعة هدفه. وليس بالضرورة أن يكون هذا دافعه. ولا يجوز الخلط بين الدافع للقتل (الذي يعتبر توافره من الأدلة في القانون الجنائي)، والاستهداف. فالتسبب في الموت عن وعي بالفعل وهدفه يُعد جريمة قتل».[18]

وفي كثير من الأحيان يختلط أسلوب «القتل بالاستهداف» مع عمليات الاغتيال كما تمارسه أفراد القوات الأمريكية الخاصة أو العملاء المحليين، إذ يبدو كنوع من القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لأفراد قد لا يمثلون تهديدًا وشيكًا، خاصةً حينما يستهدف قتل شخصيات في مواقع تنظيمية أو سياسية، برغم عدم تموقعها ضمن التسلسل القيادي للعناصر المسلحة التي تقوم بالعمليات القتالية.

إذن، فرغم عدم القدرة على التخلص من المسلحين أو الإرهابيين دون قتلهم، إلا أن خطر ارتكاب الأخطاء في القتل باستهدافهم قد يكون مكلفًا أكثر، وذلك «بالنظر إلى أن الإرهابيين غالبًا ما يندمجون مع المدنيين ولا يمكن التعرف عليهم بسهولة كمقاتلين، بناءً على ارتداء الزي الرسمي مثلًا. وقد تمت الإشارة إلى هذه النقطة فيما يتعلق بالقتل المستهدف لقادة طالبان في أفغانستان على يد قوات الناتو؛ إذ توحي المعلومات الاستخباراتية التي يُستند إليها لتحديد الأشخاص كإرهابيين بأنها غالبًا غير دقيقة ويقدمها الأفغان المحليون بدوافع مشكوك فيها».[19]

نظرية الأمننة ومعضلة الإجراءات في مواجهة قيم حقوق الإنسان

تشكل نظرية الأمننة تفسيرًا مستقلًا آخر في فهم كيفية استغلال قضايا الأمن في التأثير على الحقوق والحريات الأساسية داخل الدول. فالأمننة ليست مجرد شعبوية أمنية، وإنما هي ممارسة مفرطة في التدابير والإجراءات التي تجعل أمن الدولة عبئا على الديمقراطية وسيادة القانون، مما يجعلها في النهاية مُقدَمة على الحقوق والحريات.

في أسس نظرية الأمننة

طرحت مدرسة كوبنهاجن للدراسات الأمنية نظرية الأمننة لتُميّز بها التسييس في صيغته المتطرفة، على أساس أن القضية المُسيّسة يتم التعامل معها بإجراءات اعتيادية، أما القضية المُؤمننة فتتم مواجهتها بتدابير استثنائية. وهكذا «فالتسييس ببساطة هو العملية الناجحة لإدخال قضية ما إلى عالم السياسة، بينما الأمننة هي العملية الناجحة لإدخال قضية ما إلى عالم الأمن».[20]

وتجادل مدرسة كوبنهاغن بأن الأمننة تنطوي على بناء خطاب يقدم قضية معينة باعتبارها تهديد «أمني»، أي أنها تشكل خطرًا فوريًا ووجوديًا على المجموعة أو المجموعات المرجعية المعنية، ويتحتم التعامل معها على وجه السرعة والأولوية باستخدام «تدابير الطوارئ».[21]

وقد أشار أولى ويفر المُنظِّر الأول للأمننة إلى أنه «لا يمكن اعتبار الأمن كشيء أو حالة سابقة في وجودها عن الخطاب، فهو ممارسة ذاتية المرجعية، بمعنى أن شرط وجوده قد أُسس بفعل الخطاب ذاته، وليس بتهديد مفروض مهما كان نوعه».[22] إذ تنشغل الأمننة بالتهديدات غير العسكرية؛ لذا تضفي الطابع الأمني على قضايا مثل الهجرة والتطرف والإسلام، حتى مع وجود أدلة تجريبية مضادة.

تتطلب الأمننة الناجحة ثلاث خطوات تتمثل في: تحديد التهديدات الوجودية، واقتراح إجراءات الطوارئ، ثم التحرر من قواعد الأمن النظامية. أما بلوغها فيمر عبر ثلاث مراحل، «الأولى: هي وجود فاعل سياسي يدعي أن هناك شيئا ما هو عرضة لتهديد وجودي، ثم يطلب هذا الفاعل من الجمهور منحه الحق في اتخاذ إجراءات غير تقليدية من أجل مواجهة الخطر، وتاليًا يُقنِع الفاعل السياسي الجمهور بأن تلك الإجراءات مُبررة لمواجهة الخطر ومكافحته. في عملية الأمننة تلك، عادةً ما يكون الشيء المعرض للخطر هو الدولة، والنخبة الحاكمة هي الفاعل السياسي».[23]

وبهذا فالأمننة في جوهرها هي فعل خطابي يتطلّع للتنفيذ، فمُنتج الخطاب يسعى للتحرر من القواعد المفترض أن يلتزم بها لاتخاذ قرار بشأن إجراءات ما. وهي لا تنجح إلا في ظل الطلب المرتفع على الأمن لدى الجمهور. وهكذا، فإن أفق الأمننة كخطاب، ومن الناحية الرمزية، هو أن تُحدث تأثيرًا كافيًا لجعل الجمهور يتقبل انتهاكات تلك القواعد أو الإجراءات.

إلا أن ما يبدو أنه يُشكِّل تهديدًا «وجوديًا» ليس وجود عنف مسلح أو حجمه، أو وجود قيم إخبارية تقليدية مثل القرب الجغرافي أو الثقافي؛ بل هو ارتباط ذلك التهديد بـــــ «الإرهابيين» أينما كانوا. فلا يبدو أن الإحساس بالمخاطر الشخصية يتأثر بالأمننة. وتماشيًا مع تركيز مدرسة كوبنهاجن على بناء التهديدات للثقافة المشتركة، فإن الأمننة تخلق إحساسًا بالخطر على «نحن»، وليس على «أنا».[24]

باختصار، يُنظر إلى الأمننة على أنها إطار إخباري يشير إلى عدة نتائج؛ فعندما يستدعي الفاعل المناسب التهديدات الصحيحة في ظل الظروف المناسبة للجمهور المناسب، يجب أن تعكس النتائج رغبة أكبر في وضع السلطة، وكذلك الحريات المدنية، في أيدي الحكومة طوال المدة.[25]

هكذا، بصفتها تلك كإطار إخباري، لا ترتبط الأمننة بفعل الخطاب فحسب، وإنما تتخلله قوة الصور، فهي تحتاج لهيكل مؤسساتي للعمل التواصلي يجعلها «قادرة على معالجة ديناميات الأمن في عالم يرتبط فيه الاتصال السياسي بشكل متزايد بالصور ويكون فيه الاتصال التليفزيوني أمرًا أساسيًا».[26] فالأمن كفعل خطابي يتحدد في بيئة تواصلية يتم تنظيمها بشكل أكبر من خلال وسائل الإعلام التلفزيونية، ومن خلال أهمية الصور. ففي هذه البيئة، لا تنفصل أفعال الكلام عن السياق الذي تهيمن عليه الصورة، والذي تحدث فيه ويتم من خلالها توصيل المعنى.[27]

ففي الوقت الذي صار فيه الأمن مجالًا للنشاط السياسي دون تضييق معناه، وكذا في ظل تزايد تأثير الاتصالات التلفزيونية في التفاعلات الأمنية، لم يعد الإبلاغ التلفزيوني السريع للجمهور عن الأعمال الإرهابية يستهدف فقط التأثير على الجمهور، بل صار يعني أن التغطية الإعلامية نفسها أضحت عنصرًا رئيسيًا ضمن عملية صنع القرار الأمني وما تتضمنه من إجراءات يراد لها أن تأتي كاستجابة للأحداث، لكن بالشكل الذي تحظى معه بقبول الجمهور مهما بدت متشددة في حق المشتبه بهم.

انتهاك الحقوق والحريات باسم مكافحة التطرف والإرهاب

في الوقت الذي يُعترف بالالتزام بالحقوق والحريات الأساسية كشرط للشرعية في السياسات الحكومية، فإن سياسات مواجهة الإرهاب في سياق موسوم بتوسيع دائرة التهديدات الإرهابية، أفسحت المجال لممارسات مخالفة تميل إلى تقويض القيم الحقوقية.

لقد ساعد التركيز على خطاب الأمن كأداة تعبئة لسياسات مكافحة الإرهاب على «خلق سياق غالبًا ما يمر فيه استخدام الدول للعنف دون أدنى ريبة ودون عقاب. وهو ما يعني أن مستخدم الخطاب الأمني، وأولئك الذين يتم تصنيفهم على أنهم خطرون (أو غير خطرين) والجمهور، هم جميعًا جزء من العمليات التي يتم من خلالها تحقيق الأمن».[28]

كل ذلك جعل من غير المتصور أن تسري «مكافحة الإرهاب مع احترام سيادة القانون وضمان أمن المواطنين إلى أقصى حد ممكن دون انتهاك حقوقهم الأساسية. فمن الناحية النظرية، ظهرت الدستورية الحديثة لحماية المواطنين من التجاوزات السياسية للسلطة. لكن في الممارسة العملية، لا تُحترم الحقوق الأساسية دائمًا بشكل كامل؛ نظرًا لكون الدولة تميل غالبًا لممارسة سلطاتها خارج الحدود القانونية».[29]

ولأن منشأ السياسات هو التشريعات، فقد عكست القوانين حالة الذعر من تضخيم التهديدات الإرهابية، فأصبحت التدابير الاستثنائية متأصلة وطبيعية في العمل التشريعي كممارسات وقائية، وهكذا بدعوى التصدي الصارم لتلك التهديدات، اتجهت العديد من البلدان لتشديد القوانين الجنائية أو إصدار تشريعات خاصة تحت مسمى «القانون الجنائي للعدو»، بل أكثر من ذلك «نشطت البرلمانات في تقديم جرائم جديدة «غير كاملة» وتجريم الأنشطة التحضيرية (بما في ذلك التجنيد والتدريب والتمجيد لأغراض إرهابية)…و«التشجيع» و«التمجيد» و/أو «العدول» عن الإرهاب (وإن كان ذلك في مستقبل غير محدد وفي أماكن غير محددة) وكذلك نشر المواد ذات الصلة».[30] لكنها أنتجت في الواقع قوانين تتعارض في جوهرها مع روح الممارسة الحقوقية؛ لأن التغيير الذي شمل القانون الجنائي الموضوع كان له تأثير هائل على نظام العدالة الجنائية ككل. فلم يعد يُنظر إلى الحقوق الطبيعية على هذا الأساس، وإنما ما بعد سياسية متوقفة على الدولة، وأن هذه الأخيرة لها سلطة التصرف فيها، وأنه يجوز لها التشريع كما تشاء، وأن القانون هو جواز لسلطة غير محدودة للدولة. ذلك أن «الفهم التقليدي لتشريعات مكافحة الإرهاب هو أن الدولة أثناء سعيها لحماية الأمن القومي وسلامة المجتمع، تضع قيودًا على ممارسة حقوق الإنسان والحريات المدنية؛ حتى تتمكن وكالات التحقيق والإنفاذ من القبض على الإرهابيين ومنع الأعمال الإرهابية. غالبًا ما يُعتقد أنه من الضروري التنصل من أو تقييد الحقوق»،[31] بدعوى أنه إذا كانت الدولة هي التي تُنشئ وتمنح الحقوق لمواطنيها، فيجوز لها تعليق أو تقييد أو تجاوز هذه الحقوق بشكل معقول عندما يكون ذلك ضروريًا للحفاظ على الأمن.[32] لكن عندما تصبح الحدود بين نظام العدالة الجنائية العادي والتدابير الاستثنائية المؤقتة لتهديدات محددة غير واضحة، فإن ذلك يؤدي إلى فرض حالة طوارئ قانونية دائمة.[33]

حتى الدول العريقة في التقاليد الديمقراطية والليبرالية وجدت صعوبات في محاربة الإرهاب بأيدٍ نظيفة. فانتهاك الحقوق في هذه الدول، على خلفية طغيان المنظور الأمني في محاصرة الفكر المتطرف أو الأعمال الإرهابية، لم يقتصر على الأقليات والمهاجرين من العرب والمسلمين وغيرهم، على خلفية خروج الإرهابيين من بين هؤلاء، وإنما تضمّن أيضًا المواطنين الأصليين. فقد أدى تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب في الدول الغربية إلى تعرض الفرد والمجتمع على السواء لإجراءات تعسفية وغير قانونية؛ نتيجة للتدخل في الخصوصيات وشئون الأسرة، عن طريق استخدام وسائل المراقبة الإلكترونية ووضعها في الأماكن العامة، والتنصت على الاتصالات والمراسلات الإلكترونية، وجمع المعلومات عن أي شخص دون إذن قضائي أو مسوغ قانوني، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف لانعدام التزام تلك القوانين أثناء تطبيقها بالمعايير الدولية لحماية الحق الإنساني في الخصوصية.[34]

ولتلافي الانتقادات الموجهة لعمليات المراقبة التي تباشرها الأجهزة الاستخباراتية العمومية بشكل مباشر، على خلفية تصنيفها كأعمال مشينة أخلاقيًا أو حدوثها خارج إطار القانون، ولأن اختراق شبكات التطرف والإرهاب يتطلب في الغالب معلومات من المناطق الخارجية التي تُصدّر الإرهابيين، فقد عملت الاستخبارات الأمريكية على تعبئة نوع من عمليات تجسس مخصصة، عبر «اجتذاب الطلاب المتفوقين للعمل بها من خلال تشجيعهم على الالتحاق بالمنح الدراسية مقابل الخدمة في وكالة الاستخبارات لفترة ما بين عامين وثلاثة أعوام، حيث تغطي الحكومة رسوم التعليم الجامعي للطلاب الذين يدرسون اللغات والثقافات الأجنبية. كما سعت وكالات الاستخبارات، خاصة الأمريكية، لتجنيد المزيد من المواطنين ذوي الأعراق وثيقة الصلة بالمناطق الاستراتيجية، مثل الشرق الأوسط وجنوب آسيا، والمناطق الأخرى التي تم تجاهلها بشكل كبير أثناء الحرب الباردة».[35]

تحت تأثير مفعول مركزية خطاب مكافحة الإرهاب، جرى إخضاع المجتمع برمته للتسيير الأمني الذي تجاوز مراقبة التنظيمات الخطرة ليمتد إلى مراقبة السكان، وقد تم تطعيم هذه الممارسات بمختلف تقنيات الحوكمة النيوليبرالية مثل برامج حماية الحدود، وتقنيات المراقبة الجماعية وإدارة المخاطر، وهندسة الفضاءات العامة، علمًا أن المراقبة لم تشمل المقاتلين المتجهين نحو مناطق القتال أو العائدين منها، بل شملت كل المشتبه فيهم، بما في ذلك حجز تذكرة مع العبور بعدة مطارات، أو الحجز في آخر لحظة نحو اتجاهات مصنفة حساسة.

في السياق نفسه، يندرج جانب من العمليات والإجراءات المتضمنة في الاستراتيجية الأوروبية لمكافحة الإرهاب التي تمت بلورتها بعد أحداث شارلي إبدو بـــ «تفعيل التعاون مع شركات الإنترنت الرئيسية لتزويد الأجهزة الأمنية والمخابرات بالتقارير السريعة حول بيانات المسافرين إلى داخل الحدود الأوروبية أو فيما بين الدول الأوروبية. واتباع سياسات غير رسمية لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي».[36]

ولم يقتصر إخضاع المسافرين الدوليين للمراقبة على تكثيف عمليات التفتيش الآنية التي يخضعون لها في المطارات، وإنما جرى فتح سجلات بمسارات تنقلاتهم وبمعلوماتهم الخاصة التي قد تصل حد استنطاق معتقداتهم الدينية وتفضيلاتهم الغذائية. على سبيل المثال «سمحت فرنسا، منذ 2006، تحت شروط معينة، للشرطة وللجمارك بالحصول على بيانات شخصية للمسافرين من شركات الطيران المدني في إطار ما يعرف بقاعدة بيانات المسافرين جوًا، لدى حجز وشراء تذكرة السفر لكل مغادر لفرنسا، أو قادم إليها. وكذا جمع المعلومات الحساسة والممنوعة، مثل الانتماء الديني أو العرقي للمسافر، وحتى طبيعة الوجبة الغذائية (حلال مثلا) التي يطلبها المسافر، ويتم الاحتفاظ بهذه المعطيات لخمس سنوات».[37]

وبينما كان السبب الأساسي لأوامر المراقبة هو الاستعاضة عن ممارسة الاحتجاز لأجل غير مسمى، فقد تم الاستمرار في حرمان الأفراد الذين يُعتبرون «مشتبه بهم» من الحق في محاكمة عادلة. وبدلًا من توجيه الاتهام إليهم ومحاكمتهم، قدمت أوامر المراقبة أسبابًا لمعاملتهم على أنهم محل مخاطر أمنية يمكن احتوائها، في غياب أي دليل واضح على جرائمهم.[38]

بقي أن نشير في النهاية إلى أنه بالنسبة للدول الاستبدادية أو التسلطية، وعلى غرار بعض ممارسات المراقبة التي تم تقليدها عن الدول الغربية في إطار عولمة أمننة الإرهاب، وكذا فيما يتعلق تبعًا لذلك بالتعامل مع المشتبهين بالإرهاب خارج القانون وبالتالي حرمانهم من التمتع بحقوقهم الأساسية؛ فقد تم في بعض الحالات استغلال سياق سياسات مكافحة الإرهاب، خاصةً في ظل توسيع دائرة التهديدات المُكيّفة على أنها مخاطر أمنية؛ للنيل من الخصوم السياسيين. إذ أنه «بالتوازي مع استخدام تعريف فضفاض للإرهاب، فقد دعت هذه الفصيلة من السياسات إلى أمننة الاختلاف والمعارضة، حيث يمكن بسهولة تصنيف أي فكرة تعتبر راديكالية أو متطرفة على أنها تهديد محتمل للأمن القومي».[39]

الحرب على العراق: مسوّغات فاشلة وتداعيات ممتدة

في 2003، سبقت الحرب على العراق تحركات للأمننة في الخطابين السياسي والإعلامي استهدفت تقديم العراق كتهديد أمني وجودي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتان عبّأتا وقادتا الحرب. «فخلال حملة إدارة (جورج دبليو) بوش لأمننة العراق، أدلت شخصيات رئيسية بتصريحات في عدة مناسبات تشير لوجود صلة مباشرة بين نظام صدام حسين والقاعدة».[40] وسعت المصادر الإعلامية، لاسيما شبكات الأخبار التلفزيونية الرئيسية، لإظهار مدى وطنيتها، ومدى فخرها بكونها أميركية، والأهم من ذلك كيف كان سبب الحرب عادلًا. وعززت وسائل الإعلام السائدة في الولايات المتحدة هذه الصورة الأخلاقية بالتشجيع على التحركات نحو الحرب، واستبعاد أي تعبير عن الأصوات المعارضة أو المتشككة.[41] كما حاول توني بلير –رئيس الوزراء البريطاني السابق– إقناع الصعيدين المحلي والدولي ليس فقط بالخطر الحقيقي الذي يمثله وجود أسلحة الدمار الشامل في أيدي شخص مثل صدام حسين (مرحلة تحديد الهوية)، ولكن في الوقت نفسه بضرورة مواجهة التهديد من خلال استخدام القوة العسكرية (مرحلة التعبئة).[42]

وفي نقاشهما لاستناد المحافظين الجدد بشكل واقعي على التاريخ لفهم طبيعة التهديد المفترض في نظام صدام حسين، جادل كل من والتز وميرشايمر بكون «الاعتقاد بأن سلوك صدام في الماضي يُظهر أنه لا يمكن احتواءه يستند إلى تاريخ مشوه ومنطق خاطئ. ففي الواقع، يُظهر السجل التاريخي قدرة الولايات المتحدة على احتواء العراق بشكل فعال –حتى لو كان صدام يمتلك أسلحة نووية– تمامًا كما احتوت الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة».[43]

وبغض النظر عن نجاح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في عملية أمننة العراق، بحيث حازتا على موافقة برلمانيهما للذهاب إلى الحرب حتى مع انقسام الرأي العام المحلي حول الموقف منها، إلا أن عملية الأمننة الفعلية وُصفت على أنها فاشلة على المستوى الدولي بعدما أخفقت القوتان في إقناع غالبية دول الأمم المتحدة بشرعية الحرب، وشنتاها مع بضعة دول دون موافقة الأمم المتحدة ودون تفويض منها.

وعندما تبين أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل، ولم تكن له علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، «واصلت إدارة بوش إلقاء اللوم على المعلومات الاستخباراتية السيئة، وأشارت إلى وحشية نظام صدام حسين باعتبارها سببًا عادلًا للحرب. لم يكن هذا بالطبع هو الدافع المعلن قبل النزاع، وبالتالي يمكن اعتباره موقفًا احتياطيًا. هذا الموقف نفسه لا يمكن الدفاع عنه بناءً على أي أسس أخلاقية، بالنظر إلى دعم الولايات المتحدة للعديد من الأنظمة غير الديمقراطية في جميع أنحاء العالم».[44]

لم تكتف الولايات المتحدة من غزوها للعراق بالإطاحة بنظام صدام حسين، بل عملت على احتلال البلد وشرعت في إخضاعه لنزعتها الهيمنية، حيث أن «قرار الحاكم الأمريكي بحل وتصفية الجيش العراقي عام 2003 بدعوى التخلص من أتباع الرئيس العراقي السابق، كان يستهدف في الأساس حرمان العراق من الدعامة الأساسية والعمود الفقري للدولة؛ تسهيلًا لتفكيكها وإعادة تشكيلها من جديد طبقًا للرؤية الأمريكية».[45] فقد صورت إدارة بوش الاحتلال بعملية تحرير ستمكنها من تقديم نموذج يُحتذى به للتخلص من الأنظمة الاستبدادية، وبناء التجربة الديمقراطية الرائدة، حيث «فرضت ميتافيزيقا التاريخ أنه بمجرد الإطاحة بصدام حسين، يجب أن يصبح العراق بالضرورة سوقًا حرة نيوليبرالية وديمقراطية على النمط الأمريكي كما تصورها المحافظون الجدد».[46]

كما كشف احتلال الولايات المتحدة للعراق عن أطماعها في موارده على أساس أن «السيطرة على نفط العراق هي مفتاح الحصول على نحو ربع احتياطي العالم النفطي، دون أن نذكر الأرباح التي ستجنيها الشركات النفطية الأمريكية بعد إنهاء مصالح الشركات النفطية الروسية والفرنسية والصينية التي كانت قائمة في العراق قبل الغزو».[47] وقد سعت الولايات المتحدة إلى تحصين سيطرتها على النفط العراقي في مرحلة إنهاء الاحتلال العسكري بعقد الاتفاقية الأمنية مع حكومته، والتي تضمنت موادًا «تخل بالسيادة العراقية، مثل إغفال الاتفاقية إنهاء حالة الاحتلال سياسيًا».[48] فمن الواضح أن الاتفاقية نصت على جلاء القوات المحاربة دون غيرها، وإبقاء حوالي أربعين ألف جندي بحجة تدريب الجيش العراقي. ثم إن الحكومة الأمريكية، بقيادة أوباما أو غيره، المصابة بأزمة اقتصادية عميقة، لا تستطيع إخلاء قواعدها الضخمة في العراق، بعدما أنفقت على إنشائها أكثر من 600 مليار دولار.[49]

في الوقت نفسه، عجزت سلطة الاحتلال الأمريكية عن تقديم نظام بديل يسد فراغ السلطة بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق صدام حسين، بل أفرزت الانتخابات نظامًا غير مستقر، ينخره الفساد والمحاصصة الطائفية والعرقية؛ وهكذا «تحول العراق، في ظل الاحتلال إلى دولة فاشلة وربما لا دولة فعلية، وحرص الاحتلال على وجود نظام لا يتوافق عليه جميع فئات الشعب العراقي»،[50] بل نظام سياسي طائفي لم يؤد بسياساته الإقصائية إلى اندلاع حرب أهلية حقيقية فحسب، وإنما أعاق بناء الدولة القومية في مرحلة ما بعد نهاية الاحتلال الأمريكي.

فعلى سبيل الذكر، استمر المالكي في مهاجمة المدن العربية السنية بدعوى مكافحة الإرهاب، وأطلق يد الميليشيات المتحالف معها من خلال مئات عمليات الاغتيال، والتفجيرات، والاعتقالات العشوائية.[51] وتنفذ الحكومة العراقية مرارًا وتكرارًا مثل هذا النوع من الحملات، وفي كثير من الأحيان تستخدم الحكومة العراقية تكتيكات الميليشيات العسكرية. وتهاجم المناطق السكنية وتدمر الممتلكات وتضع الكثير من العراقيل والقيود لشل حركة الأشخاص، وتنفذ اعتقالات دون مذكرات توقيف ودون وجود أي أدلة. ويتضح المستوى غير المتكافئ في استخدام القوة من جانب الحكومة العراقية عن طريق استعانتها بالدبابات والمروحيات وبمركبات الجيش والمدفعية.[52]

في هذا الإطار، ظلت السلطات المطلقة للحكومة العراقية تستند على قانون مكافحة الإرهاب الصادر تحت الاحتلال الأمريكي عام 2005، وعلى خدمات جهاز مكافحة الإرهاب الذي تأسس عام 2007 ودربته الولايات المتحدة وزودته بأحدث الأجهزة والمعدات العسكرية. حيث واصلت تنفيذ «عمليات الاعتقال العشوائي، والاحتجاز لمدة طويلة من دون محاكمة، واعتقال أقارب المطلوبين من النساء بهدف الضغط عليهم لتسليم أنفسهم»،[53] فضلًا عن شن حملات بحق المعارضين رغم الافتقار لأدلة تثبت تورطهم في أنشطة إرهابية، واستغلال حالة الطوارئ الأمنية لاستخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين السلميين. وبلغ الارتجاف الأمني للحكومة العراقية حد توظيف ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية، التي تأسست سنة 2014 في عهد المالكي وبدعم من إيران، في المكافحة الميدانية للإرهاب، إلا أن هذه القوات انحرفت عن مهماتها القتالية حينما أخذت تنفذ هجمات طائفية بحق السكان السنة.

وترتب على إساءة استخدام قانون مكافحة الإرهاب من جانب القوات العسكرية والأمنية، عدم وجود محاكمات عادلة داخل النظام الجنائي العراقي، الأمر الذي اتضح بجلاء في الاحتجاز التعسفي والتعذيب وعقوبة الإعدام، حيث «فشلت هيئة السلطة القضائية في القيام بالتزاماتها بضمان محاكمة عادلة للمتهمين بسبب خضوعها لشروط السلطة التنفيذية، بقبولها التحقيق القضائي في أماكن الاحتجاز غير القانونية، فضلًا عن الاستناد لنتائج التحقيقات الابتدائية التي تجريها جهة الاحتجاز غير القانونية، في مخالفة صريحة لما استقر عليه القانون بعدم جواز الجمع بين جهتي الاحتجاز والتحقيق بيد جهة واحدة».[54]

من جهة أخرى كان دخول القوات الأمريكية إلى بغداد عام 2003، بداية انزلاق العراق إلى منحدر عنف لا يتوقف، وإن تغيرت أطرافه وأهدافه، كما كان بمنزلة العامل المشترك في نشأة عدة تنظيمات مسلحة في العراق –سواء كانت تنظيمات وطنية داخلية، أو أخرى جهادية عابرة للحدود–[55] دخلت في حرب تمرد ومقاومة ضد القوات الأمريكية وكثفت من عمليات التجنيد والأعمال الانتحارية. وحتى بعد انسحابها، لم تهتم الإدارة الأمريكية «سوى بالحفاظ على مصالحها ببقاء العراق المتصارع دون انفراط عقده، وضمان تدفق النفط من أراضيه».[56] حيث أن انشغالها تاليًا بثورات الربيع العربي جعلها تترك العراق لمصيره في مواجهة هذه التنظيمات بعدما كانت السبب الرئيسي في ظهورها، وهو ما سمح بتمدد تنظيم «داعش» الذي نشأ في ظل استعداء النظام العراقي الحاكم للسنة، وتحالف مع مسلحي العشائر السنية، الأمر الذي أظهر الدولة العراقية ليس فقط كدولة فاشلة وإنما كذلك دولة رخوة وأسيرة بعد تمكن «داعش» من السيطرة على مجموعة من المدن العراقية وعلى مصافي للنفط وإقامة معسكرات للتدريب ولإعاشة المقاتلين الأجانب بعد إعلانه عن قيام دولة الخلافة. في نهاية المطاف، بات العراق هشًا أمام كل أنواع التدخل السياسي والعسكري والأمني، ليس فقط من جانب الفاعلين غير الدوليين مثل «داعش» ومثيلاتها، وإنما أيضًا من جانب القوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها إيران التي أصبح العراق بالنسبة لها، من خلال التحالف مع القوى السياسية الشيعية، بمثابة ساحة جيوسياسية لإبراز دورها الإقليمي.

ففي ظل تعويم مفهوم الإرهاب وبالتالي توسيع نطاق مكافحته، لم يعد التدخل في شئون العراق حكرًا على القوى الغربية منذ إعلان الحرب عليه، فقد باتت إيران تحت المبرر ذاته «تملك من القدرة والنفوذ في الداخل العراقي بعد سقوط النظام عام 2003 ما يتيح لها عدم السماح بقيام أي حكومة عراقية معادية لها، وبما يجعلها فاعلًا أساسيًا لا يمكن تخطيه عند تقرير أي شأن عراقي، أو أي شأن إقليمي من البوابة العراقية»،[57] حيث تحولت مهمة محاربة تنظيم «داعش» وحلفائه بين عشية وضحاها من مهمة وطنية إلى شأن طائفي شيعي، واعتمد الحكم في بغداد في آخر فترة حكومة «المالكي» في التعامل معه والتصدي له على ميليشيات من الشيعة العراقيين أو الإيرانيين.[58] إذ سارعت إيران لدعم العراق بالأسلحة والعتاد والخبراء والمستشارين، وعلى رأسهم الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» الذي قاد الحرب ضد «داعش» مع قوات «الحشد الشعبي» والتي تشكل أغلبها من فصائل مسلحة موالية لطهران. وحتى بعد الانتهاء من حرب «داعش» تحولت بعض هذه الفصائل إلى حركات سياسية، في خطوة يُراد منها توسيع قاعدة السلطة الشيعية المتعاطفة مع طهران.[59]

جدير بالذكر أنه بالكيفية نفسها التي حال التدخل الإيراني في الشأن العراقي دون توحيد مكوناته الثلاثة (السنة والأكراد والشيعة) ضد التهديد المشترك الذي جسده تنظيم «داعش» للمكونات العراقية الثلاثة (السنة والشيعة والأكراد)، يستمر في معاكسة الفرص لتبلور هوية عراقية جامعة قد تشكل لبنة أساس في سبيل بناء دولة وطنية متماسكة.

خاتمة

اهتدت الدراسة إلى أن ردة الفعل تجاه التهديدات الإرهابية بعدما جرى تضخيمها، كانت غير مبررة وجاءت آثارها على النقيض تمامًا مما كان مأمولًا. كما بيّنت طبيعة هذه المبالغة ومداها وعواقبها على الحقوق والحريات الأساسية، وكشفت الكيفية التي تعمل بها سرديات مكافحة الإرهاب على إضفاء الشرعية على الخطاب المناهض للإرهاب وإجراءات ردة الفعل اتجاهه.

وفي الوقت الذي أصبحت سياسات مكافحة الإرهاب، خطابًا وممارسةً، جزءً لا يتجّزأ من أنطولوجيا الدولة النيوليبرالية، بيّنت الدراسة الطبيعة غير الأخلاقية لهذه السياسات، وافتقادها المعيارية الحقوقية، وعدم فعاليتها، وآثارها المُقوِّضة لسيادة القانون، ودورها في إجهاض جهود الحد من الإرهاب.

فقد آلت استراتيجيات مكافحة الإرهاب إلى الفشل بكل المقاييس، ليس لتكلفتها الحقوقية الباهظة، ولكن بالأساس لكونها أخفقت في تقويض الظاهرة الإرهابية، بل على العكس مما كان مرغوبًا فيه، أفرزت فاعلين إرهابيين جدد. فالحرب على العراق مثلًا لم تكن نتيجتها حاسمة وإيجابية ومؤسسة للاستقرار.

إن عمليات مكافحة التطرف والإرهاب الناجحة هي أي شيء بخلاف استخدام القوة والعنف. حيث المكافحة الفعلية تتطلب الانشغال بمسببات الإرهاب؛ فالحقوق تبطل الإرهاب، وبالعكس الاعتداء عليها يولد الكراهية التي تعيد إنتاجه. لذلك، يتوجب في المقابل اتباع نهج قائم على حقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب، ليس فقط من خلال الموازنة بينهما، ولكن أخذًا بعين الاعتبار القدرة العلاجية لحقوق الإنسان من الإرهاب، ولعل ذلك يمر عبر إضفاء الطابع الإنساني على النقاش حول أمن الدولة، والترويج لخطاب يستخدم مصطلحي الأمن البشري والكرامة الإنسانية، ليستقر انتهاءً في السياسات والقرارات التي يتم اتخاذها. كما يقتضي ذلك ضرورة إعادة ترسيم حدود سلطة الدولة بما يجعل من الصعب عليها ممارستها دون قيود بالادعاء أن أفعالها هي استخدام مبرر لفرض الأمن.

[1] الشريف، حمدي (2016). نظرية الحرب العَادِلَة بين اليُوتُوبيا والأيديولوجيا. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 18 أبريل، تاريخ الاطلاع 3 مايو 2021، http://bit.do/fQGsS.
[2] برونستلر، دانييل ر. وأودريسكول، سيان (2018). مفكروا الحرب العادلة: من شيشيرون إلى القرن 21 (Just War Thinkers: From Cicero to the 21st Century). لندن ونيويوروك: روتلدج. 1.
[3] قواعد القانون الدولي بالأساس بوصفه القانون المُنظِّم لالتزامات الدول وحقوق الإنسان في زمن الحرب.
[4] ك. شان، دافيد (2012). ما بعد الحرب العادلة: نهج أخلاقيات الفضيلة (Ethics Approach Beyond Just War: A virtue). نيويورك: بلغراف ماكميلان. 33.
[5] و. لانغو، جون (2014). أخلاقيات النزاع المسلح: حرب عالمية عادلة (The Ethics of Armed Conflict: A Cosmopolitan Just War). إدنبورغ: مطبوعات إدنبورغ. 108-109.
[6] ستاتمان، دانييل (2013). هل يمكن اندلاع الحروب بعدل؟ وضع شرط الضرورة محل اختبار(Can Wars be Fought Justly? The Necessity Condition Put to the Test). في توم بروكس (محرر)، نظرية الحرب العادلة (Just War Theory). (81-97) لايدن-بوسطن: بريل. 82.
[7] البهي، رغدة (2017). الشرعنة الأخلاقية للقوة العسكرية.. الحرب العادلة نموذجًا. ملحق اتجاهات نظرية، مجلة السياسة الدولية، 209، 13-18. 13.
[8] هركا، طوماس (2005). التناسب في أخلاقية الحرب (Proportionality in the Morality of War). مجلة فلسفة الشئون العامة، 33 (1)، 34-66.
[9] ستاتمان، دانييل. مرجع سابق.
[10] مايسيلس، تامار (2018). الحرب العادلة المعاصرة: النظرية والتطبيق (Contemporary Just War: Theory and Practice). نيويورك: روتلدج. 37.
[11]دوبيك، جيمس م. (2020). القتال مقابل شن الحرب: إعادة التفكير في الحرب العادلة بعد أفغانستان والعراق (Fighting Versus Waging War: Rethinking Jus in Bello after Afghanistan and Iraq). في كراهام بارسونز، ومارك إ. ويلسون (محرران)، والزر والحرب: قراءة في الحروب العادلة والظالمة اليوم (Walzer and War: Reading Just and Unjust Wars Today). (125-155) نيويورك: بلغراف ماكملان. 130.
[12] شاون، كابلان (2013). الحرب العقابية، مكافحة الإرهاب، والحرب العادلة (Punitive Warfare, Counterterrorism, and Jus Ad Bellum). في فريتز ألهوف، نيكولاس ج. إيفانس، آدم هنسشك (محررون). دليل روتليدج للأخلاق والحرب نظرية الحرب العادلة في القرن الحادي والعشرين (Routledge handbook of ethics and war: just war theory in twenty-first century). (236-249) نيويورك ولندن: روتليدج. 236.
[13] و. لانغو، جون. مرجع سابق. 109.
[14] بشارة، عزمي (2017). الإرهاب: بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟. مجلة سياسات عربية، 29(6)، 7-19. 8.
[15] تاوزند، تشارلز (2014). الإرهاب: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة طنطاوي محمد سعد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. 124.
[16]شولزكن، ماركوس (2017). نظرية الحرب العادلة والخسائر المدنية: حماية ضحايا الحرب (Just War Theory and Civilian Casualties: Protecting the Victims of War). كامبريدج: مطبوعات كامبريدج. 34.
[17] شادي، عبد الوهاب وخليفة، إيهاب (2019). الاستخدامات العدائية لـ«الدرونز» في صراعات الشرق الأوسط. مجلة اتجاهات الأحداث، 31 (4)، 8-21. 12.
[18] بشارة، عزمي. 14.
[19] ميلر، سوماس (2013). نظرية الحرب العادلة ومكافحة الإرهاب (Just War Theory and Counterterrorism). في فريتز ألهوف، نيكولاس ج. إيفانس، آدم هنسشك (محررون). دليل روتليدج للأخلاق والحرب نظرية الحرب العادلة في القرن الحادي والعشرين (Handbook of Routledge Ethics and War: Just War Theory in Twenty-First Century) (226-235). نيويورك ولندن: روتليدج. 232.
[20] ستريتزل، هولجر (2014). الأمن في تحول: نظرية الأمننة وتوطين التهديد (Security in Translation: Securitization Theory and the Localization of Threat). نيويورك: بلغراف ماكميلان. 36.
[21] بارتوال داتا، مونيكا (2012). فهم الممارسات الأمنية في جنوب آسيا: نظرية الأمننة ودور الفاعلين من غير الدول (Understanding Security Practices in South Asia: Securitization Theory and the Role of Non-State Actors). نيويورك: روتلدج. 6.
[22] قاسي، فوزية (2019). أثر خطاب الأمننة على تطور الدراسات الأمنية بعد أحداث 9/11: إسهامات مدرسة كوبنهاجن. مجلة العلوم القانونية والسياسية، 1، 1498-1515. 1509.
[23] عمرو، صلاح (2017). إطار تحليلي لجدل الأمن والديمقراطية.. حالة «داعش». ملحق اتجاهات نظرية، مجلة السياسة الدولية، 207 (1)، 11- 18. 12.
[24] فولتي، فريد (2011). الأمننة كإطار إعلامي: ما الذي يحدث عندما تتكلم وسائل الإعلام عن الأمن؟ (Securitization as a Media Frame: What Happens When the Media ‘Speak Security’). في تيري بلزاك (محرر)، نظرية الأمننة: كيف تظهر المشاكل الأمنية وكيف تُحل؟ (Securitization Theory: How Security Problems Emerge and Dissolve) (93-77). نيويورك: روتليدج. 91.
[25] المرجع  السابق. 84.
[26] ويليامس، ميكائيل س. (2003). كلمات، صور، أعداء: الأمننة والسياسة الدوليةWords, Images, Enemies: Securitization and) (International Politics. مجلة الدراسات الدولية الفصلية، 47، 511-531. 524.
[27] المرجع السابق. 525.
[28] ديكسيت، بريا (2016). الأمننة والإرهاب: تحليل استخدام الدول لخطاب الإرهاب (Securitization and Terroristization: Analyzing State Usage of the Rhetoric of Terrorism). في كوش بتينا (محرر)، إرهاب الدولة، عنف الدولة، وجهات نظر عالمية (State Terror, State Violence: Global Perspectives) (50-31). نيويورك: سبرنجر. 34.
[29] ماسفرير، أنسيتو (2012). الأمن، العدالة الجنائية، وحقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب بعد مرحلة 11 سبتمبر (Introduction: Security, Criminal Justice and Human Rights in Countering Terrorism in the Post 9/11 Era). في أنسيتو ماسفرير (محرر): ما بعد 11 سبتمبر وحالة الطوارئ القانونية الدائمة: الأمن وحقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب (Post 9/11 and the State of Permanent Legal Emergency: Security and Human Rights in Countering Terrorism) (1–11). نيويورك ولندن: سبرنجر. 2.
[30] غالي، فرانسيسكا (2013). حرية الفكر أم جرائم الفكر؟ مكافحة الإرهاب وحرية التعبير (Freedom of Thought or Thought-Crime? Counter-Terrorism and Freedom of Expression). في أنسيتو ماسفرير، وكليف وولكر (محرران). مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان وسيادة القانون: عبور الحدود القانونية دفاعًا عن الدولة (Counter-Terrorism, Human Rights and the Rule of Law: Crossing Legal Boundaries Defence of the State) (106-127). شلتنهام ونورتهامبتون: إدوارد إلغار للنشر. 106.
[31] كولدر، بين ووليام، جورج (2006). التوازن بين الأمن القومي وحقوق الإنسان: تقييم الاستجابة القانونية لدول القانون المشترك لتهديد الإرهاب (Balancing National Security and Human Rights: Assessing the Legal Response of Common Law Nations to the Threat of Terrorism) مجلة تحليل السياسة المقارنة، 8(1)، 43-62. 50.
[32] ماسفرير، أنسيتو (2013). هشاشة الحقوق الأساسية في أصول الدستورية الحديثة: تأثيرها السلبي في حماية حقوق الإنسان في عصر «الحرب على الإرهاب» (The Fragility of Fundamental Rights in the Origins of Modern Constitutionalism: Its Negative Impact in Protecting Human Rights in the ‘war on terror’ era). في أنسيتو ماسفرير، وكليف وولكر (محرران). مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان وسيادة القانون: عبور الحدود القانونية دفاعًا عن الدولة (Counter-Terrorism, Human Rights and the Rule of Law: Crossing Legal Boundaries in Defence of the State) )37-61(، شلتنهام ونورتهامبتون: إدوارد إلغار للنشر. 43.
[33] المرجع السابق.
[34] البحيري، أحمد كامل (2015). جدلية العلاقة بين الديمقراطية والسياسات الأمنية لمكافحة الإرهاب. مجلة الديمقراطية، 60 (4)، 96-106. 104.
[35] سليمان، سماء (2018)، حدود استجابة دورة الاستخبارات للتهديدات غير التقليدية. ملحق اتجاهات نظرية، مجلة السياسة الدولية، 214 (4)، 17-22. 14.
[36] البحيري، أحمد كامل. 103.
[37] بن عنتر، عبد النور (2015). أوربا بين الإرهاب المحلي العابر للأوطان. مجلة السياسة الدولية، 200 (3)، 72-75. 74.
[38] إبيك، ديميرسو (2017). مكافحة الإرهاب وآفاق حقوق الإنسان: أمننة الاختلاف والمعارضة (Counter-Terrorism and the Prospects of Human Rights: Securitizing Difference and Dissent) شام: بلغراف ماكميلان. 91.
[39] المرجع السابق، 133.
[40] سياران، أوريلي (2008). الوطنية في فترة الذروة: الإعلام الإخباري وأمننة العراق (Primetime Patriotism: News Media and the Securitization of Iraq). مجلة السياسة والقانون، 3(1)، 66-72. 70.
[41] المرجع السابق، 71.
[42] رو، بول (2008). الفاعل والجمهور وإجراءات الطوارئ: الأمننة وقرار المملكة المتحدة بغزو العراق (Actor, Audiences and Emergency Measures: Securitization and the UK’s Decision to Invade Iraq). مجلة الحوار الأمني، 6(39)، 615-635، 624.
[43] فان ريتهوفن، إريك (2016). مخاطر المناصرة الواقعية ووعد نظرية الأمننة: إعادة النظر في تراجيديا الجدل حول حرب العراق (The Perils of Realist Advocacy and the Promise of Securitization Theory: Revisiting the Tragedy of the Iraq War Debate). المجلة الأوربية للعلاقات الدولية، 22(3)، 487-511. 495.
[44] سياران، أوريلي. 66.
[45] سيد أبو زيد، عمر (2013). العراق وحكم الطوائف. مجلة شئون عربية، 153، 88-96. 89.
[46] كامبيون، نيكولاس (2018). الطوباوية والحرب العادلة: غزو العراق عام 2003 (Utopianism and Just War: The Invasion of Iraq in 2003). مجلة كتب المحكمة، 16(10)، 253-266، 263.
[47] المزروعي، مثنى مشعان (2010). الأهمية الاستراتيجية لنفط العراق في منظور الولايات المتحدة الأمريكية. مجلة المستقبل العربي، 367(7)، 57-76. 70.
[48] عطوان، خضر عباس وحافظ، عبد العظيم جبر(2011). السيادة: دراسة في ضوء الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة لعام 2008. المجلة العربية للعلوم السياسية، 32، 94-114. 114.
[49] مجيد، كمال (2009). الطائفية في العراق.. إلى أين؟. مجلة المستقبل العربي، 370(12)، 129-133. 130.
[50] السيد، دلال محمود (2017). متلازمة التدهور: بحثًا عن مقاربة نظرية لفشل الدولة في الشرق الأوسط. ملحق تحولات استراتيجية، مجلة السياسة الدولية، 208، 7-12، 10.
[51] الأنور، محمد (2014). حكومة العبادي وحصاد سياسات المالكي. مجلة السياسة الدولية، 198(4)، 144-147. 144-145.
[52] مركز جنيف الدولي للعدالة (2017). نداءات المركز: إرهاب الدولة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، 13 يناير. تاريخ الاطلاع 24 يوليو 2021، https://bit.ly/3ztyyzG.
[53] الكبيسي، يحيى (2013). العراق: الاحتجاجات وأزمة النظام السياسي. مجلة سياسات عربية. 2، 90-99. 90.
[54] المرجع السابق، 92.
[55] بكر، علي (2014). العنف في العراق وصعود النمط «الداعشي»، مجلة السياسات الدولية،198، 90-95. ، 90.
[56] أبو زيد، عمر سيد. 95.
[57] عتريسي، طلال (2015). الرهانات الإقليمية لتركيا وإيران بعد «الربيع العربي». مجلة شئون عربية.161(3)، 45-54. 53.
[58] عبد الناصر، وليد محمود (2015). مكاسب إيران وخسائرها من الحرب على الإرهاب. مجلة السياسة الدولية، 199(1)، 108-111. 109.
[59] فرهاد، علاء الدين (2020). إيران وسياسات الهيمنة على العراق. جريدة الشرق الأوسط، 21 فبراير، تاريخ الاطلاع 25 يوليو 2021، https://bit.ly/3rxb5uW.

Read this post in: English

اظهر المزيد

نبيل زكاوي

أستاذ باحث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى