مراجعات كتب

مراجعة لكتاب «في حب الإنسانية» لعائشة شوبكشو

رسمت الحركة المناهضة للحرب في فيتنام ملامح عقد من الزمن، وذلك بموسيقاها ومثابرتها وغايتها. وقد واصلت إحدى سمات هذه الحركة، على الأقل، إلهام الآخرين لوقت طويل بعد انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام. حيث شهد عام 1967، وتحت رعاية الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، انعقاد محكمة راسل التي تولت التحقيق في سلوك القوات المسلحة الأمريكية في فيتنام. وعلى غرار النموذج الذي تم وضعه في 1967؛ احتشد نشطاء من مختلف أنحاء العالم في إسطنبول في عام 2003 لتأسيس محكمة المواطنين بهدف تقييم غزو العراق بواسطة ما عُرف آنذاك باسم “تحالف الإرادة”. وفي غضون عامين، عَقدت المحكمة العالمية بشأن العراق (WTI) عشرين جلسة في جميع أنحاء العالم؛ لتقييم غزو واحتلال العراق من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

وقد قامت عائشة شوبكشو Ayça Çubukçu، الباحثة في الأنثروبولوجيا والمدير المشارك لبرنامج حقوق الإنسان في قسم علم الاجتماع بكلية لندن للاقتصاد، بتتبع عمل المحكمة العالمية بشأن العراق بشكل دقيق. وأثمر هذا الجهد عن كتاب (في حب الإنسانية: المحكمة العالمية بشأن العراق) الذي يقع في 224 صفحة، وصدر عن منشورات جامعة بنسلفانيا في عام 2018. وهو عمل بحثي يعتمد في سرده لأنشطة المحكمة على المصادر الأصلية، فضلًا عن تناوله للأسئلة الأساسية التي تحتم على المحكمة مواجهتها. وفي سبيل التأريخ لقصة المحكمة؛ اعتمدت شوبكشو منهجية إثنوغرافية؛ حيث تعمقت في دراسة عمل المحكمة حتى تتمكن من مراقبة ممارساتها وإجراءاتها بشكل نوعي.[1] فضلًا عن ذلك؛ تمكنت الكاتبة من المزج بين ملاحظاتها الشخصية من جهة، والقراءات وثيقة الصلة في الفلسفة والنظرية السياسية من جهة أخرى. وهو ما يجعلني أعتقد أن القصة التي يقدمها الكتاب للمحكمة قد تضافرت ببراعة، على سبيل المثال لا الحصر، مع تأملات ميشيل فوكو حول مفهوم العدالة الشعبية، ومع أطروحات يورجن هابرماس بشأن الديمقراطية، ومع أفكار إتيان باليبار عن السيادة. في نحو خمسة فصول، تقاسمت شوبكشو المنظور الخاص لمن شارك في المحكمة العالمية بشأن العراق. فهي لم تشرع في بناء السرد مكتفية بملاحظاتها الخاصة، إلا أنها استخدمت أيضًا المصادر الأولية، مثل نصوص الرسائل الإلكترونية الخاصة بالاجتماع التأسيسي  للمحكمة.

وهكذا، استطاعت المؤلفة، بشكل لاذع، توضيح كيف صاغت وجهات النظر والأيديولوجيات والأهداف المتضاربة عمل المحكمة العالمية بشأن العراق. ويعد الانقسام الذي واجهته المحكمة في بدايتها هو الخيط الناظم للكتاب؛ حيث شهدت الجلسة الرئيسية للمحكمة مأزقًا بين التقيد المزعوم بالمنظور القانوني والمنظور السياسي.

أولاً، اعتبرت المقاربة القانونية أن القانون الدولي هو لغة التعامل المشتركة lingua franca للمحكمة العالمية بشأن العراق. ويعد اصطفاف المحكمة مع القانون الدولي أمرًا بديهيًا؛ فمن خلال وضع عملها وإجراءاتها في إطار القانون الدولي، فإن المحكمة تضمن شرعيتها إلى أقصى مدى ممكن.[2] كما أن “مصداقية” و”حياد” القانون الدولي سيسمحان للمحكمة بتجاوز الانقسامات السياسية، ويساعداها في أن تصبح أكثر من مجرد حملة مناهضة للحرب. إلا أنه على الرغم من ذلك، فإن تصنيف الحقائق تحت قواسم قانونية مجردة، يجعل هذه المقاربة المزعومة تجازف بالتغاضي عن خصوصية القضية العراقية. على سبيل المثال، لم يسع القانونيون إلى معالجة المقاومة العراقية الفعلية ضد الاحتلال الأمريكي، و لجأوا بدلًا من ذلك إلى الحق العام في تقرير المصير. ويمكن القول إن مثل هذا الجهل بالكفاح الفعلي ضد الاحتلال –تلبيةً لما تفرضه المبادئ القانونية المجردة– قد غامر بقطع الصلة بين المحكمة والواقع السياسي.

في المقابل، قدّم المنظور السياسي ردًا على المدافعين عن القانون الدولي؛ حيث سعى أنصار هذه الرؤية إلى تأسيس شرعية المحكمة العالمية بشأن العراق في الحركة العالمية المناهضة للحرب، وذلك بدلًا من محاكاة المؤسسات والإجراءات القائمة. في وجهة نظرهم، فإن المحكمة قد اكتسبت شرعيتها من الحشد الهائل لـ “مواطني العالم”، بديلًا عن الاعتماد على المعجم القانوني. بالإضافة إلى ذلك، جادل أنصار المنظور السياسي بأن المحكمة العالمية كانت متحيزة منذ البداية، ولا يمكن الزعم بأنها مؤسسة محايدة للقانون الدولي؛ نظرًا لتحيزها من البداية ضد الغزو الأمريكي للعراق. ولكن في النهاية انتصرت البراجماتية. إذ لم ينجح نص النظام الأساسي للمحكمة، والذي تم تضمينه في ملاحق الكتاب، في حسم التنافس بين كلا المنظورين بشكل قاطع. وقد استطاعت شوبكشو أن توضح ببراعة لماذا كان هذا أمرًا متوقعًا.

على الرغم من الجدالات الساخنة، إلا أن أنصار المنظورين القانوني والسياسي كان بينهم درجة من التقارب، ففي النهاية، يمكن لكلا الجانبين الاحتماء بـ العالمية القانونية، أو “إضفاء الطابع المؤسسي على المجتمع المدني العالمي وتطوير قانون ونظام عالميين استنادًا إلى عالمية حقوق الإنسان”.[3] وقد أسهب الكتاب في استكشاف مظاهر هذه الازدواجية. ويمكن تمييز إحدى هذه المظاهر في عمل المنظمات غير الحكومية العالمية، فعلى سبيل المثال، أيدت منظمة العفو الدولية كتابة دستور عراقي جديد “قائم على حقوق الإنسان”؛ رغم أن الكثيرين اعتبروا الحكومة نفسها لا تتمتع بالشرعية. كما أشار الكتاب إلى تدخل حلف الناتو عام 1999 في كوسوفو، حيث كان من بين المعارضين لغزو العراق مؤيدين مخلصين لقصف كوسوفو. وأخيرًا، يلاحظ الكتاب أن مبدأ الأمم المتحدة بشأن المسئولية عن الحماية (حماية الإنسانية تسوّغ التدخل العسكري)[4] يؤيد الخطاب المتناقض لـ “صقور حقوق الإنسان”.

وتشير شوبكشو إلى أنه في خضم الجدال والافتقار للاتساق، فإن المجتمع الدولي والمجتمع المدني العالمي قد تجاهلا بسهولة رأي العراقيين أنفسهم. وهو ما يؤيده زعم البعض بأنه حتى في أثناء الاجتماع التأسيسي للمحكمة العالمية بشأن العراق، لم يبد أحدًا اهتمامًا صريحًا بالكيفية التي يرى بها العراقيين المحكمة. بعبارة أخرى، فإن الحقوق العالمية واصلت إحراز النصر على حساب استقلال الشعوب. هذه الإشكالية مثلت الموضوع الرئيس للفصل الختامي، والذي حاولت فيه شوبكشو الربط بين إمبراطورية القانون وقانون الإمبراطورية. ففيما تتطلب الأولى تعزيز الحقوق العالمية؛ إلا أنه يمكن اعتبارها بمثابة إعادة اختراع للأخيرة، الإمبريالية عتيقة الطراز. وفي إطار تأمل العلاقة الوثيقة بين القانون الدولي والإمبريالية؛ استلهمت شوبكشو بعض الأفكار من العمل الرائد لأنتوني آنجي: الإمبريالية، السيادة وصناعة القانون الدولي.[5]

جدير بالذكر أنه مع الأخذ في الاعتبار الرؤية النقدية التي قدمتها المؤلفة بشأن النظام القانوني الدولي، إلا أن بعض الأمور التي تم التغاضي تعد لافتة للنظر. فعلى الرغم من نشر الكتاب في عام 2018 –بعد أكثر من عشر سنوات منذ انعقاد الجلسة الختامية للمحكمة العالمية بشأن العراق –إلا أن نطاق الكتاب يظل أسيرًا لأنشطة المحكمة بشكل صارم. ربما تأتي هذه الملاحظة بعد فوات الأوان، وبرغم ذلك، فإن هناك الكثير الذي يمكن قوله عن حرب العراق وعواقبها، فضلًا عن إرث المحكمة العالمية بشأن العراق –إن وجد. أولًا، لقد شهد العراق حربًا أهلية، ولا يزال الصراع متفشيًا في البلاد. ثانيًا، أجرت المملكة المتحدة تحقيقًا رسميًا وكانت نتيجة التحقيق إدانة تورط البلاد في الحرب. وأخيرًا، فإن الأحداث التي شهدتها المنطقة تدعم بجلاء الرؤية النقدية التي قدمها الكتاب للنظام القانوني الدولي. على سبيل المثال، كان التدخل السريع لقوات الناتو في ليبيا متذرعًا بالوضع الإنساني، فيما لا يزال المجتمع الدولي يسجل إخفاقاته في معالجة النزاعات الأخرى، مثل الحروب الأهلية في سوريا واليمن.

حتى فيما يتعلق بإطار عمل المحكمة العالمية بشأن العراق، يظل الكتاب مكبلًا بالقيود. فقد اكتفت شوبكشو بالتركيز على مناقشة الجلستين الافتتاحية والختامية للمحكمة، واللتين عقدتا في إسطنبول، كما ناقشت بإسهاب جلسة المحكمة التي عقدت في بروكسل في أبريل 2004 (والتي باتت تسمى محكمة BRussells) فيما لم تحظ الجلسات الأخرى التي عُقدت في جميع أنحاء العالم بالاهتمام الكافي في الكتاب. وبرغم ذلك، لا مناص من القول بأن المؤلفة قدمت مساهمة آسرة في أدبيات المحكمة العالمية بشأن العراق، تتجاوز كتاب موج جورسو سوكمن Müge Gürsoy Sokmen المنشور في 2008 (المحكمة العالمية بشأن العراق: رفع الدعوى ضد الحرب)، والذي اكتفى بتناول نتائج الجلسة الختامية.[6] بالإضافة إلى ذلك، فإن تعبير شوبكشو عن الأصوات البديلة يجعل الكتاب جديرًا باهتمام الباحثين الأكاديميين في القانون الدولي والممارسين له على السواء؛ فالكتاب دون شك سيحثهم على التأمل النقدي في مجال دراستهم وتخصصهم. وفي النهاية، ربما تكمن الرسالة الأساسية للمحكمة العالمية بشأن العراق في أن النظام الدولي الذي يتغاضى بشكل غير منضبط عن العنف؛ بزعم حب الإنسانية، يحتاج إلى إعادة تقييم.

ترجمة : رجب سعد

[1] جيرسون، جانيت (2019). في حب الإنسانية: المحكمة العالمية بشأن العراق. دورية الشرق الأوسط 73.3. 496-498.

[2] كويجلي، جون (2019). في حب الإنسانية: المحكمة العالمية بشأن العراق لعائشة شوبكشو (مراجعة). فصلية حقوق الإنسان. 41.3. 769-772.

[3] شوبكشو، عائشة (2018). في حب الإنسانية: المحكمة العالمية بشأن العراق (فيلادلفيا: جامعة بنسلفانيا للنشر). ص 42. إصدار كيندل.

[4] جيرسون، جانيت (2019). في حب الإنسانية

[5] آنجي، أنتوني (2005). الإمبريالية، السيادة وصناعة القانون الدولي (كامبريدج: جامعة كامبريدج للنشر).

[6] سوكمن، موج (2008). المحكمة العالمية بشأن العراق: رفع الدعوى ضد الحرب (نورث آمبتون ماساتشوستس: أوليف برانش للنشر).

Read this post in: English

اظهر المزيد

سيدريك دهونت

حقوقي بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وحاصل على درجتي ماجستير: الأولى في القانون من جامعة كي يو لوفن، ,وأخرى في الديمقراطية العربية وحقوق الإنسان من جامعة سان جوزيف ببيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى